كتابات وآراء


18 يناير, 2021 03:51:46 م

كُتب بواسطة : العقيد عوض علي حيدرة - ارشيف الكاتب


بقلم: العقيد المهزوم عوض علي حيدرة

‏الإمبراطور المغولي، المستحضر من لا شيء.. بدوي همجي كان صياد وراعي الأغنام والمواشي.. لم يسكن من قبل المدينة، ولا عرف القراءة والكتابة.. تفوق عسكريا على ثلاث إمبراطورية.. ولم يكن لديه دبابات أو طيران أو صواريخ او مدفعية ميدان.. كانت لديه مدفعية بدائية تجرها الخيول.. كان جيشه عالم من القناصة وراكبي الخيول.. حير العلماء و المؤرخين العسكريين، واعترفوا بأن اعماله الجبارة الباطشة الوحشية وانتصاراته ‏لا تفسير لها.. وقد وضع دستور لخمسين شعبا، وجعل من نفسه سيد مطلقا على الأرض، من كوريا حتى أرمينيا.. ومن التبت سقف العالم حتى الفولغا، حاكما على نصف ‫العالم و خلفه ابنه وحفيده.. ولكي يمكن أن نتخيل ذلك الرجل وتمثله... يجب أن نقترب منه فعلا وهو بين شعبه على سطح هذه الأرض كما كان منذ 800 سنة قد خلت، لا نستطيع أن نقيمه بمفاهيم الحضارة المعاصرة و معاييرها وقيمها، بل النظر إليه وهو في عالم قاحل، ماهول بالخيول وراكبيها والقناصة ورعاة الأغنام وسواهم من البدو الرحل.

وفي هذا السياق، يهمنا صديقنا زكريا تامر، وهو كاتب سوري مبدع، ‏يعيش في لندن منذ 40 عاما... فى قصة «يوم غضب جنكيز خان»، يتخيل «زكريا تامر» أن «جنكيز خان»، وقد استقرت له الأمور وأصبح «سيد العالم»، أصابه الملل.. لم يَدْرِ كيف يتخلص من ذلك الملل.. طلب المشورة من وزيره.. وطلب منه الوزير أن يُمْهِله للتفكُّر والتدبُّر، ولكن «جنكيز خان» عجول لا يُطيق صبرًا.. هدّد الوزير بالسلخ حيًا إذا لم يُسْدِه النصح فورًا، وهنا تكلم الوزير:

«قال الوزير: قد يكون سبب مللك راجعًا إلى بقائك مدة طويلة فى قصر زاخر بكل ما تشتهى، ولذا فقد يكون التغيير هو الكفيل بإنقاذك من مللك، ففكر جنكيز خان طويلًا، ثم قرر العمل بمشورة وزيره، ورأى أن يتنكر فى ثياب الفقراء، وغادر قصره وحده بغير حراس ولا أعوان، وجال فى الطرقات حتى تعبت قدماه ووهنت قواه، غير أن ملله لم يفارقه، إنما ازداد وأصبح سحابة سوداء تمتلك شرايينه، فهَمَّ بالرجوع إلى قصره ومعاقبة وزيره، ولكنه تنبه لرجل ينهال ضربًا بالعصا على حمار، فوجد نفسه يندفع نحو الرجل، ويمسك يده حاملة العصا، ويقول له بحنق: لو كان قلبك من حجر لَمَا ضربتَ حمارك بهذه القسوة، فحدق الرجل إلى جنكيز خان مدهوشًا من دون أن يتفوه بكلمة، ولكن الحمار تكلم، وقال لجنكيز خان بهزء: ما هذا الفضول البغيض؟ أأنا الذى يُضرب أم أنت؟
قال جنكيز خان: هذا أمر عجيب حقًا! حمار ويتكلم؟!
قال الحمار بزهو: وأتكلم بلا أخطاء نحوية شائعة، مُحارِبًا اللهجات المحلية، بوصفها تعبيرًا عن نزعات إقليمية مقيتة، فازداد استغراب جنكيز خان، وقال للحمار: وتتكلم أيضًا كالمثقفين؟!
قال الحمار باعتداد ورأس مرفوع: أنا بالطبع مثقف، فضحك جنكيز خان، وقال: أظن أنه من الأفضل أن تصحح قولك، فتقول إنك حمار مثقف إذا كنتَ حريصًا على النطق بالصدق وحده.
قال الحمار: أنت مخطئ، فأنا لست حمارًا، مع أنى حمار.
قال جنكيز خان: ما هذا الكلام الغريب؟ أتطرح علىَّ ألغازًا أم أنك تطلب منى أن أُكذب ما أشاهده وأصدق ما أسمعه؟!
قال الحمار: يحق لك أن تستنكر وأن تتهمنى بما تشاء من التهم، ولكنك إذا عرفتَ حكايتى صدّقتَ ما أقوله.
قال جنكيز خان، وقد طغى عليه الفضول: ارْوِ لى حكايتك.
قال الحمار: كنت من قبل مخلوقًا بشريًا، أقرأ الصحف والمجلات، وأستمع إلى نشرات الأخبار، وأشاهد برامج تليفزيونية، ولكنى أردت استخدام ثقافتى للظفر بمغانم شخصية مادية ومعنوية، فاضطررت إلى أن أمشى على أربع، وظللت أمشى على أربع، آملًا الحصول على ما أطمح إليه من جاه ونفوذ وثراء، فلم أَنَلْ ما أبغى بسبب كثرة الزاحفين، وتحولت من إنسان إلى ما تراه.
قال جنكيز خان متسائلًا: وأذناك.. كيف كبرتا؟
قال الحمار: لأنى كنت أستخدمهما أكثر من لسانى.
قال جنكيز خان، وقد نسى أنه فى ثياب الفقراء: حين أعود إلى قصرى سآمر بكتابة حكايتك كى تكون عبرة لمَن يريد أن يعتبر.
قال الحمار: أنت؟! أنت الشبيه بمتسول تملك قصرًا؟!
قال جنكيز خان: أنا لست أملك قصرًا فقط، بل أنا جنكيز خان، سيد العالم. ألم تسمع عنى؟
قال الحمار: لن أصدق ما تقوله ولو أكلتَ كل ما على سطح الأرض من كتب مقدسة.
قال جنكيز خان: ولماذا لن تصدق؟
قال الحمار: الجواب سهل، فلو كنتَ حقًا جنكيز خان لما عُنِيتَ بكتابة حكايتى ولأهملتَها، فالمُفضَّل للحكام هو مَن يتقن الزحف.
قال جنكيز خان: أجوبتك لا تخلو من ذكاء يؤهلك لأن تكون وزيرًا من وزرائى.
قال الحمار: الآن فقط اقتنعت أنك جنكيز خان.
قال جنكيز خان: لماذا؟
قال الحمار: لأنه ليس من المستغرب أن يختار جنكيز خان مَن كان إنسانًا وتحول حمارًا وزيرًا له، فغضب جنكيز خان، وقال للرجل حامل العصا: سآمر بقطع رأسك إذا لم تتابع ضرب حمارك الوقح بقسوة لأنه سيئ التربية طويل اللسان،
فاستأنف الرجل ضربه للحمار بحماسة وخوف، بينما قصد جنكيز خان قصره، وقد تبدَّد ملله وحلَّ محله غضب عارم أمر الشمس بالأفول، فشحب نورها، وأطاعت الأمر توًا ومن دون تردد، وأمر أيضًا مالكى الحمير كافة بأن يمتلكوا عِصِيًّا وسياطًا ويستخدموها باستمرار. ومنذ ذلك اليوم، عانت الحمير ظلمًا لن يزول».

وهكذا علمنا من «زكريا تامر» لماذا تستطيل أذن الحمار، ولماذا يُضرب الحمار إذا تكلم أو صمت. قصص «زكريا تامر» مُمْتِعة ومُوجِعة ومُبينة.

المراجع:
* اعلام الحرب الجزء الثالث: جنكيز خان، المؤلف العميد محمد اسد الله
* استعراض قصة زكريا سامر الكاتب المصري وجيه وهبه.