كتابات وآراء


14 يناير, 2021 10:35:29 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. عيدروس نصر
الفصل الأول
المسار التاريخي للقضية الجنوبية
ــــــــــــــــــــــــــ
لم يكن سراً ذلك التفاوت والاختلاف بين نظامي البلدين، ففي حين اختار النظام الجنوبي، طريق الدولة المؤسسية وأنهى كل حضور للعلاقات التقليدية، القبلية والجهوية والعشائرية، وأي نفوذ للشخصيات الاجتماعية على اساس المقامات القبلية والتراتبية الاجتماعية التقليدية، وأحلَّ محلها نظام الدولة والمؤسسة القضائية والنيابية والأمنية، كان النظام في العربية اليمنية يقوم على المزاوجة بين الدولة والقبيلة، بل لقد كانت القبيلة في غالب الأحيان أكثر حضوراً من الدولة، وفي كثير من الأحيان كان زعماء القبائل هم من يحددون ليس فقط محافظ المحافظة ومدير المديرية، بل ورئيس الجمهورية، فعندما غضب هؤلاء من الرئيس عبد الله السلال انقلبوا عليه وأتوا بالقاضي عبد الرحمن الإرياني، وعندما لم يرق لهم الرئيس ابراهيم الحمدي اغتالوه في العملية المشهورة، وأتوا بأحمد الغشمي ثم علي عبد الله صالح.
وفي حين اختارت جمهورية الجنوب نظام الاقتصاد المخطط سار النظام الاقتصادي في العربية اليمنية على أساس "اقتصاد السوق" لكنه لم يتقيد بالمعايير العالمية لهذا المفهوم، بل كان يقوم على العشوائية غير المنضبطة لأي معايير أو موجهات أو قوانين، مع ما شابه من فساد ورشاوي ودخول مراكز القوى الطفيلية في النشاط الاقتصادي مما أفسد ما لهذا النوع من الاقتصاد من حسنات.
وفي حين حدد النظام في الجنوب حدود الملكية الزراعية والصناعية والمالية في إطار ما كان يُعرَف بـ"التوجه الاشتراكي"، كان نظام الملكية في العربية اليمنية لا يعرف حدوداً وقد لا يكون هذا هو العنصر المهم في الأمر، لكن هذا النوع من النظام في ظل غياب الضوابط القانونية وغياب الدولة عموماً، قد جعل الطبقات الثرية تتوسع في ثرائها على حساب الطبقات الفقيرة التي كانت تزداد عوزا وفقرا وهبوطا إلى قاع المجتمع.
وفي حين أنهى النظام في الجنوب أي أثر من آثار العبودية وحرمها بالقانون ووضع أسسا للمساواة بين الناس بغض النظر عن الانتماء الجنسي أو العرقي أو القبلي أو الفئوي أو الفكري، كانت العبودية في العربية اليمنية ما تزال قائمة بل وواصلت حضورها حتى ما بعد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
وفي حين كان الاقتصاد في الجنوب يقوم على أساس ملكية الدولة للأرض والبحر وما عليهما من موارد وثروات وتسخيرها لأغارض تنفيذ السياسات الاقتصاديية والاجتماعية المنصوص عليها في دستور ونظام البلد وقاونينها، كان النظام في العربية اليمنية يقوم على الملكيات الخاصة التي لا تخضع لقانون ولا تعرف التنافسية المشروعة أو "المشرعنة"، وقد سمح الفساد والعشوائية والاقتصاد الطفيلي بنشوء بؤر اقتصادية تفوقت في سنوات من حيث ملكياتها على ما يمتلكه كبار المنتميين إلى "الطبقة البرجوازية التقليدية" إذا ما جاز التعبير، ففي حين كان نظام الدولة يزداد فقراً وإفلاساً كان كبار الطفيليين يزدادون ثراء وفحشاً، ووصل الأمر إلى بيع أراضي وأملاك الأوقاف التي من المفروض أنها ملكاً للواقف وحده ولا علاقة للدولة بها، بل بلغ الأمر درجة أن (الدولة) بكل هيبتها وهيلمانها، تقوم باستئجار مباني الوزارات والمؤسسات والمصالح الحكومية من الملاك الأثرياء وأحيانا يكون الوزير أو أحد مقربيه هو المالك للعقار الذي تستأجره وزارته، إذ لم يعد لدى الدولة ما تمتلكه.
إننا هنا لا نجري مفاضلة بين نظامي البلدين، ولا نتحدث عن حسنات هذا أو مساوئ ذاك من النظامين، إذ لكل نظام من المآخذ ما يمكن أن تحسب عليه، وإن كان تغييب الدولة وانتشار العشوائية غير قابل للمقارنة بأي نظام وأي قانون، لكن هدفنا من هذه المقارنة كان تبيان التفاوت بين نهجي ونظامي بلدين ودولتين تتغنيان بنفس الأغنية "الوحدة اليمنية" وترفعان نفس الشعار، ولكن بأسس ونوايا وأغراض ومقاصد مختلفة وأحيانا متنافرة.

القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (4)
_____________ د عيدروس نصر
الفصل الأول
المسار التاريخي للقضية الجنوبية

لقد كان واضحاً أن الحديث عن "الوحدة اليمنية" يسير على مستويين.
المستوى الأول: وهو التوجه الجدي والعمل على الوصول لهذه اللحظة التاريخية باعتبارها ليست فقط وسيلة لإيقاف العلاقات العدائية بين الشعبين والبلدين الشقيقين، ولكن أداة لفتح آفاق التطور والتنمية والنهوض والديمقراطية ودولة القانون، وهذا ما كان يتصوره قادة الجنوب ويقولون به ويوثقونه في مستندات الدولة وأدبيات الحزب الحاكم، وهو ما ظل معروفاً سواء في أجواء الوئام والود مع الأشقاء في العربية اليمنية أو حتى في أجواء التوتر والتنازع، وليس صدفة أن مقولة "الوحدة قدر ومصير الشعب اليمني" كانت عنواناً رئيسيا في الخطاب السياسي الجنوبي على مدى أكثر من ربع قرن.
وبالمقابل كان الأشقاء في الشمال ينظرون إلى "الوحدة اليمنية" على إنها يمكن أن تكون وسيلة للتوسع وضم الجنوب ذي المساحة الواسعة والثروات الواعدة والسكان قليلي العدد إلى دولة العربية اليمنية، التي تكتظ بالسكان في مساحة جغرافية ضيقة لا تساوي نصف مساحة الجنوب وذات المستوى المحدود من الثروات والموارد.
المستوى الثاني: وهو المسار التكتيكي وغالبا ما كان هذا سلوك مميز لكل الذين تداولوا السلطة في الشمال منذ عهد الزعيم السلال، حتى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث يبرز هذا الموقف أثناء التوترات التي شهدتها العلاقات بين الطرفين وما أكثرها، فقد كان شعار "الوحدة اليمنية" يقفز بقوة إلى المقدمة كلما نشبت نزاعات هنا أو هناك على الحدود أو بسبب توافد النازحين عند حدوث الانقسامات الداخلية في أحد النظامين أو كليهما، وقد لاحظنا كيف كان نظام العربية اليمنية يرفع الشعار كوسيلة للهروب من الاستحقاقات التي تقتضيها معالجة أزماته الداخلية، ولتبرير أية سياسات قد يتخذها تجاه الجنوب، كما لاحظنا إنه قبل وأثناء مواجهات 1972م على الحدود بين الدولتين كان الحديث عن "الوحدة اليمنية" هو الخطاب الأبرز في الإعلام الشمالي، وقد تمخض عن هذه اللحظة اتفاق القاهرة بين الرئيسين سالم ربيع علي وعبد الرحمن الإرياني وبيان طرابلس بعد لقاء رئيسي وزراء البلدين محسن العيني وعلي ناصر محمد، وهذا ما تكرر مع مواجهات 1979م التي تلاها اتفاق الكويت بين الرئيسين عبد الفتاح اسماعيل وعلي عبد الله صالح، وكان هذا التوجه لدى القيادة السياسية في الشمال يمثل تعاطيا عمليا مع المقولة الشائعة "الهجوم هو خير وسيلة للدفاع".
ولا يمكن أن يفوت الحديث هنا عن الأدوار الإيجابية التي لعبها الأشقاء في جامعة الدول العربية والقيادة المصرية بالنسبة لاتفاق القاهرة، والعقيد القذافي فيما يتعلق ببيان طرابلس، ودور الأشقاء في دولة الكويت في التقريب بين قيادتي البلدين حتى توقيع اتفاقية الكويت، لكن ما تنبغي ملاحظته هنا هو أن جميع اللقاءات الثنائية كانت تخرج ببيانات فضفاضة لا تتضمن أية نصوص تلزم الطرفين بأي إجراءات عملية ملموسة عدا الحديث الجميل المنمق عن الأهمية التاريخية لـ"الوحدة اليمنية"، وكأن الطرفين كانا يذهبان وهما مضمران عدم الاتفاق على شيء سوى وقف المناوشات العسكرية وتخفيف الحملات الإعلامية ولو مؤقتاً، وهذا أمر مفهوم وطبيعي فمن المستحيل اتخاذ خطوات عملية لتوحيد طرفين يسيران في طريقين متعاكسين وينهجان نهجين متناقضين في معظم مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية عموماً.
ولا يمكن استكمال الحديث عن هذه القضية دون التعرض لواحدة من الفترات المهمة في العلاقة بين الجمهوريتين، وهي فترة الثمانينات التي تلت توقيع بيان الكويت، حينما تولى قيادة الجنوب الرئيس علي ناصر محمد، حيث شهدت تلك الفترة تحسناً في العلاقة بين الطرفين تضمنت قيام ما عرف بـ"المجلس اليمني" الذي ضم الرئيسين وبعض الوزراء وله تشكيلات فرعية، وإيقاف المواجهات العسكرية في المناطق الوسطى (مناطق وجود ونشاط ما عرف حينها بالجبهة الوطنية) مقابل فتح المجال للنشاط الإعلامي والسياسي للجبهة ولبقية القوى المعارضة لنظام علي عبد الله صالح، ومع ذلك لم تكن تلك الفترة مثالية فقد كان كل من الطرفين يرقُب عيوب واختلالات الطرف الآخر، لكن نظام العربية اليمنية تنفس الصعداء باندلاع أزمة يناير 1986م في عدن، التي يقول كثيرون أن يد النظام في صنعاء لم تكن بعيدةً عن إذكائها وتسريع اشتعالها، وما تلاها من انقسام رأسي وأفقي في مؤسسات الحكم والجيش والأمن والمجتمع في الجنوب وما خلفته المواجهات من آثار مدمرة للتجربة وللمجتمع بشكل عام ونزوح قطاع كبير من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية إلى صنعاء ليتخذ منها النظام في العربية اليمنية وسيلة لابتزاز الجانب الجنوبي، وهذه القضية تتضمن تفاصيل عديدة قد يطول الحديث فيها لكن يمكن التوقف عندها في إطار دراسة أخرى.

القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (5)
الفصل الأول
المسار التاريخي للقضية الجنوبية
ــــــــــــــــــــــــــــــ د. عيدروس نصر

جاء إعلان 22 مايو 1990م مسبوقا بعدد من التفاعلات المتناقضة في العلاقة بين الجنوب والشمال، فمن ناحية شهدت مناطق الحدود العديد من مظاهر التوتر والمواجهات المسلحة الخفيفة في نقاط التماس بين حضرموت والجوف وبين شبوة ومأرب، والبيضاء ومكيراس ويافع في أبين، وقعطبة والضالع كما في كرش والشريجة ، ومناطق الصبيحة والحجرية بلحج، وكان واضحاً أن أزات النظام في صنعاء تراهن على ضعف الوضع العسكري والأمني والسياسي الجنوبي نتيجة لما خلفته أحداث 13 يناير من أضرار بليغة، حيث جرت العودة إلى أعمال التخريب وزراعة الألغام والتحرشات عبر الحدود، والتعدي على بعض المواقع العسكرية الجنوبية في مناطق التماس، لكن قوات الأمن والجيش الجنوبية أفشلت كل تلك المحاولات وأجبرت قوات الأشقاء على الكف عن محاولاتها، وبرهنت على أن الوضع الأمني والعسكري في الجنوب لا يزال يتمتع بقدرة ممتازة على حماية الحدود والتصدي لأعمال التخريب والتحرش وإنه رغم آثار كارثة يناير ما يزال يتفوق على وضع الأشقاء في الشمال في كثير من النقاط.
ومن ناحية ثانية كانت الزيارات المتبادلة بين ممثلي الحكومتين تسير باتجاه محاولات التهدئة، وفي العام 1988م توصل وزيرا الداخلية في الجمهوريتين إلى اتفاق السماح للمواطنين بالتنقل بالبطاقة الشخصية وهو ما لم يكن مسموحاً من قبل، كما وقعت بعض الاتفاقيات على إنشاء الشركات والاستثمارات المشتركة في مجالي السياحة والتنقيب عن النفط في مناطق التماس بين حضرموت والجوف، وبين شبوة ومأرب.
وساهمت تلك الاتفاقيات في تخفيف التوتر وتطبيع الأوضاع، وازدياد أعداد المسافرين بين الدولتين، وبالتوازي مع هذا تنامت الزيارات الرسمية بين قيادتي البلدين حتى جاءت زيارة الرئيس الشمالي علي عبد الله صالح لعدن في نهاية نوفمبر 1989م وتوقيع اتفاقية 30 نوفمبر التي قضت بالتوقيع على مسودة الدستور المنجز منذ مطلع الثمانينات، وتلى ذلك عدد من لقاءات القمة بين قيادتي البلدين في البيضاء وتعز حتى إعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م.
وقد ترافق إعلان مايو مع حماسٍ كبيرٍ وعارمٍ شمل كل محافظات الجنوب والشمال، ففي الجنوب بني هذا الحماس على عدة منطلقات، فتلاميذ المدرسة الاشتراكية كانوا يرون في "الوحدة" تحقيقا للشعار التاريخي الذي رافق مسيرة التجربة الجنوبية منذ يومها الأول، والمواطن العادي غير المسيس كان يراهن على أمر جديد لم يعرف ما هو، لكنه سيكون مختلفا عن النموذج الذي لم يعجب البعض من تجربة الاقتصاد الواحد والصوت السياسي الواحد والبطء المزمن في عجلة النمو الاقتصادي مقارنة معه الحملة القوية المروجة للنموذج الاقتصادي في الشمال الذي لم يكن المواطنون الجنوبيون يرون منه إلا ظواهره السطحية ولم يتبينوا ما وراءه من مساوئ وعيوب إلا بعد أن "وقع الفأس في الرأس" كما يقال، أما القوى السياسية الجنوبية غير الراضية عن تجربة الجنوب في الداخل والخارج، فقد رأت في هذه الخطوة خلاصاً من النظام الذي لم يرق لها يوماً، ولها معه ثارات متعددة، وقلة قليلة من قيادات الحزب الاشتراكي وبعض المعارضين بما في ذلك قيادات سلاطينية وسياسية من النازحين الجنوبيين حذرت من الاندفاع المستعجل غير المدروس، ونبهت إلى المخاطر التي قد تترتب على فشل تلك التجربة ما لم توضع لها شروط النجاح وضمانات عدم النكوص، لكن تدافع الأحداث وتسارع الخطوات لم يدع فرصة للاستماع لمثل هذه الأصوات المتعقلة في ظل طغيان الحالة العاطفية الجارفة في التعامل مع هذه القضية الحساسة.
أما في الشمال فقد بني الحماس أيضا على عدة اعتبارات، قد تكون مختلفة عما هو عليه الحال في الجنوب، فهناك القوى المعارضة بكل أطيافها السبتمبرية القومية واليسارية كانت ترى في خطوة 22 مايو مدخلا لحصول انفتاح سياسي يخرجها من دائرة المعارضة السرية الملاحقة والمتهمة في وطنيتها، إلى العلن ويضيف لها رديفاً سياسياً قوياً هو الحزب الاشتراكي اليمني الذي سيغدو جزءً من الحكم بالنصف، بينما كانت القوى النافذة من رجالات الجيش والمشايخ وكبار الملاك كانوا ترى في الجنوب ساحة واسعة للتوسع الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وكانت الطبقات الطفيلية التي تتحكم في صناعة القرار مثلما تتحكم في عجلة الاقتصاد ترى في الجنوب مزيداً من الأسواق والمستهلكين لتسويق بضائعها ومضاعفة أرباحها، وفرصة للمزيد من الممارسات الطفيلية المعهودة عنها بعد أن استنفدت كل ممكنات الهيمنة والتوسع والعبث في الشمال، أما المواطنون الشماليون البسطاء وهم الغالبية فرأوا في الانفتاح بين الدولتين ومن ثم السير باتجاه "الوحدة"، فرصة لمزيد من مجالات العمل والتنقل الحر وتخفيف القيود المفروضة عليهم من النظام الأبوي القائم في مناطق الشمال، بل أن آلاف المرضي الذين توافدوا إلى مستشفيات عدن ولحج وأبين، وحتى عتق وبيحان من أبناء محافظات الشمال أثناء التنقل باستخدام البطاقة الشخصية، نقلوا صورةً وردية عن الخدمة الطبية المجانية في الجنوب جعلتهم ومعهم قطاع واسع من المواطنين الشماليين يرون هذا الخير الوفير في "وحدة" 22 مايو.
ووحدهم أتباع الإسلام السياسي رفضوا بيان نوفمبر والخطوات المتتابعة باتجاه إعلان 22 مايو، ويتذكر الجميع ذلك الانقسام الحاد الذي شهده "مجلس الشعب التأسيسي" في صنعاء عشية إعلان بيان 22 مايو، فقد كانت القوى الإسلامية (تيار الإخوان المسلمين المدعوم من القبائل وكبار المشائخ وبعض القادة العسكريين) ترى في وحدة 22 مايو مشاركة لتيار الكفر والإلحاد القادم من الجنوب في الحكم وتمكينة من نشر "أذاه" في الشمال، واعتبروا أن "الشراكة مع الكفار كفر"، وظلت تلك الرؤية حتى العام 1994م وما بعده هي المهيمنة على قيادات وقواعد هذا التيار.
لن نتوقف طويلا عند الإجراءات العملية التي سارت عليها خطوات التحرك باتجاه إعلان مايو 1990م فالتفاصيل موجودة لدى كل من عاش تلك الفترة وما كتب عنها من أخبار وتعليقات وتقارير وتفاصيل تغني عن كل حديث لكننا يمكن أن نتوقف عند السؤال المحوري: لماذا فشلت تجربة وحدة 22 مايو بين دولتي "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" و"الجمهورية العربية اليمنية"؟


القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (6)
الفصل الأول
المسار التاريخي للقضية الجنوبية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ د. عيدروس نصر
توقفنا في الحلقة السابقة عند السؤال:
ـ لماذا فشلت تجربة وحدة 22 مايو بين دولتي "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" و"الجمهورية العربية اليمنية"؟
قبل الإجابة على هذا السؤال يمكننا التعرض للملاحظتين المهمتين التاليتين المرتبطتين بتسارع الخطوات التي شهدتها الفترة 1988 -1990م حتى صبيحة 22 مايو يوم صدور بيان إشهار الجمهورية اليمنية ورفع علمها في العاصمة الجنوبية عدن:
الملاحظة الأولى: القول الذي روجه قادة النظام في صنعاء وأجهزتهم الإعلامية والمخابراتية، والذي فحواه إن موافقة الجنوبيين على السير نحو "الوحدة" جاء هروبا من استحقاقات التحولات التي جرت في بلدان المعسكر الاشتراكي بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي أو كما يقولون "الهروب من مصير تشاوشيسكو" في إشارة إلى حادثة قتل الزعيم الروماني الاشتراكي نكولاي تشاوشيسكو الذي أسقطه المتظاهرون ضد نظامه في العام 1990م وأعدموه بعد إسقاط النظام مباشرةً.
في مناقشة هذه المقولة الخرقاء يمكن الإشارة إلى أن شعار "الوحدة اليمنية" بالنسبة للجنوب كان شعاراً ملازماً لكل مراحل تطور التجربة الجنوبية منذ المؤتمر العام الخامس للجبهة القومية في مارس 1972م، وبغض النظر عم الاتفاق أو عدم الاتفاق مع هذا الشعار، فإن طرحه وتكريسه في طكل الأدبيات والوثائق والخطاب الإعلامي والسياسي الجنوبي لم يكن بغرض المناورة والمزايدة السياسيتين، بل إن هذا الشعار هو أحد المآخذ التي يطرحها اليوم ضحايا تجربة "الوحدة الفاشلة" من الجنوبيين على القيادة الجنوبية، وقد يكونون محقين في طرحهم، لكن المهم إنه ليس صحيحا أن الجنوبيين هربوا إلى "الوحدة" وهم من جعلوها جزءً من تحية العلم الصباحية لكل يوم في المدارس والمعسكرات ومرافق العمل قبل ظهور اسم تشاوشيسكو وقبل أي بادرة من بوادر ضعف أو تفكك الاتحاد السوفييتي، وإن الربط بين هذه الحوادث وبين الذهاب باتجاه "وحدة اليمن" لا يمثل إلا تأويلاً تعسفياً لأحداث ومسارات تاريخية لها منطقها وصيرورتها المختلفة، بغض النظر عن صوابها وخطأها .
الشق الآخر هو إن مقولة "الهروب"، هي مقولة مدحوضة من داخلها، فمن يهرب يمكن أن يهرب إلى وضع أفضل مما هو عليه وليس إلى الأسوأ والأكثر تخلفا، وفقرا وتأزماً والأقل فرصاً للنمو؟ وقد كانت أمام الدولة في الجنوب فرصا أكثر جاذبية وأوفر حظا لـ"الهروب" من فرصة "الوحدة" مع نظام صنعاء، فكان يكفي الجنوبيين الاعتماد على مواردهم والانفتاح على القوى السياسية الجنوبية وتصحيح العلاقة معها وإجراء مصالحة وطنية جنوبية دونما حاجة إلى الاندفاع باتجاه "تلك الوحدة" غير معروفة المسارات المستقبلية.
كما توفرت الفرص للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، أو التعاون والشراكة مع دول خليجية كالإمارات والكويت والسعودية، في حالة عدم نجاح الدخول في المجلس رغم المعلومات المؤكدة عن طرح هذا العرض على قيادة الجنوب من قبل الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله.
إننا نستعرض هذه الفرضيات ليس للتباكي أو التحسر ولكن لدحض التخرصات التي كرسها حكام صنعاء وإعلامهم وأجهزتهم المخابراتية بعد انقضاضهم على وحدة 22 مايو ونكثهم بالعهود التي قطعوها والمواثيق التي وقعوها وتعهدوا بالحفاظ عليها.
لكن التساؤل لماذا اختيار تلك اللحظة لإعلان توحيد الدولتين، و"لماذا الوحدة الاندماجية"، وليس سواها؟ يظل سؤالا مشروعا، ويمكن للتاريخ أن يرد عليه في يوم من الأيام.
الملاحظة الثانية: إن الحديث عن "هروب" طرف إلى الوحدة لا يعني سوى أمرٍ واحد وهو أن الطرف الآخر لم يكن لديه هدف من الوحدة ولم يكن يفكر فيها، لكنه قبل بها إشفاقا على "الهاربين" أو لاستغلال اللحظة للغدر بهم والتعامل معهم بنذالة ولؤم وخسة كما جرى بعيد أشهر من 22 مايو، وبالتالي فإن مشروع "الوحدة" كان بلا أساس ولا مبرر ومن ثم فإن المدان في هذه المعادلة الخرقاء ليس (الهارب)، وإنما من أساء التعامل مع هذا (الهارب).
وهكذا يتبين أن ترويج فكرة "الهروب" لم يكن سوى واحدة من الطبخات الفاسدة لمصانع إنتاج الدعاية التي مولها وروج لها نظام ما بعد 7/7/1994م بعد كسبه الحرب على الجنوب وأهله.
وعودة إلى السؤال لماذا فشلت تجربة توحيد الدولتين فإنه من الممكن الإشارة إلى العوامل والأسباب التالية التي أوصلت هذه المحاولة إلى نقطة الفشل والحرب وما تلاها من نتائج مدمرة بالنسبة للجنوب والجنوبيين:
1. إن محاولة "التوحيد" هذه جاءت مرتجلة وعشوائية وبعيدةً عن أية إجراءات تحضيرية متكاملة ومدروسة، وقراءة مستوفية لفرضيات النجاح وعوامل تحقيقها، واحتمالات الفشل وما تتطلبه من إجراءات وقائية للحيلولة دون حصولها أو التقليل من مفاعيلها إلى أقصى الحدود الممكنة، وسوف نبين هذه التفاصيل في سياق تعرضنا لبقية الأسباب والعوامل.
2. لقد جرت محاولة توحيد الدولتين بين نظامين مختلفين سياسةً ومنهجاً وتنظيماً وفكرةً ومؤسسياً.
ففي حين كان النظام في اليمن الديمقراطية يسير على أساس النظام والقانون والحياة المؤسسية وقام ببناء منظومة متكاملة لتحقيق هذه الغاية تتمثل في الدستور الصارم المنطبق على أغنياء البلد وفقرائها، وزرائها وغفرائها، صغارها وكبارها وتفعيل القانون والنظام القضائي ونظام الادعاء والمؤسسة الأمنية والتقاضي وفقا للقانون، كان نظام صنعاء، الذي يدعي السير على طريق نظام السوق (وهو القانون الأساسي للنظام الرأسمالي) يسير شؤون البلاد بطريقة العشوائية واللادولة، واللاقانون، رغم ترسانة القوانين المحفوظة في إضبارات الوزارات والتي لا يتذكرها القوم إلآ عند الحاجة لمعاقبة المعارضين ولا يطبقونها إلا على الفقراء الذين لا سند لهم ولا ظهر قبلي يحميه ولا مركز قوى يلجأون إليه، كما كانت المؤسسة التقليدية، (المشايخ والوجاهات وعقال الحارات) سلطات موازية لسلطات الدولة، وأحيانا أكثر صلاحية وسطوة من السلطات الرسمية، وكانت الأعراف والتقاليد الشعبية هي البديل الأكثر تطبيقا من القوانين والنظم الرسمية المدونة.
وهنا نشير إلى أن أسوأ ما في الخطوات التي جرى اتباعها بعيد إعلان مايو 1990م تمثلت في شطب كل ما هو جنوبي وتطبيق أسوأ ما في نظام صنعاء، سواء من حيث منظومة القوانين والمراسيم واللوائح، أو ما في نظام العلاقة بين المؤسسات، وأهم ما في ذلك النظام المالي والمحاسبي، وقد قال لي محاسبون وأخصائيون ماليون شماليون إنهم يستغربون كيف جرى التفريط بالنظام المالي والمحاسبي الجنوبي الراقي والمتقدم وتمت الموافقة على نظام صنعاء الذي يعود إلى العصر العثماني ويفتقد إلى أهم مقومات الكفاءة والمحاسبة والرقابة والضبط والتدقيق.
3. إن الاتفاق جرى بين نظامين يتبعان منهاجين اقتصاديين مختلفين، الأول (في الجنوب) يقوم على الملكة العامة، التي تنص وبالدستور إن الأرض وما عليها وما في جوفها والبحار وما فيها من كنوز وثروات هي ملك للشعب ممثلا بالدولة وإن القانون ينظم طريقة استثمارها و تسخير عائداتها لخدمة المجتمع، والثاني يقوم على "اقتصاد السوق" وسيادة الملكية الخاصة، وتميز هذا في اليمن بأن نظام الملكية غير منظم وأن القانون لا يتم تطبيقه مع هذا النمط الاقتصادي إلا انتقائيا وعشوائيا، وهو ما سمح بقيام اقتصادات طفيلية قليلة الإنتاج ضخمة العوائد، وبالتالي فإن التباين في المنهجين الاقتصاديين مع غياب أية إجراءات انتقالية تزيل هذا التباين وتردم الهوة بين البلدين قد جعل الرأسمالية الطفيلية والعشوائية القادمة من الشمال تستحوذ على كل الموارد القائمة في الجنوب وتتحول إلى موقع السيادة الاقتصادية نظرا لغياب الطبقة الرأسمالية الجنوبية، إما بسبب التأميمات التي اتخذها النظام في فترة السبعينات، أو بسبب ما ترتب عن هذه السياسة من هجرة للرأسمال الجنوبي واتباع نظام الاقتصاد العام المخطط مركزيا.

القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (7)
______________. د عيدروس نصر
الفصل الأول
المسار التاريخي للقضية الجنوبية.

نواصل هنا الإجابة على السؤاب: لماذا فشلت محاولة الوحدة بين دولتي "الجمهورية العربية اليمنية" و"جمهورية اليمن الديمثراطية الشعبية"؟ ومن حيث توقفنا في الحلقة (٦)
4. إن التباين في النظام الاقتصادي بين الدولتين المتوحدتين في دولة واحدة قد خلق تباينا في آفاق وعوامل التطور الاقتصادي لسكان البلدين، ففي حين دخل المواطنون الشماليون فقراءً وأغنياءً متهيئين نفسياً وثقافياً واقتصادياً ومهنياً للنموذج الشمالي الذي جرى تعميمه وكأنه الحالة النموذجية التي لا يصلح للبلد سواها، دخل الجنوبيون مبرمجين أنفسهم على نظام التقيد بالخطط المركزية والاعتماد على سياسات الدولة وخدماتها والحصول على نصيب الفرد من الثروة المجتمعية عن طريق ما تقدمه لهم الدولة من فرص عمل وخدمات صحية وتعليمية مجانية وبقية الخدمات الضرورية بأسعارها الرمزية، وهو النظام الذي جرى هدمه بعد 22 مايو، وبقي المواطنون الجنوبيون فجأة بلا أملاك وبلا مصادر معيشة، وبلا خدمات وبلا موارد مالية تقيهم شر الإملاق والفقر والضياع، فقد جرى إسدال الستار على كل مكتسبات المواطنين في عهد اليمن الديمقراطية دون خلق ضمانات تعويضية البديلة لمن اعتادوا الاعتماد على تلك المكتسبات، وبمعنى آخر إنه لم يكن مطلوبا من المواطنين الشماليين أن يقوموا بأي تغيير في نظام حياتهم فهم جاهزون للتعاطي مع الوضع الذي سبق وأن تعايشوا معه عقوداً وربما قروناً من الزمن، بينما انتقل المواطنون الجنوبيون إلى وضع جديد وغريب عليهم لم يألفوه ولم يكونوا حتى متوقعين شكله وطبيعته وحيث إنهم دخلوا بلا رأسمال ولا ثروات ولا ملكيات خاصة بهم فقد أصبحوا أشبه بالغرباء على أرضهم وفي ديارهم.
5. إن محاولة التوحيد جرت بين بلدين متفاوتين ومختلفين ديمغرافيا وجغرافيا، والمقصود هنا إن الجنوب ذا المساحة الكبيرة (375 ألف كم2) بسكانه البالغ سنة 1990م أقل من 3 ملايين نسمة، قد اتحد مع البلد الشقيق بمساحته الصغيرة (حوالي 161ألف كم2) وسكان بلغ عددهم سنة 1990م حوالي العشرين مليونا ، هذا الوضع المختل ديمغرافيا وجغرافيا قد خلق حالة من عدم التوازن، ومع التباين الثقافي وعدم التجانس الاقتصادي والمعيشي، فقد تحول سكان الجنوب إلى أقلية ليس فقط من حيث العدد بل ومن حيث المساهمة في الشأن السياسي والاجتماعي وفي الانتاج المادي بل وفي نسبة الحصول على نصيبهم من الثروة والمساهمة في إدارة المجتمع، وإذا ما أضفنا إلى ذلك سياسات التمييز والتهميش التي مورست بعد 94م ضد قطاع واسع من الجنوبيين، حتى من لا علاقة لهم بالشأن السياسي، بمبررات مفتعلة وأحيانا بلا مبررات، فإنه يمكن القول إن الجنوب بأقليته السكانية، وحتى بدون الحرب والاجتياح، قد تحول إلى ملحق هامشي في هذا الكيان الكبير بأغلبيته الكاسحة، وفي أرض الجنوب الواسعة المترامية الأطراف التي لم يبق فيها للجنوبيين تقريبا إلا الاسم فقط.
6. وهناك نقطة قليلا ما جرى التعرض لها بإمعان وتعمق، وهي إن وحدة 1990م قد قامت على أساس الشراكة بالمناصفة، وهذا كان الوضع الطبيعي بين دولتين تدخلان في مشروع "وحدة" جديد لم تشهدا له مثيلا منذ قرون، وقد فهم الكثيرون من هذا أن المناصفة تعني تقاسم الحزبين الموقعين على بياني نوفمبر ومايو للمراكز الرئيسية في الرئاسة والوزارات والبرلمان والقيادات العسكرية والأمنية وبقية مفاصل الدولة، وهذا طبعا ما لم يتم، لكن المفهوم الأعمق أن المناصفة تقوم بين الشعبين في الشمال والجنوب، وهذا للأسف الشديد ما لم تحدده وثائق الاتفاقات بين الطرفين.
ففي صبيحة إعلان مايو 1990م جرى تعبئة الشواغر في مجلس النواب الذي هو حاصل جمع مجلس الشعب الأعلى في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ومجلس الشعب التأسيسي في الجمهورية العربية اليمنية بإضافة عدد من الأعضاء بالتعيين كممثلين للجنوب، وللمعارضة الشمالية، بحيث صار الطرفان (أعني هنا البلدين أو الشعبين) ممثلين بالتساوي في مجلس النواب، وجرى مثل ذلك في المجلس الاستشاري، وفي مسميات كثيرة مثل مستشاري رئيس الجمهورية ومستشاري نائب الرئيس ومستشاري أعضاء مجلس الرئاسة، وبعض الوزارات، لكن هذه الحالة لم تدم طويلاً، فقد صحا الجنوبيون بعيد انتخابات 1993م على 53 عضوا جنوبيا يمثلونهم في مجلس النواب بدلا من 150 قبل أسبوع من الانتخابات.
نعم لقد نص مشروع الدستور الذي لم يخضع لأية مناقشات أو تعديلات، بعد أن طبخ على عجل إثر حرب 1979م بين البلدين، على أن تقسم البلد إلى دوائر متساوية من حيث عدد السكان، وهو ما كان يعني أن الجنوب سيتحول إلى أقلية في دولة "الوحدة المفترضة" وقد كان هذا سببا كافيا لإلغاء أي دور للجنوب لا على الصعيد السياسي الرسمي ولكن على الصعيد الاقتصادي والمعيشي والخدمي والإنساني والأمني والعسكري، حتى لو لم تنشب الحرب بين البلدين ، الذين كانا يسميان بالــ"شطرين"، أما وقد نشبت الحرب وتحول الجنوب إلى غنيمة حرب بيد المنتصرين فإن التهميش قد صار سياسة رسمية مقوننة بالدستور وبالأغلبية، وقد عانى النواب الجنوبيون أيما معاناة عند نشوب ثورة الحراك السلمي وطرح القضية على البرلمان، حيث كانت مناقشات وأطروحات بعض نواب الجنوب المعبرة عن معانيات الجنوبيين من القمع والقتل والتنكيل والإرهاب الرسمي، تمثل صرخات في وادٍ سحيق من الأغلبية الكاسحة التي لا تعتبر الجنوب أمرا يعنيها ولا ينظر إليه الكثيرون من هذه الأغلبية إلا كخصمٍ يجب تأديبه وإرغامه على قبول سياسات الأمر الواقع ولو بالقوة المسلحة.
(يتبع)