كتابات وآراء


15 يناير, 2021 11:27:27 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (٨)
____________ د عيدروس نصر
الفصل الأول
المسار التاريخي للقضية الجنوبية
______________
٧. وهكذا وكما سبقت الإشارة، لقد جرت محاولة التوحيد على خلفيتين استراتيجيتين وتكتيكيتين مختلفتين
أ‌. ففي الجنوب وبعد أحداث يناير 1986م جرت مراجعة مطولة ليس فقط لأسباب ودوافع تلك الأحداث ولكن لخلفيات وعوامل ودوافع وأسباب الإخفاقات التي رافقت التجربة بين عقد وآخر، شاملة عوامل التعثر الاقتصادي وضعف النمو وعدم قدرة البلد على خوض أية منافسة اقنصادية، بما في ذلك المنافسة مع الأشقاء في العربية اليمنية، وقد كلفت قيادة الحزب الاشتراكي (الحاكم في الجنوب) فريقا من القادة السياسيين المهرة ومنهم أساتذة جامعيون وخبراء في السياسة ولاقتصاد والقانون ومختلف التخصصات واستمرت أشهرَ طويلة لمراجعة نجاحات وإخفاقات التجربة وتوصلت إلى ما أسمي حينها بـ"مشروع الإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل" الذي دار الحديث عنه على مدى أكثر من سنتين، قبل اتفاق 30 نوفمبر 1989م بين رئيسي البلدين.
وقد تضمن المشروع مجموعة من المراجعات السياسية تمثلت في صدور دعوات ومن قيادات في الحزب إلى إعلان التعددية السياسية، كما تضمنت الدعوة إلى إصلاح اقتصادي يستهدف الانفتاح على الرأسمال الوطني الجنوبي وفتح أبواب الاستثمار للمستثمرين الجنوبيين، وكانت مجمل الآراء والتصورات تقوم على المراجعة الفكرية والتراجع التدريجي عن نظرية "الاشتراكية العلمية" بصيغتها السوفييتية، وهي الصيغة التي ظل التعاطي معها عند المستوى النظري فقط، ومن ثم القبول برؤية وطنية ديمقراطية تستفيد من تجارب أحزاب الديمقراطية الاجتماعية وتراعي خصائص ومميزات الوضع في البلاد.
ومن ضمن ما شملت تلك المراجعات علاقات البلد مع الأشقاء والأصدقاء ومنها العلاقة مع الأشقاء في الجمهورية العربية اليمنية، وفي هذا الإطار خلصت الدراسة إلى إمكانية قيام علاقات اتحادية عند مستوى الكونفدرالية، وفقا لما أدلى به سالم صالح محمد رئيس الفريق والأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني حينها ورئيس الفريق .
وقد أجهر البعض أنه وطالما أخفق المشروع الاشتراكي في مركزه العالمي فإن هذا سيمثل فرصة لليمن بالذهاب نحو مزيد من تمتين وتوطيد العلاقات الجدية بين ما كانوا يسمونه بـ"الشطرين"، وتكريس الجهود نحو تحقيق تحولات اقتصادية واجتماعية ترتقي بالمواطن اليمني في الشمال والجنوب، وتحسن من مستوى معيشته ومتطلبات حياته الخدمية والتعليمية والإنسانية والمعيشية عموماً.
وحتى عند إعلان مشروع الوحدة الاندماجية كان ديدن القيادة الجنوبية هو كيف نحول هذا الحدث العظيم لخدمة رفاهية المواطن في الشمال والجنوب على السواء، بل إن الرئيس علي سالم البيض الذي كان أمينا عاما للحزب حينها، أي في موقع الرجل الأول في الحكم، قال أكثر من مرة ما معناه، إن الجنوب أرض واسعة وسكان قليلون وثروات واعدة سيكون فيه فرص كبيرة للمساهمة في حل المشكلات الاقتصادية والمعيشية لأهلنا في الشمال حيث الكثافة السكانية والأرض الضيقة والموارد القليلة.
إذن فقد ذهب الجنوبيون وفي أذهانهم صناعة دولة جديدة تنتقل بالبلدين من واقع التخلف والتراجع ورداءة الخدمات وتدهور مستوى المعيشة إلى دولة تضمن قدراً أفضل من الأمان والرفاهية والاستقرار لكل سكانها.
ب‌. وفي الشمال كانت الأجندة مختلفة، فمع إقرار القيادة الشمالية بالتفاوت الجغرافي والديمغرافي بين البلدين، لكن الطبقة الحاكمة لم تكن معنية كثيراً بالشأن الإنساني والتنموي والمعيشي للناس لا في الشمال ولا في الجنوب، حيث كان الهاجس الرئيسي لهذه النخبة الآتية من مجتمعات الهيمنة والتسلط والفساد ونهب الموارد، هو كيفية تحويل أرض الجنوب الواسعة والسكان القليلين والثروات الضخمة المكشوفة على الأرض والمغمورة تحت ترابها وفي أعماق بحارها إلى غنائم بأيدي تلك الطبقة التي استنفدت ممكنات الإثراء في الشمال.
ولو أن هذه النخبة الحاكمة تركت الأمور لتمضي بشكل تدريجي بتلقائيتها، برغم ما تتوفر عليه من عناصر تفوق، ديمغرافية ومنظومة حكم وخبرات مخابراتية لما أفلحت لأنها كانت تراقب التطورات في الجنوب، في الأشهر والسنتين الأوليتين بعد 1990م حيث بدأ المواطن الجنوبي يتألم تحت تأثير التغير العاصف في حياته وفقدانه المزايا التي كان يحصل عليها بطريقة شبه مجانية ما قبل 1990م، ممثلة بالتطبيب المجاني والتعليم المجاني وسهولة الحصول على العمل للشباب بمجرد التخرج، وسهولة توفر احتياجاته الحياتية، والنظام الإداري اليسير والسلس ونظام القضاء الذي لا يدع المتقاضيين ينتظران أكثر من أسابيع وعلى الأكثر أشهر قليلة للفصل في قضايا النزاعات، وما رافق ذلك من معانيات مرتبطة بسوء الإدارة الجديدة وانتشار الفساد والرشاوي وبيع الأسلحة والاضطرابات الأمنية، كل هذا قد جعل الطرف الشمالي يسارع في صناعة الأزمات التي من شأنها خلق التوتر للذهاب نحو الخيار العسكري الذي كان قد أعد خطته منذ العام 1990م مستخدما الكثير من النقاط التي اعتبرها تخدم تفوقه.
وباختصارٍ شديد فإن خيار الحرب لدى الطرف الشمالي قد كان معدّاً سلفا، وربما كان هو الخيار الأوحد رغم كل الفرص السلمية التي كانت قد توفرت لتهيأة البيئة المناسبة واتخاذ إجراءات فعلية حريصة على المضي بسلاسة نحو بناء ضمانات واقعية وراسخة لحدوث اندماج وطني ولو بعد أعوام وعقود.
كل الأزمات المفتعلة التي رافقت الأسابيع والأشهر الأولى لإعلان مايو 1990م كانت مرسومة في إطار تلك السيناريوهات المعدة سلفا، فحوادث الاغتيال ومحاولات اغتيال أخرى وقصف مساكن القادة الجنوبيين في قلب العاصمة صنعاء، وتسريب الجماعات الإرهابية إلى محافظات الجنوب، كل ذلك لم يكن سوى حلقات متواصلة لمشروع خفي مضى باتجاه العلن شيئا فشيئا حتى تجلت ملامحه في التمهيد للحرب واندلاعها وصيرورتها في ما صارت إليه.
وأخيرا تجدر الإشارة إلى إن التفاصيل التي تعرضنا لها هنا لا تعني الترويج لأفضليات أو التشهير بمساوئ أيٍ من النظامين، ولم يكن مطلوباً من أحد تحويل النظام في الشمال إلى نسخة من النظام الجنوبي لأن الجنوبيين كانوا قد شرعوا في مراجعة جميع السياسات التي قادوا عليها البلاد على مدى ربع قرن من الزمان، وما استعراض السياسات الجنوبية ما قبل 1990م إلا محاولةً لتبيان نقاط التمايز والاختلاف، كما إن ما استعرضناه آنفاً ليس دعوة لتعميم هذه التجربة بعد أن تمت مراجعة الكثير من جوانبها، وهذا ليس معيبا، لكن المعيب هو أن الجنوب بكل ما امتلك من خبرات ومؤسسات وبكل ما تميز به من تجارب الإدارة والمدنية سواءٌ الموروثة مما قبل الاستقلال في زمن الإدارة البريطانية في عدن وبعض عواصم السلطنات والإمارات، أو تلك التي اتخذت في عهد دولة الاستقلال وأثبتت نجاعتها من خلال تنفيذها على مدى عقدين ونيف من الزمن، كل هذا قد تم شطبه والتوقف عن التعامل به، ومن ثم تطبيق أسوأ ما في نظام صنعاء من تجربة إدارية وأنظمة ولوائح، سواء من حيث منظومة القوانين والمراسيم واللوائح (التي قليلا ما كان يلتفت إليها)، أو ما في نظام العلاقة بين المؤسسات وبين المركز والأطراف.
وبعبارة أخرى فإن تجربة الجنوب بمساوئها القليلة وإيجابياتها الكثيرة قد جرى شطبها وحذفها وعدم الالتفات إليها، وجرى نقل التجربة الشمالية إلى الجنوب بمساوئها الكثيرة وإيجابياتها القليلة، التي يعترف بها المواطنون والقادة الإداريون الشماليون انفسهم.
وهكذا يتبين أن مشروع "الوحدة اليمنية" قد بني على أسس غير مدروسة وغير قابلة للصمود والاستمرار، ما يعني أن "دولة الوحدة" كانت تمضي باتجاه السقوط والانهيار حتى بدون الحرب والمواجهات المسلحة.
أما ربع القرن التالي (ما بعد حرب 1994م) فلا يمكن الحديث عنه كنظام دولة لا دولة مركزية ولا دولة لامركزية، حيث إن الحرب قد حولت الوحدة القائمة على التشارك والمناصفة إلى وحدة المنتصر والمهزوم، وهي عمليا تعني تحكم الطرف المنتصر بكل أمور الشعبين، وقد غدا بإمكان هذا المنتصر أن يحدد شكل شراكة المهزوم معه في إدارة البلاد من خلال اختياره هو من سيتعين في الوزارة أو الإدارة أو حتى البرلمان، أو المجلس الاستشاري، أما المؤسستان الأمنية والعسكرية فقد ظلتا حكرا على الجيش والأمن الشماليين بعد أن تم تدمير الجهازين العسكري والأمني الجنوبيين.
وبعبارة مختصرة أن "وحدة" ما بعد 1994م لم تكن سوى ثمرة من ثمار الحرب وهي بذلك وحدة احتلال واستباحة أكثر منها وحدة بين شعبين متكافئين ومتساويي الحقوق والواجبات، مع الإقرار أن الشعب الشقيق في" الجمهورية العربية اليمنية" قد كان في الأساس مستبعدا كلية من المشاركة في اتخاذ القرار السياسي لأنه كان عرضةً للغزو والاجتياح تماماً مثل شقيقه الشعب الجنوبي، لكنه كان عرضةً لـ"الغزو من الداخل" كما قال فيلسوف شعراء اليمن "الشاعر الكبير عبد الله البردوني" رحمة الله عليه.


القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. عيدروس نصر
الفصل الثاني
كيف نفهم القضية الجنوبية؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتبط مفهوم القضية الجنوبية بسلسلة من الأحداث الدراماتيكية التي تأتي على رأسها حرب 1994م على الجنوب وما أنتحته من تداعيات ومآسي وما ألحقته من دمار ترك بصماته في كل بيت وقرية ومديرية ومدينة ومحافظة ومنطقة من مناطق الجنوب، ولقد أرتبط كل هذا بما شهده العام 1990م، عندما جرى الإعلان عن الوحدة الاندماجية بين دولتي "الجمهورية العربية اليمنية" و"جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، لكن جذور وبواعث "القضية الجنوبية" كمفهوم تنامت وتصاعدت بعد العام 1994م، نظرا لما تعرض له الجنوب من سياسات اتفق معظم الباحثين والمفكرين والناشطين السياسيين والإعلاميين الجنوبيين وبعض الإخوة الشماليين على تسميتها بـ"الاحتلالية" سواءٌ بأبعادها السياسية أو بمضامينها الاجتماعية والاقتصادية وحتى الإنسانية أو بطبيعتها العسكرية والأمنية وما تلاها من سياسات بوليسية واستخباراتية وغير ذلك مما سنستعرضه من سياسات اجتثاثية تدميرية شملت كل ميادين السياسة والإدارة والاقتصاد والخدمات والأمن والنظام القضائي والحقوقي والتنفيذي وحتى الديمغرافي والبيئي وغير ذلك.
لكن تداول عبارة "القضة الجنوبية" كتعبير سياسي وكتلخيص لموقف الجنوبيين وزعاماتهم السياسية من نتائج حرب 1994م على الجنوب، قد جاء في وقت متأخر من نهاية العقد الأول من القرن الجاري أي بعد أكثر من 3 أعوام على انطلاق الثورة الجنوبية السلمية، وبعد نحو عقد ونصف على اجتياح الجنوب من قبل القوات الشمالية في العام 1994م.
ويذكر أن هذه المفهوم قد اتسع التعاطي معه بعد أن جرى تداول العبارة بشكل رسمي في إحدى دورات اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني في العاصمة صنعاء في العام 2009م، وما صدر عنها من بيانات وتصريحات وما تلاها من لقاءات ومقابلات إعلامية تداولتها معظم المنابر والمؤسسات الإعلامية، لتصبح المفردة بعد ذلك حديثا متداولا بشكل شبه يومي بين كل القوى السياسية الجنوبية كما في إطار القوى السياسية اليمنية (في الشمال) المعارضة لنظام علي عبد الله صالح، لكن معظم قيادات تلك القوى والأحزاب (الشمالية) تعاطت مع المفهوم من منطلق الحفاظ على تعايش أحزاب المعارضة ، مع احتفاظ معظم منتسبي وقيادات تلك الأحزاب وهيئاتها بتأويلها الخاص لما يعني هذا المفهوم بالنسبة لهم.
قد لا يكون هذا ألأمر عظيم الأهمية لكن ما تنبغي الإشارة إليه هو أن تعبير "القضية الجنوبية" قد غدا بعد ذلك سلاحاً جباراً بيد قوى الثورة السلمية الجنوبية، ممثلة بالمكونات السياسية التي لم تتبلور تكويناتها ولم يثبت لها كيان سياسي محدد، منذ الانظلاقة الإولى للثورة في العام 2007م لكنها مثلت سيلاً جارفاً من الجماهير الساخطة الرافضة لنتائج اجتياح الجنوب وإسقاط دولته في العام 1994م.
وهكذا فإن نشوء مفهوم "القضية الجنوبية" وتوالده واتساع مساحة التعاطي معه قد حول القضية إلى عنوان ثورة شعبية قلما شهد التاريخ اليمني والجنوبي مثيلا لها، إذ إنه ارتبط بحالة الرفض العامة التي نشأت في الجنوب بعد العام 1994م، لما تعرض له الجنوب من عملية تدمير ممنهج شمل ليس فقط كل ما هو مدني وعصري وكل ما يعبر عن نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، الذي اتحد طوعيا مع نظام الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، بل لقد امتد هذا التدمير إلى كل ما له صلة بالمضمون الوطني للدولة الجنوبية والهوية والثقافة والشخصية الجنوبية والجغرافيا والتاريخ الجنوبيين.
فلقد جرى تدمير الجهاز الإداري للسلطات التنفيذية في العاصمة وبقية المحافظات، واستبدل بجهاز إداري معظم القائمين عليه إما من الطارئين الذين لا علاقة لهم لا بعلم الإدارة ولا بالمهارة القانونية والتنفيذية ولا حتى بالكفاءة الوظيفية الاعتيادية وكل مؤهلاتهم تنحصر في أنهم أيدوا الجيش الشمالي المنتصر في الحرب ضد الجنوب، وانخرطوا في عضوية الحزبين المتحالفين في هذه الحرب، أو ممن جرى استيرادهم بمئات الآلاف من أبناء الشمال ممن لا يعرفون شيئا لا عن طبيعة الأوضاع في الجنوب ولا عن عاداته وتقاليد أهله وطبيعة أبنائه، ليحلوا محل الكفاءات الجنوبية التي جرى طردها من الوظائف وإحالة أفرادها إلى التقاعد الإجباري غير المعلن، أو اضطرت إلى النزوج بعد الحرب وما تلاها من أعمال قمع وملاحقة وتنكيل وتهميش وتضييق.
لقد مرت سنوات ما بعد الحرب مريرةً قاسيةً على الجنوب والجنوبيين وكان مجرد ذكر مفردة "الجنوب" يقود صاحبه إلى مراكز البوليس بل وإلى التغييب والإخفاء لأيام وأسابيع، لكن الجنوبيين لم يستكينوا ولم يستسلموا لهذا السياسات الاجتثاثية، فكان مثقفوهم وقادتهم السياسيون لا يفوتون فرصةً من الفرص ولا سبباً من الأسباب إلا ويسخرونه للتعبير عن رفض هذه الحالة التي لم يألفها الجنوب منذ ما قبل الزمن الاستعماري.
كان مضمون "القضية الجنوبية" وجوهرها هو موضوع الجدل السياسي والفكري في الكثير من الأوساط السياسية والمنابر الإعلامية والمنتديات الفكرية الجنوبية، وقد لا يتسع المجال لاستعراض جميع التوجهات والاجتهادات التي حاولت تعريف القضية، ومنها الكثير من المحاولات المتقاربة وبعضها يختلف جزئيا أو جوهريا مع البعض الآخر، لكننا نستطيع إجمال مضمون القضية في ما تناوله الكثير من المفكرين والأكاديميين والساسة الجنوبيين، وما نرى أنه أقرب إلى تلخيص مضمون القضية وهو إنها قضية "شعب صودرت حقوقه، ودُمِّرت دولته، وانتُهِكَت سيادته، ومُسِخت هويته، ونُهِبت ثرواته، وسُطِّحت ثقافته، ووُئِدت أحلامه، وزُوِّر تاريخه، وسُدَّت أمام مستقبله أبواب الاختيار وآفاق التطور".
إن هذا التعريف يمكنه أن يقدم لنا تفسيراً يرد على السؤال: لماذا انطلق الجنوبيون بمئات الآلاف وأحيانا بمليونيات حقيقية وليست مجازية، ليعبروا عن رفضهم لسياسات ما بعد 1994م وإصرارهم على مواجهة إرهاب الدولة وقمعها بالعمل السلمي الذي أعيى أجهزة أمن النظام أكثر من أية مواجهات مسلحة كان يمكن افتراضها أو التفكير فيها.
وسنلاحظ كيف أن المقاومة الجنوبية السلمية لنظام الاجتياح والاحتلال قد مضت بوتيرة تصاعدية منذ الفعاليات الأولى المرتبكة والخجولة بعيد الاجتياح حتى بلغت ذروتها في العصيان المدني الذي لم يتوقف إلا بحمل السلاح لمواجهة الاجتياح الثاني في العام 2015م.
وهكذا فإن سياسات محاولة تذويب الشعب الجنوبي وهدم دولته والعبث بتاريخه وثروته ثقافته وهويته واستجلاب كل ما هو غريب عن عاداته وتقاليده وإلغاء كل ما يتميز به من خصال وقيم وعادات لم تعطِ إلا نتائجَ معاكسة لما أراده صانعو سياسات دولة 1994م، فقد كانت مواقف الرفض والتمرد والمقاومة السلمية العفوية والمنظمة هي الرد على تلك المحاولات لتأكيد استحالة إلغاء الشعب الجنوبي من الوجود، أو تذويبه وطمس حضوره من على صفحات التاريخ وتضاريس الجغرافيا، وبرهانا على ما يسميه علماء البيولوجيا بـ"قانون البقاء" و"الحفاظ على النوع".

القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (10)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. عيدروس نصر
الفصل الثالث
مراحل تبلور وتطور ملامح القضية الجنوبية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ الاجتياح في العام 1994م وإسقاط الدولة الجنوبية وما ترتب على ذلك من عمليات تدمير ممنهجة في حياة الجنوب والجنوبيين نستطيع القول أن القضية الجنوبية قد مرت بخمس مراحل يمكن تصنيفها تقريبيا كما يلي:
المرحلة الأولى: مرحلة ما بعد الحرب والاحتلال والارتدادات العكسية التي نجمت عنها، وهذه المرحلة طغت عليها حالة الانكسار والخفوت السياسي، والتشتت الملحوظ للطبفة السياسية الجنوبية المصحوب بتفكك المشهد السياسي الجنوبي، حيث توزعت الطبقة السياسية الجنوبية بين عدة منافي داخلية وخارجية.
ففي الخارج جرت محاولة تشكيل حركة موج، التي عبرت عن نفسها من خلال عدد من المناشط والفعاليات والبيانات والمراسلات مع عدد من المنظمات الدولية والإقليمية وبعض الدول والسفارات.
وكان النازحون الجنوبيون السياسون، وغير السياسيين قد توزعوا في عدة منافي بين القاهرة والسعودية والإمارات وسوريا، والبعض اتجهوا غرباً إلى بريطانيا وأمريكا وقلة قليلة اتجهت إلى دول الاتحاد الاوروبي وروسيا وكندا، ومعظم هؤلاء افتقدت فيما بينهم اية صلة سياسية ما عدا بعض الاتصالات الشخصية، مع استثناءات قليلة للمستقرين في المملكة السعودية والإمارات ومصر، الذين كانوا ينظمون لقاءات هي اقرب الى الضيافات وجلسات المجاملات التي لا تخلو من الحديث في السياسة خصوصاً وقد استقرت في بلد كالسعودية شخصيات من كبار القادة أمثال السادة سالم صالح محمد، حيدر العطاس ، عبد الرحمن الجفري، وعبد الله الأصنج وصالح عبيد وآخرين ولكل مقامة ولقبه.
و مثلهم كانت مجموعة أبو ظبي والقاهرة وسوريا مع التفاوت في العدد وفي التفاعل السياسي مع ما يشهده الداخل من ظواهر ومشاهد وتطورات سياسية وأمنية وعسكرية.
وعلى العموم فإن معظم هؤلاء في مواطن نزوحهم لم ينقطعوا عن التعبير عن تمسكهم بالوطن والوطنية وتفاعلهم مع مجريات الأحداث في البلاد وجاء ذلك من خلال ما ظل الكثير منهم ينشره من مقابلات أو تصريحات أو مقالات صحفية أو في المواقع الإلكترونية والمنابر الإعلامية المختلفة، علما بأن الكثيرين من الكوادر الوسطى والدنيا من الاحترافيين، والمتخصصين كالأطباء والطيارين والمهندسين والخبراء العسكريين والقانونيين والأكاديميين، كما في جماعة المملكة السعودية قد فضلوا اعتزال السياسة وتدبير امورهم من خلال البحث عن عمل يدر عليهم دخلا يعيلون به أسرهم، وبطبيعة الحال قلَّما عمل أي منهم في مجال تخصصه، فقد كنت تجد طياراً يبيع خرسانة مسلحة أو وزيراً يبيع احذية، او طبيباً أو ضابط أمنٍ يبيع اقمشة، أو أستاذا جامعيا أو مديرا سابقا أو عميدا في الشرطة أو المخابرات يعملون في مبيعات إحدى شركات المرطبات وقس على ذلك.
وفي الداخل كان الاغتراب وَالنزوح الأكبر حيث تشتت الناس بين المدن والارياف، وأدت سياسة الإقصاء والحرمان إلى دفع آلاف الأسر إلى حافة المجاعة والإملاق، مع ما رافق ذلك من انهيار للخدمات التي كانت مجانية أو شبه مجانية حتى ما قبل الحرب (أمثال التطبيب، التعليم، الأقسام الداخلية وإيجارات النقل والسفر والمساكن وسواها) وارتفاع الاسعار للمواد الاستهلاكية الضرورية مع التصاعد في مدفوعات الضرائب والرسوم واسعار الخدمات التي كانت أقرب إلى المجانية قبل 94م كالماء والكهرباء والهاتف والوقود وغيرها.
وكما في الخارج صارت الطبقة الفنية عالية التأهيل في الداخل خارج دائرة الفعل فصرت تلاقي الطيار يعمل حمالا، والمهندس والضابط المدفعي محاسبا في فندق شعبي والوزير او المدير بائع مواد غذائية، والقائد العسكري يبيع أسماكاً أو خضاراً وفواكهَ، لكن الغالبية العظمى بقيت حتى خارج إطار هذه الأعمال على بساطتها نظرا لضيق سوق العمل وتدفق الملايين من الأيدي العاملة الرخيصة القادمة من محافظات الشمال ومعظمهم جنود وصف ضباط في معسكرات الأمن والجيش لا يداومون إلا في حالات طارئة فقط، لكنهم يعملون كباعة متجولين أو أصحاب أكشاك أو فرشات عشوائية أو أعمال البناء والنجارة والمطاعم والبيع والشراء، وبعضهم كانوا يعملون في محلات بيع هي أملاك لقادتهم العسكريين في حين يتقاضون مكافآتهم من الوحدات التي ينتمون إليها ولا يداومون فيها إلا وقت الضرورة القصوى.
كل هذا قد أدى إلى أن يبقى المبعدون عن أعمالهم بلا مصادر معيشة، ما عدا المبالغ التافهة التي كانت تصرف للبعض (وليس للكل) كمعاشات تقاعدية في إطار تقاعد غير معلن، ومخالف للقانون، وهي مبالغ لم تكن تكفي للاسبوع الأول من الشهر بعد أن جُرِّدت من كل الاستحقاقات المرافقة كعلاوات التخصص، وعلاوات شهادات التخرج ومخاطرالعمل، وبقية البدلات التي تمثل أضعاف الجزء الثابت من المستحقات الشهرية المدفوعة للموظف اليمني.
ولم يبق في هذه المرحلة للصوت السياسي الرافض لنتائج الحرب والعدوان على الجنوب إلا تلك الأصوات المتفرقة القادمة من الخارج، وعداها كان العمل المنظم الرافض لسياسات نهج الحرب متمثلا بصوت الحزب الاشتراكي اليمني وكتلته البرلمانية التي لعبت دوراً لا يمكن الاستهانة به في إطار السقف المنخفظ لديمقراطية ما بعد الانكسار في 7/7/1994م، وكذت أصوات من تبقى في الداخل من قادة رابطة أبناء اليمن (رأي).
ومن المنصف هنا الإشارة إلى بعض القضايا المتصلة بدور الحزب الاشتراكي اليمني وقياداته وكتلته البرلمانية:
• فلقد مثلت استعادة الحزب لروحه وحدها معركة هي أشبه بالمعجزة، بالنسبة له وحتى بالنسبة للمواطنين الجنوبيين الذين لا يتذكرون الدولة والنظام والقانون والأمان والاستقرار والخدمات المجانية إلا ويذكرون اسم الحزب، باعتبار توفرها قد ارتبط بأيام حكمه للجنوب، فصاروا لا يذكرون الخير والرفاه والأمان والخدمات المجانية وانخفاض الأسعار وثباتها ، وروح القانون إلآ مسبوقة أو متبوعة بعبارة "أيام الحزب".
لكن الحزب هو المتهم الأول بما سمي بـ"حرب الانفصال" و"جريمة الردة والانفصال" لدى المنتصرين، رغم أن الحرب كما يعرف الجميع كانت قد أعلنت يوم 27 أبريل 94م من على منصة ميدان السبعين وعلى لسان الرئيس حينها علي عبد الله صالح الذي قال مقولته الشهيرة "الوحدة أو الموت" ثم لم يمض يومان حتى كان قد تم تدمير اللواء الجنوبي "الثالث مدرع" المتمركز في منطقة عمران شمالي صنعاء، ولواء المشاة الجنوبي المتمركز في يريم شمالي محافظة إب الذي سُحق بعده بيوم، فضلا عن "لواء الوحدة" الجنوبي الذي كان متمركزاً في حرف سفيان بمحافظة عمران، وكان قد ضرب عن بكرة أبيه قبل ذلك بأسابيع.
• إن لم شمل الحزب الاشتراكي جاء بعد هزيمة موجعة وبرغم إعلان استعادة هيئات الحزب لنشاطها وانتخاب قيادتها بزعامة المناضل التاريخي نائب رئيس مجلس النواب حينها، علي صالح عباد (مقبل)، فقد بقي الحزب مشتتا لفترة تقارب العام أو تزيد قليلاً حتى تمت إعادة ترتيب هيئاته المحلية في المحافظات والمديريات ثم عودة بعض قياداته من الخارج ونقل بعض هؤلاء معهم خلافاتهم إلى داخل هيئات الحزب، وبقي الحزب تتنازعه المواقف المتناثرة التي أثرت على أمكانية تعبيره الواضح عن القضية الجنوبية حيث أعلن عن مطالبه المتمثلة بـ"إصلاح مسار الوحدة" والتمسك بعدالة حق الجنوبيين في "إزالة آثار الحرب" و"إجراء مصالحة وطنية شاملة"، وتلك تعتبر خطوة متقدمة في ظروف ذلك الزمن مع استمرار الهجوم على الحزب من جهتين متطرفتين:
- جنوبيون يلعنون الحزب لأنه من ورط الجنوب بورطة الوحدة.
- جنوبيون آخرون (وطبعا شماليون) ومعهم كل السلطة الحاكمة وإعلامها وحلفاؤها ومساجدهم ودور تعليم القرآن والمعاهد العلمية، كل هؤلاء يلعنون الحزب ليل نهار لأنه كان يخطط "للقضاء على الوحدة اليمنية" ، مع استمرار حملات التكفير والاتهام بالمحرمات، وغيرها من الحروب النفسية والإعلامية التي فعلت فعلها منذ ما قبل إعلان 22 مايو وعمقت الكراهية للحزب وللجنوب بين بسطاء المواطنين الشماليين.
• ومع هذا الموقف أبقى الحزب خطاب عدم التعرض لـ"الوحدة" وعدم الوصول إلى مرحلة الاقتناع بفشل تلك التجربة، خصوصاً وأن جبهة المنتصرين كانت ما تزال في ذروة نشوتها وهيمنتها على الذهنية العامة في الشمال بشكل أساسي حيث الغالبية السكانية وفي بعض مناطق الجنوب حيث سادت روح الإحباط والهزيمة والانكسار المعنوي، وكانت وسائل الترهيب والترغيب معاً هي سلاح النظام في مواجهة أي شكل من أشكال الرفض لسياسات ما بعد 7/7/1994م، وقد اعتبرت مطالب "إصلاح مسار الوحدة" و"إزالة آثار الحرب"، و"المصالحة الوطنية الشاملة" خطوات جريئة شنت ضدها حملات إعلامية هوجاء من قبل إعلام السلطة وحلفائها.
ومن الطبيعي أنه وفي ظل هذا التشتت السياسي والحرب النفسية المتعاظمة، اختار الكثير من السياسيين الجنوبيين وبعضهم كانوا في القيادات الوسطى، بل والعليا في الحزب الاشتراكي، اختاروا اللجوء إلى نصرة العدو المنتصر فصعد البعض إلى مواقع فاقت ما كان عليه في الحزب وسلطته ما قبل الهزيمة بمسافات فلكية، في ظاهرة يمكن تسميتها بـ"المهزومين الرابحين" او "الهزيمة المربحة".
وبجانب هؤلاء ظهرت طبقة سياسية جديدة من مؤيدي الطرف الشمالي المنتصر بعضهم ممن لهم ثأر مع النظام الجنوبي السابق أو ابنائهم ومنهم متدربون جدد لم يكن لهم اي شأن سياسي ما قبل الحرب ليقفزوا بقوةٍ وسرعةٍ فائقتين إلى مواقع عليا في الحزب الحاكم وسلطته، وقد مثل بعضهم النظام المنتصر تمثيلا سيئا لم تتبين نتائجه إلا متأخرة، وكل هذا يكشف للمتابع عجز النظام عن استقطاب عناصر جنوبية ذات سمعة محترمة إلا في حالات نادرة جداً.
ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى الدور الذي لعبته بعض الجرائد والصحف الإسبوعية كصحيفتي الأيام والثوري ولاحقا الطريق، في نشر الأخبار والمقالات والتقارير والتحليلات التي تكشف كثيرا من سياسات وفضائح ما بعد 7/7/1994م.
(يتبع)