اخبار وتقارير

الجمعة - 27 نوفمبر 2020 - الساعة 12:22 ص

عدن تايم/ خاص

كتب المستشار أحمد عمر بامطرف ، نائب اول رئيس المحكمة العليا ورئيس محكمة عدن 1979_1990م ان امام المجلس الانتقالي الجنوبي خيارين قانونيين :
إما الإحتكام للقضاء الدولي
وإما إعلان قيام الدولة الجنوبية


مضى أكثر من عام على إبرام إتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الإنتقالي الجنوبي الذي وقع عليه الطرفان بتاريخ 5 نوفمبر 2019 في مدينة الرياض تحت رعاية فخامة الأخ رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي وولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم يُنفذ الإتفاق على الرغم من أن الجانب السعودي وضع قبل نحو أربعة أشهر آليه لتسريع تنفيذ الإتفاق ولم تُنفذ هي الأخرى بسبب الخلافات بين الطرفين بشأن كيفية تنفيذ الشق العسكري من الإتفاق إذ ترى الحكومة الشرعية البدء بتنفيذ الشق العسكري المتعلق بنقل القوات العسكرية والأمنية للطرفين من مواقعها الحالية وإعادة إنتشارها وتموضعها في مناطق أخرى وذلك قبل تنفيذ الشق السياسي المتمثل بإعلان تشكيل الحكومة الجديده ، بينما يرى المجلس الإنتقالي الجنوبي بأن تنفيذ الشق العسكري ينبغي أن يكون بعد تشكيل الحكومة الجديده ، وبالتدقيق في هذين الرأيين يتضح بأن رأي المجلس الإنتقالي يتوافق مع الدستور وعلى وجه الخصوص المادة ( 140 ) منه لأن حكومة تصريف الأعمال لاتختص إلا بالقيام بالأعمال العادية فقط أما القيام بالأعمال غير العادية ومن بينها الأعمال التي تضمنها الشق العسكري من إتفاق الرياض فهي من إختصاص الحكومة الجديدة المزمع تشكيلها والتي تم الإتفاق على قوامها من ( 24 وزيراً ) مناصفةً بين الشمال والجنوب حسبما نص عليه إتفاق الرياض ، هذا من جهه .
ومن جهةٍ أخرى ، فإن المجلس الإنتقالي الجنوبي قدم خلال سير المفاوضات عدداً من التنازلات من أجل تنفيذ إتفاق الرياض كان أبرزها قبولِهِ في بداية التفاوض بإشتراط الحكومة الشرعية إلغاء قرار الإدارة الذاتية التي سبق أن أعلنها في محافظات عدن ولحج وابين والتي كانت مكسباً كبيراً حققه المجلس الانتقالي ، وبالفعل أصدر المجلس الإنتقالي قراراً بإلغاء الإدارة الذاتية ، وقد تزامن قراره هذا مع المسيرات المليونية التي شهدتها مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت ومدينة الغيظة عاصمة محافظة المهرة التي طالبت فيها الجماهير المجلس الإنتقالي الجنوبي بإعلان الإدارة الذاتية في كِلتى المحافظتين اُسوةً بباقي محافظات الجنوب ، ثم قدم المجلس الإنتقالي تنازلاً آخر من أجل تنفيذ إتفاق الرياض يتمثل في قبولِهِ بعددٍ محدود من الوزارات إنتقاصاً من حصته المحددة للجنوب بعدد ( 12 وزيراً ) في تشكيلة الحكومة ، مع أنه أي المجلس الإنتقالي الجنوبي هو الطرف المعني دون غيرهِ بالإتفاق مع الحكومة الشرعية كطرفٍ مُقابل ، والإثنان معاً هما الطرفان المعنيان بإتفاق الرياض الذي توصلا إليه كحلٍ للمواجهات المسلحة التي دارت أكثر من مره في محافظة عدن بين قواتهما العسكرية ، هذا من جهه ، ومن جهةٍ أخرى ، فإن المجلس الإنتقالي الجنوبي هو المُفوض جماهيرياً لتمثيل الجنوب وهو الحامل السياسي لقضية الجنوب المعترف به محلياً وإقليمياً ودولياً ولذلك فهو يختص بإشراك باقي المكونات الجنوبية في توزيع حصة الجنوب من الحقائب الوزارية وفقاً للعدد المحدد للجنوب في تشكيلة الحكومة ( 12وزارة من أصل 24 ) وربما كانت هناك تنازلات أخرى قدمها المجلس الإنتقالي ولم يُعلن عنها ، ومع ذلك وبدلاً من الإعلان عن تشكيل الحكومة تنفيذاً لإتفاق الرياض تواصلت المواجهات المسلحة بين القوات العسكرية للطرفين في منطقة شقره على مشارف محافظة ابين حيث تشتد فيها المعارك يوماً عن يوم ، وفشلت مساعي التهدئه التي قامت بها راعية إتفاق الرياض قائدة قوات التحالف العربي المملكة العربية السعودية ، بينما الغالبية العظمى من الشعب في المحافظات الجنوبية عامةً وفي العاصمة المؤقته عدن على وجه الخصوص تُعاني تدهوراً متزايداً في جميع مجالات حياتهم اليومية ووصلت مستويات معيشتهم الى ماتحت خط الفقر لأسباب كثيره في مقدمتها الإنهيار المستمر في قيمة العملة الوطنية مقابل النقد الأجنبي والإرتفاع المتزايد في الأسعار ، وازدادت تردياً وبؤساً الأحوال الصحية للناس بسبب تفشي الأمراض وسوء الخدمات الصحية وجميع الخدمات الأساسية الأخرى ، ويحدث كل ذلك في ظل الغياب المستمر للحكومة الشرعية عن عدن مع أنه سبق أن أعلنتها منذ ست سنوات عاصمة مؤقتة للبلاد بينما لازالت تُقيم في الخارج .
لقد وصلت الأحوال العامه لحياة الناس في العاصمة المؤقتة عدن على وجه الخصوص الى مشارف المآسي الإنسانية المُروِعة التي سيؤدي تفاقمها الى نتائج وخيمة لاتُحمد عُقباها لولا الجهود الجباره التي يُبذِلُها بتفانٍ وإخلاص محافظ عدن الجديد الأستاذ احمد حامد لملس - وهذه كلمةُ حقٍ تُقال في حق هذا الرجُل - فعلى الرغم من حداثة تعيينه في هذا المنصب إلا أن مابذلهُ من جهود وماأصدرهُ من قرارات ومااتخذه من إجراءات حتى الآن في مجالات مختلفه في محافظة عدن أعادت الطمأنينة الى قلوب الناس وزرعت الأمل في نفوسهم بإمكانية إخلاء عدن من عصابات الفساد والنهب والإجرام وإمكانية إستعادة عدن لجمالٍها وأمنها واستقرارها وازدهارها ، ولذلك إزداد حجم التآمر على الجنوب وأصبح أكثر شراسةً من ذي قبل وهذا ماتؤكدهُ مجريات الأحداث الدائرة على أرض الواقع في الجنوب بدءاً بسحب وحدات كبيره من الجيش الوطني من جبهات القتال في المحافظات الشمالية وغزوها للمحافظات الجنوبية إبتداءً بمحافظة شبوه ثم محافظة ابين للوصول الى عدن بقصد إعادة إحتلال الجنوب ، وهذا ماتؤكده المعارك اليومية الطاحنه التي تدور بين هذه القوات والقوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي ، كل هذه الأحداث الخطيرة تجري على مرأى ومسمع من قيادة قوات التحالف ودول الإقليم والدول الراعية على اليمن وكذلك المندوب الدولي الى اليمن مارتن قريفيش دون أن تكون هناك إدانه أو حتى إستنكار من هذه الأطراف الاقليمية او الدولية لما يحدث ، ومن خلال كل هذه الشواهد يُمكِن تفسير المماطلة في تنفيذ اتفاق الرياض والضغوط التي مُورِست على المجلس الانتقالي الجنوبي للتخلي عن الادارة الذاتية وتقديمهِ التنازلات تلو التنازلات دون أي مقابل ، واستمرار المعارك في شقره بهدف تحويلها الى حرب استنزاف طويلة المدى بالإضافة الى استمرار حرب الخدمات على المواطنين في المحافظات الجنوبية عامةً وتوقيف صرف الرواتب والمستحقات المالية لقطاع واسع من العسكريين الجنوبيين ، كل هذه المآسي القصد منها زعزعة ثقة الشعب الجنوبي في قيادته المتمثله في المجلس الانتقالي وإيصاله الى حالة اليأس والإحباط العام تمهيداً للقضاء على تطلعاته المشروعه في بناء دولة وطنية ديمقراطيه مستقلة آمنه ومزدهره .
إن واقع النزاعات المسلحة عموماً التي تجري داخل بعض الدول بين الحكومات الشرعية وأطراف محلية متحاربه معها أظهرت مدى وحشية تللك النزاعات والخسائر البشرية الناتجة عنها والأضرار البالغة التي تسببها للسكان المدنيين ، ولهذا قام فقهاء القانون الدولي بعدة محاولات وقدموا وجهات نظر فقهية وقانونية دولية لإخضاع هذا النوع من النزاعات المسلحة لقدرٍ من التنظيم ، ولذلك فقد عالج القانون الدولي الحروب الداخلية التي تدور داخل الدول بإعتبارها حروباً بنفس طريقة معالجته أساساً للحروب التي تقع بين الدول ذات السيادة وذلك في حالة إعتراف الدولة بالأطراف المتحاربة معها في نزاع مسلح ( داخلي ) غير دولي بإعتبارها أطرافاً مُحارِبه لها ، أما إذا لم تعترف الحكومة الشرعية بالمحاربين لها تبقي هذه الحروب حروباً داخلية خارج نطاق تطبيق القانون الدولي فتخضع بالتالي لأحكام القانون الداخلي للدولة القائم على إقليمها النزاع المسلح ، بينما إعتراف الحكومة الشرعية بالمحاربين فهو ينقُل هذه صفة هذه النزاعات المسلحة من كونها حروب داخلية الى صفة الحروب الدولية وبالتالي تخضع للقانون الدولي وتُعامل الأطراف أساساً كدوله في حالة حرب وتتمتع بنفس الحقوق وتلتزم بنفس الواجبات ويكون الإلتزام بكفالة إحترام قواعد القانون الدولي مُلزِماً للأطراف على قدم المساواة . والإعتراف بالمحاربين هو نظام قانوني من أنظمة القانون الدولي وهو تصرف قانوني تُعبر من خلاله الدولة عن رغبتها ونيتها في إقامة علاقة مع الطرف المتحاربة معه . وعلى هذا الأساس أصبح القضاء الجنائي الدولي يلعبُ دوراً أساسياً وهاماً في النزاعات المسلحة التي تجري داخل الدول ، فالمحكمة الجنائية الدولية هي الأداة المُفترضه لمراقبة تنفيذ ماأقرهُ القانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة من قواعد والتزامات ، والنزاعات المسلحة التي تحدث داخل الدول تخضع لإمكانية ملاحقة ومحاكمة ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم التطهير العِرقي وجرائم انتهاكات حقوق الإنسان ، وذلك عن طريق إنشاء محاكم جنائية خاصة مثل المحكمة الجنائية الخاصة بجمهورية يوغوسلافيا السابقة أثناء الحرب التي جرت بين الصرب ومسلمي البوسنه والهرسك والمحكمة الجنائية الخاصة بجمهورية رواندا أثناء الحرب التي دارت فيها بين قبيلتي التوتسي والهوتو ، وقد قامت المحكمتان بدورٍ فعال في ملاحقة ومحاكمة ومعاقبة مجرمي الحرب وأسهمتا في إنهاء النزاعات المسلحة في تلك الدولتين ، ولابد مستقبلاً للمحكمة الجنائية الدولية أن تقوم بالدور ذاته ليكون كل فعل يهدد أو يمس الأمن والسلم الدوليين حتى وإن اُرتُكِب على المستوى الداخلي واقع ضمن إختصاص المحكمة .
وتأسيساً على ماتقدم بيانه من قواعد في القانون الدولي من جهه ، ومن جهةٍ أخرى لأن اليمن وُضِعت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتحت الوصاية الدولية ، فإن المجلس الإنتقالي الجنوبي طالما هو طرفٌ مُعترف به من قِبل الحكومة الشرعية ومتحارباً معها وككيان سياسي معترف به وطنياً وإقليمياً ودولياً وقد أبرمت الحكومة الشرعية إتفاقاً معه ( إتفاق الرياض ) بشقيه العسكري والأمني أيده مجلس الأمن الدولي وباركته الدول الراعية ودول الإقليم والتحالف ولم يتم تنفيذه ، فلذلك ومن أجل تجنُب المعارك المسلحة وحرب الإستنزاف طويلة المدى ، وماسينتج عنها من خسائر بشرية ومادية وخيمة ، وكذا من أجل إنقاذ الغالبية العظمى من الشعب الجنوبي من براثن الفقر والجوع والمرض والمآسي المختلفه التي يعانوا منها ، لذلك فليس أمام المجلس الإنتقالي سوى خيارين قانونيين ، إما الإحتكام للقضاء الدولي للمطالبة بتوفير الحماية الإنسانية الدولية للمواطنين وإلزام الحكومة بتنفيد الإتفاق الذي سبق أن باركه مجلس الأمن الدولي وكذلك الدول الراعيه ، والمطالبة بوضع حدٍ للنزاعات المسلحة وإنهاء الحرب برمتها وتحقيق السلام والعمل على إعادة بناء الدولة ، وإما أن يُعلِن المجلس الانتقالي قيام الدولة الجنوبية المستقلة التي يناضل من أجل تحقيقها ، وهذا الموضوع سنتناول بحثه بالتفصيل وفقاً للقانون الدولي والمواثيق والقرارات الدولية ذات الصِله والقانون الدستوري وذلك في مقالِ آخر إن شاء الله .