من تاريخ عدن

الأربعاء - 10 فبراير 2021 - الساعة 01:29 ص

تقرير: هشام الحاج

- استهلال:

تنتشر في مديريات عدن عشرات المقاهي التي أعتاد كبار السن والكثير من أبناء المدينة على أرتيادها منذ عقود طويلة وتعتبر ملتقى عام لهم ومكان لتجمعهم، وكثير من هذه المقاهي يصل عمرها إلى أكثر من مائة عام .

فعندما زارت الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا مستعمرة عدن عام 1954، وتجولت في بعض أحيائها، مثل حي كريتر الذي يضم أشهر المقاهي كمقهى زكو وسكران، كانت المدينة تعيش ربيع ازدهارها حتى كادت تنافس عواصم عربية مثل القاهرة وبيروت وفق ما تفيد المصادر التاريخية.

- مقاهي عدن منتديات ثقافية:

وفي القرن الماضي إعتاد كثير من الادباء والشعراء والفنانين والرياضيين والعمال والصحفيين وحتى السياسيين وكبار المسؤولين والمواطنين العاديين على إرتياد هذه المقاهي الذي ظلت محافظة على رونقها وجمالها وأصالتها العريقة ولازالت حتى اليوم تجذب مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، لشرب الشاي... لتتحول إلى أشبه بالمنتديات الثقافية والفنية والأدبية.

- مقاهي عدن في التاريخ الأدبي:

يقول العلامة السوري محمد كرد علي في مذكراته �إن التاريخ الأدبي حافل بالكتابة عما يدور في المقاهي، ولم يكن ما كتبه أبو حيان التوحيدي في كتابه �الإمتاع والمؤانسة� غير اقتباسات من مجالس السمر التي كانت تدور في دار الوزير في قضايا الفكر والأدب، وحرص الأمير على مسامرة ذويه في تلك الليالي التي شهدها أبو حيان، وسجل خلاصتها بأسلوبه البارع، فتميز كتابه بالتنقل بين المواضيع كما يحدث في المجالس عادة وبتلقائية غير مقصودة�.

- لمحة تاريخية:

تعد مقهاية زكو من أقدم المقاهي الشعبية في مدينة كريتر بعدن ، واصبحت علم من اعلام المدينة ،حيث كانت تقدم الشاهي بانواعه لزبائنها .

أسسها الحاج زكريا محمد إلياس ( 1888 - 1955م ) رحمة الله عليه في خمسينيات القرن الماضي، وإليه نسب اسمها ( زكو ) .

- بصمات عدنية:

تعتبر عائلة زكو من ارقى العائلات العدنية التي تنحدر منها العديد من الشخصيات العدنية المهمة والراقية والتي تركت بصمة كبيرة في تاريخ عدن ومنهم :

السيد رجل الاعمال / إبراهيم زكريا رحمة الله عليه
السيد رجل الاعمال/ إسماعيل زكريا الله يعطيه الصحة والعافية والعمر المديد
السيد الصحفي والمؤرخ/ محمد زكريا الله يعطيه الصحة والعافية والعمر المديد
السيدة القاضية المحامية / حميدة زكريا رحمة الله عليها
السيدة المخرجة / أمينة زكريا الله يعطيها الصحة والعافية والعمر المديد
السيد / كابتن طيار صديق زكريا الله يعطيه الصحة والعافية والعمر المديد
السيد / الفنان الارتيست ابراهيم زكريا الله يعطيه الصحة والعافية والعمر المديد.

- ملتقى للأحرار والثوار:

كانت المقهاية ملتقى لكافة الشرائح والمستويات من ابناء عدن وكذا المارين بعدن وضيوفها ، وكانت الملتقى الأول للأحرار والثوار المناضلين آنذاك، اما انواع الشاهي العدني الشهير الذي كان يتم تقديمه في مقهاية زكو :

الشاهي المحوج - زايد جوز
الشاهي العصملي - الثقيل جدا
الجرو - خفيف اللبن
شاهي نص - يعني نص قلص
شاهي دبل - يعني قلص مليان.

- انواع الشاي العدني:

هناك العديد من أنواع الشاي العدني التي تقدمها هذه المقاهي لمرتاديها، حسبما يحكي المؤرخ "بلال غلام"، والذي قال أنه يعتبر من الضروريات في المقاهي العدنية وله طقوس و طرق متعددة تعلمها اهل المدينة من الهنود الوافدين في بداية القرن التاسع عشر.

وأضاف " أن الشاي المعروف لدى عامة الناس هو الشاي المُلبن بجميع انواعه وطرق عملة, حيث يتم غليه ومن ثم يضاف اليه اللبن ليغليا معا على نار هادئة, ومن ثم يضاف اليهما الحوائج المخلوطة وهي جوز وهيل وقليل من الزنجبيل حسب الطريقة الهندية , وأن هناك طريقتين شهيرتين لطبخه اما على الفحم(فوق المربخ) والتي كانت تستخدم قديما, أو على الشولة".

- مقهى زكو وكومار الهندي:

من منا لا يعرف أو يقرأ قصة كومار الذي كان يتجول في حارة الهنود بعدن، عندما اخترقت صدره رصاصة استقرّت في قلبه. شعر كومار بأنه ميت لا محالة، فاتّجه إلى "مقهى زكو" ليتصل بحبيبته ويودعها الوداع الأخير.

حضرت كوماري إلى المقهى، احتضنها كومار، فقالت له أنها مستعدة لأن تتزوجه ولو لم يتبقّ من عمره سوى لحظات. أنجب الزوجان طفلًا سمّياه تامر. كبر تامر وتزوج وأنجب أيضاً، فأصبح كومار جَدّاً، لكنه ما زال يصارع الموت ودمه ينزف بعد 50 سنة، انتهى الفيلم، ولم يمت كومار، وحدها الرصاصة ماتت من الملل.

هذا محتوى "قصة هندية لا تصدق" لكاتب مجهول نشرت على الإنترنت وحوادث القصّة وشخوصها متخيّلة باستثناء عنصر المكان مقهى زكو الّذي يعدّ من أقدم مقاهي مدينة عدن اليمنية وأشهرها، والتي عرفت بريادتها على مستوى الجزيرة العربية في احتضان مظاهر حديثة مثل المسرح والسينما، بيد أن كل ذلك قد انهار.

- خاتمة :

يقول الدكتور سالم البيض من المعهد العالي للعلوم الإنسانية - تونس- في بحث له: لا شك أن المقهى بالرغم من انتمائه إلى الفضاءات المخصصة لأوقات الفراغ وللمعاملات غير الرسمية والشكلية، فإنه استطاع أن يلعب أدوارا كبرى وخطيرة في أحداث سياسية ونقابية، وفي الترويج للأفكار والأيديولوجيات والآداب والفنون، وفي عقد الصفقات الهامة، وفي ارتباطه بأحداث وشخصيات على درجة كبرى من الأهمية في تاريخ البشرية (مقهى جلس فيه ماركس أو سارتر). وقد بات يشكل موضوع إبداعات أدبية وفنية سينمائية ومسرحية، وهو في واقع الأمر نتاج لحراك اجتماعي وتاريخي عاشته البشرية في إطار إجابتها على الأسئلة، والتي كثيرا ما ترتبط بالحاجات البشرية المادية والمعنوية المتجددة، وهو يعيش التحولات التي يعيشها المجتمع بأكمله، ويتأثّر بها، ويؤثر فيها بشكل أو بآخر.