كتابات وآراء


25 يناير, 2021 11:31:18 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


القسم الثاني

الهوية والقضية

ــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الرابع

مفهوم الهوية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلام عليكم أيتها الزميلات أيها الزملاء المتابعين

لقد كرسنا القسم الأول من كتابنا هذا للقضية الجنوبية مفهوما وتاريخا ومراحل وتعقيدات وتطورات وتبلورات حتى ما بعد نشوء المجلس الانتقالي الجنوبي.

وأشير هنا إلى كثير من الملاحظات التي تلقيتها من كثير من الزملاء إما عبر صفحة الفيسبوك نفسها بعد كل منشور أو من خلال البريد الإلكتروني، وخدمة الماسينجر أو عبر خدمات ووتس أب وتليجرام وغيرها، وبعض الملاحظات تقدم بها أناس من مستوى رفيع من مناضلي حرب التحرير ضد الاستعمار ومن قيادات بناء الدولة الجنوبية وبعضهم من المشاركين في مرحلة ما بعد 1990م حتى 1994م ومن ضحايا حرب 1994م، وأعترف أن الكثير من هذه الملاحظات سييكون عونا لي عن إعادة الصياغة النهائية لكتابي هذا، فشكراً للجميع.

في القسم الثاني من الكتاب الذي يتكون من خمسة فصول وفي هذا الفصل بالذات، الذي كرسته للمفهوم الفلسفي والسيسيو لوجي والأنثروبولوجي للهوية فإنني سأعمد إلى أسلوب مختلف في العرض، وهو تقديم ملخص عن الكثير من القضايا المتشعبة ذات الطبيعة الفلسفية والسيسسيولوجية التي قد لا تهم القارئ كثيرا لما فيها من تفاصيل ومحاججات وأقاويل متعارضة أو متناقضة، إلا من زاوية استخدامها لاحقا في قراءة المقولات والحجج اللتي سنتناولها في بقية الفصول.

وفي هذا الفصل فقد جرى التركيز على النقاط الأساسية التالية

1. إن الهوية ليست جواز السفر أو بطاقة التعريف التي يحملهما المرء أثناء التنقل والسفر وإن كانت الورقتان تمثلان قيمة رمزية لهوية حاملهما.

2. إن الهوية ليست ظاهرة ثابتة معطاة لمرة واحدة وإلى الأبد بل هي ظاهرة تاريخية، لها ظروف الولادة والنشوء والنمو والتطور والاتساع، والازدهار، مثلما لها ظروف للتراجع والانكماش والضمور والشيخوخة وربما الاضمحلال والتلاشي.

3. إن الهوية هويات متعددة، فهناك هوية واسعة تشمل مجتمعا أو عدة مجتمعات، وفي إطار هذه الهوية يمكن الحديث عن عدد من المستويات المتجاورة أو المتراتبة من الهويات الداخلة في تركيبة الهوية الواحدة الواسعة.

4. ومن هنا فإنه يمكننا الحديث عن الهوية الثقافية، أو الدينية، أو العرقية، أو المهنية، كهويات متجاورة أو متكاملة، كما يمكن الحديث عن الهوية الفردية، والهوية الجماعية، أو الجغرافية (الجهوية، بمعناها القبلي أو العشائري أو المناطقية) أو الوطنية، كهويات متراتبة تصاعدياً ولكل من هذه الهويات تعريفها وتشابكاتها وتداخلاتها في ما بينها أو في إطار الهوية الأم.

5. إن هذه الهويات المتجاورة أو المتراتبة ليست بالضرورة متعارضة مع بعضها، ناهيك عن إنها ليست متعارضة مع الهوية الأم الأكبر (الهوية الوطنية أو الهوية القومية) بل إنها يمكن أن تكون مكملة لها وعنصر إثراء وإغناء للهوية الأم كما للهويات المجاورة.

6. إن عشرات التعريفات للهوية تتمركز جميعها في مجموعة من الشروط الطبيعية والاجتماعية المعبرة عن هذه الهوية أو تلك وهي: النطاق الجغرافي الواحد، الذاكرة التاريخية، الثقافة الشعبية، الحياة الاقتصادية الواحدة، والمصالح المادية والمعنوية التي تجمع أصحاب الهوية الواحدة.

7. إن بعضا من هذه العناصر المعبرة عن الهوية قد تتشابه أو توجد في عدة مناطق انتشار، لكن هذا لا يعني وجود الهوية الواحدة، ففرنسا وإسبانيا متجاورتان جغرافيا لكنهما بهويتين متباينتين، وإيرلندا وبريطانيا لهما نفس الذاكرة التاريخية والنطاق الجغرافي وحتى الثقافة الشعبية، لكن الآيرلندي يغضب غضبا شديدا عند ما تقول له أنه بريطاني، فالهويتان متباينتان لكنهما لا تلغيان هوية المملكة المتحدة.

8. إن المصلحة المادية والمعنوية المشتركة بين أصحاب الهوية الواحدة تمثل ركنا أساسيا في ثبات الهوية أو زوالها، فما لم تتعادل المصالح وتحترم لدى أصحاب الهوية الواحدة، أو في حالة تمييز مصالح على مصالح أخرى فإن ذلك يمثل إيذانا باضمحلال الهوية وزوالها.

9. إن الهوية وما يتصل بها من ملابسات وتعقيدات وإشكاليات يمكن أن تكون سبباً، إما في استقرار المجتمع الذي تعبر عنه أو في عدم استقراره، وذلك يتوقف على قدرة الهوية الأم (الكبرى) على احتواء الهويات الصغرى والتعبير عن أصحابها وحفظ لهم حقهم في التميز دون مصادرة محتوى هويتهم أو تهميشه، وبمعنى آخر إن الدولة صاحبة الهوية الأم عندما تعبر عن كل أصحاب الهويات الصغرى الداخلية في هويتها الكبرى، تستطيع أن تحيد كل ما بينها وبين الهويات الأصغر من تمايزات وتعارضات ومواجهات، وهذا يتوقف على التعامل مع جميع أصحاب الهويات المتقاربة أو المتباعدة في إطار هذه الهوية بعدالة ومساواة.

10. إن ضعف الهوية الأم يفتح الأسباب واسعة لاستقواء الهويات الصغرى وتنازع أصحابها النفوذ والتعارض بين المصالح ومن ثم تفكك الهوية الأم ونشوء هويات بديلة يحاول من خلالها كل الذين افتقدوا شعورهم بالانتماء إلى الهوية الأم، التعبير عن كينونتهم وانتماءاتهم من خلال الهويات الأصغر، ومن هنا تنشأ القبيلة أو العشيرة أو المذهب أو الطائفة البدلية عن الدولة أو المستحوذة على بعض وظائفها.

11. إن الهوية والسياسة في حالة علاقة طردية وتلازم دائمين استقرارا وازدهارا أو ضعفا وانحدارا، فالسياسات المتوازنة التي تقوم على العدالة الإنسانية واحترام آدمية الإنسان كفرد أو كجماعات وتكريس مصالح الجميع، توفر بيئة ملائمة لازدهار وتطور واستقرار الهوية الوطنية الواحدة واستيعابها لجميع الهويات ما دون الوطنية، وبالعكس فإن السياسات القائمة على التمييز أو الظلم أو القمع وتغييب المساواة والعدالة، لا يمكن أن تؤدي إلا إلى مزيد من التنافر بين أبناء المجتمع الواحد وإضعاف الهوية الأم وصعود وتنامي أدوار الهويات الأصغر لتقضم جزءً كبيرا أو صغيراً مما يفترض أن تعبر عنه الهوية الأم التي ينبغي أن تكرسه السياسات القائمة.

12. ومن نافل القول أن هناك بلدان تقوم على تعدد الهويات كما هو الحال في دول مليارية كالصين والهند، ومثلها دول متوسطة كروسيا وإيران ومصر والعراق أو دول صغيرة كماليزيا وسويسرا ولبنان وبلغاريا وغيرها من الدول ذات الديانات أو الطوائف أو الأعراق أو القوميات أو اللغات والثقافات المتعددة، وهذا بطبيعة الحال لا يستنقص شيئا من مكانة هذه البلدان أو أنظمتها السياسية بل ربما يضيف سمة التنوع الإيجابي لهذا البلد المعني أو ذاك ما لم توجد أسباب أخرى أو عيوب أخرى تعود إلى سوء إدارة التنوع الثقافي والإثني أو سوء التعامل مع المصالح المتعارضة أو استقواء هوية على بقية الهويات وغير ذلك من التفاصيل التي يمكن النظر إليها في سياقها الطبيعي.





الفصل الخامس

السياق التاريخي للهوية الجنوبية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بادئ ذي بدء لا بد من التذكير بأنه وحتى العام 1967 كان الجنوب يتكون من أكثر من 23 دويلة اتخذت أشكال السلطنات والمشيخات والإمارات لكل منها حدودها الجغرافية وبنيتها السكانية وملامحها الثقافية والتاريخية، وعاداتها وتقاليدها التي وإن تشابهت مع بعض جاراتها فإنها تظل متميزة بشيء لا يتوفر لدى سواها، وبرغم بدائية الحياة الاقتصادية والمعيشية والحضارية في معظم هذه الكيانات فإن المصالح الاقتصادية والمعيشية لم تشهد أي اندماج في ما بينها أو في ما بين أبناء بعضها البعض، ومثلما قيل عن العادات والتقاليد والبنية الثقافية يمكن أن يقال عن ملامح النفسيية الاجتماعية لدى معظم أبناء هذه الكيانات، وبعبارة أخرى يمكننا القول أن تلك البنى السياسية حتى وإن تقاربت أو تشابهت مع بعضها في بعض الملامح والمشتركات الجغرافية والثقافية، فإنه قد كان لكل منها هويتها المتفردة والمتميزة عن هويات بقية الكيانات المجاورة لها.

لقد احتفظت كل من تلك الكيانات السياسية الجنوبية بهويتها المميزة وحدودها الجغرافية وعلمها وعاصمتها وكان لبعضها جيشه ونظامه الأمني وجواز سفره ومجلس وزرائه، وحتى تلك الإمارات والسلطنات التي دخلت في إطار الاتحاد الفيدرالي لإمارات الجنوب العربي، لم تستطع أن تكون ولو بذوراً أولية لهوية واحدة متجانسة ومتبلورة تعبر عن كينونة موحدة لكل سكانها بل لقد احتفظ كل منها بحدوده ومنظومته الإدارية ومقومات هويته، وكان بعضها قد دخل في حروب مع البعض الآخر حتى وهي داخل إطار "الاتحاد الفيدرالي".

كل هذا قد حال دون ظهور وتبلور هوية جنوبية واحدة مكتملة الأركان يمكن القول بأنها تعبر عن كل الجنوبيين أو سوادهم الأعظم ذلك إن الانتماء والشعور بالمشاركة السياسية والاجتماعية، ومنظومة المصالح والإرث الثقافي والنفسي، كل ذلك لم يكن ليتحقق إلا من خلال البنية السياسية التي ينتمي إليها المواطنون وتتجسد فيها مصالحهم وذاكرتهم التاريخية وثقافتهم الشعبية، وهي السلطنات أو القبائل أو المشيخات أو الإمارات التي لم تتوفر لها عوامل الاندماج والتوحد.

وبتعبير آخر فإن أهم ملامح غياب الهوية الجنوبية الواحدة آنذاك تمثل في غياب الشعور المشترك بالانتماء إلى كيان موحد لدى كل أبنا الوحدات السياسية والقبلية والجهوية المنخرطة في هذا الاتحاد أو غير المنخرطة فيه، وغياب الروابط الاقتصادية وضعف الرابطة الثقافية والنفسية بين مكونات الاتحاد، وباختصار يمكننا القول إنه وحتى في أفضل أيام الاتحاد الذي لم يعمر طويلا (1959ـ1967م) ومع تأسيس الجيش الاتحادي وحكومة الاتحاد والمجلس الاتحادي وبدايات محاولة إدخال عدن في الاتحاد، بمجلسها التشريعي وتقاليدها المدنية والديمقراطية (النسبية) والعمل المؤسسي الذي عرفت به، مع كل ذلك كانت الهوية الجنوبية تتشكل كبذور وبراعم جنينية وإرهاصات حقيقية لهوية تتخلق وتنمو بصورة طبيعية، لكن ليس في مؤسسات اتحاد الجنوب العربي الفيدرالي بل في مكان آخر وبيئة أخرى وفي ظل شروط ومعطيات أخرى.

لقد كانت البدايات الجنينية للهوية الجنوبية تتشكل في خضم نشوء وتطور الحركة الوطنية بجناحيها النقابي والسياسي حيث عبر عدد من التنظيمات السياسية والمؤسسات النقابية عن نشوء شبكة من الارتباطات على أسس جديدة مختلفة عما مثلته الدويلات والإمارات والسلطنات كلٌ على انفراد أو بما جاء به مشروع الاتحاد الفيدرالي، إذ كان الجنوب يبحث عن طريق جديد ينتقل به من واقع التبعية والتجزئة والتخلف والتمزق والتنازع وضعف الخدمات وتدني مستوى النمو إلى واقع جديد مختلف نوعيا عن ذلك الواقع المعاش في تلك الحقبة.

وقد ساهمت التطورات الاقتصادية التي شهدتها عدن خلال الخمسينات خصوصا بعد افتتاح مصفاة عدن الصغرى، بالإضافة إلى ميناء عدن ومطارها، وتوسيع حركة تجارة الترانزيت واتساع وكالات الشركات العالمية فضلا عن نشوء بعض الصناعات الصغيرة والمتوسطة، واتساع حركة المعمار في عدن، كل هذا قد ساهم في نشوء حركة عمالية متطورة ومنظمة من خلال نقاباتها وما عرفت لاحقا بالنقابات الست، التي لعبت دوراً كبيراً في توحيد العمال ليس فقط في رفع مطالبهم النقابية المتصلة بتحسين أوضاعهم المعيشية، بل وفي المساهمة اللاحقة في رفض السياسات الاستعمارية ونقل المطالب النقابية إلى جزء من مطالب الحركة الوطنية الجنوبية التي ترفع شعاراتها الأحزاب والتنظيمات السياسية في عدن وبقية مدن الجنوب.

ومن المهم التذكير إننا ونحن نتحدث عن النهوض الاقتصادي والخدمي الذي شهدته تلك الحقبة الزمنية، إنما نعني به ما شهدته عدن باعتبارها مقر لأكبر قاعدة بريطانية في الشرق الأوسط، مع بعض التطورات الطفيفة في بعض عواصم السلطنات، أما عند ما يتعلق الأمر بأرياف الجنوب وهي المناطق الأوسع جغرافيا والأكثر كثافة ديمغرافيا، وحتى مدن بعض السلطنات والإمارات، فإنها لم تعرف المدرسة الابتدائية الحديثة وخدمة التطبيب الأولية ومركز الأمن والمحكمة والطريق الترابي البدائي إلا بعد الاستقلال، أي إن التطور الطفيف الذي نتحدث عنه لم يمس سوى إمارة عدن، وجزءً ضئيلا من عواصم عدد قليل من السلطنات والإمارات.

ولا يمكن المرور على هذه اللحظة التاريخية دون التعرض للدور التنويري الذي لعبته الصحافة العدنية التي تعود بداياتها إلى العقد الثاني من القرن العشرين، ومع منتصف الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي أخذت الصحافة العدنية في الانتشار والتطور وتكوين حركة إعلامية ذات منشأ جنوبي مميز ونكهة وطنية واضحة، فكانت صحف مثل "فتاة الجزيرة"، "القلم العدني"، "الأمل"، "الفجر"، "الصباح "، "الأيام"، "الطريق" وغيرها مما خلق حالة من الجدل الثقافي والسياسي على الساحة العدنية ساهمت في رفع الوعي السياسي ورفد الحراك السياسي بمزيد من أسباب النمو والحيوية والتطور.

كان تشكيل التنظيمات والأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والنقابية على أساس وطني عريض عماده المصالح المشتركة والمنازع والميول المشتركة ووجهات النظر السياسية المشتركة، كل هذا كان علامة نشوء وعي جديد يبحث عن هوية جديدة مثلت لبنات أولية لنشوء وتطور الهوية الجنوبية المنتظرة.

وحيث إن السلطنات والمشيخات والإمارات الجنوبية قد كانت وليدة مرحلة تاريخية معينة كانت لها ظروفها التاريخية ومستوياتها المحدودة في التعبير عن متطلبات النهوض الآخذ في النمو والازدهار وكانت أضيق من أن تعبر عن هوية وطنية جنوبية شاملة، فقد انقضى الزمن الذي كان يمكنها فيه أن تلعب دوراً عصرياً يواكب متلطبات المرحلة الجنوبية الجديدة، ولهذا فشل الكثير منها في التعبير عن طموحات وتطلعات المواطنين المنضويين تحت اسمها، وفي بناء نسيج مجتمعي متماسك يجعل الشعور بالانتماء إلى تلك الكيانات محل اهتمام ومفاخرة، وكل ما نجحت فيه تلك الكيانات هو استبقاء الذاكرة التاريخية، وهي ليست وظيفة إجرائية بقدر ما هي متلازمة تتكون عبر الزمن وتأخذ عمرها الطويل حتى لو تغير أو زال الوعاء السياسي المعبر عنها وهي مثل بقية مكونات الهوية تتغير وتتسع وتضيق بيد إن اضمحلالها أو بقاءها مرهون بقدرة الأجيال على التعاطي معها وحفظها أو العكس، وبجانب فقد نجحت بعض الكيانات (السلاطينية والقبلية) التي نتحدث عنها في حشد المقاتلين من أبنائها في مواجهة مقاتلي البعض الآخر عند المنازعات والمواجهات المسلحة فيما بينها، وهكذا فلم يبق مما يعبر عن الهوية في تلك الكيانات سوى الإطار الجغرافي وبعض الملامح الثقافية وما يمكن تسمية بالذاكرة التاريخية غير المدونة في الغالب.

وجاءت ثورة الرابع عشر من أوكتوبر ومسارها النضالي (المسلح) وما ترافق معها من مقاومة مدنية للوجود الاستعماري في المدن، كل هذا جاء ذلك ليعزز شعورا بالانتماء إلى كيان أكبر من القبيلة والسلطنة والمشيخة وأكبر حتى من الكيان الاتحادي (اتحاد الجنوب العربي) كمشروعٍ ارتبط نشوؤه وتطوره وحتى اتجاهاته السياسية بالتوافق مع الاتجاهات السياسية والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية البريطانية في مناطق انتشاره.

ولا شك أن حركة نهوض الوعي القومي وما حققه المد الثوري في أكثر من بلد عربي في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم ـ وخصوصا التجربة الناصرية في مصر ـ قد ساهم في تعزيز الوعي بالانتماء إلى كيان أكبر من المشيخة والسلطنة وغيرها من الكيانات الصغيرة واقترن نشوء الوعي الوطني بتنامي الشعور بالانتماء القومي (العروبي) في أتون المعركة الضارية بين معسكر الاستعمار وأنصاره ومعسكر ثورات التحرر الوطني العربية التي كانت تعبر عن طموح ورغبة الشعوب العربية في الحرية والاستقلال والتخلص من التبعية للغرب الاستعماري، ومواجهة الصهيونية التي كان مشروعها ما يزال في سنواته الأولى.

وفي سياق العمليات التاريخية والمتغيرات السياسية الوطنية تبلور مفهوم الهوية الوطنية الجنوبية ليصبح مع قيام دولة الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967م حقيقة أكثر واقعية وأكثر قابلية للتطور والترسخ والتعمق في وجدان السواد الأعظم من السكان.

لم يكن الثلاثون من نوفمبر وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية سوى لحظة انعطاف تاريخي في تشكل ونمو وصيرورة الهوية الجنوبية التي كما هو معروف ككل مولود جديد، لم تولد جاهزةً مكتملة الشروط والمقومات، لكنها غدت حقيقة لا تقبل الجدال، إذ غدا لدى الجنوبيين لأول مرة دولة جديدة اسمها جمهورية اليمن الجنوبية ـ ثم لاحقا الديمقراطية ـ الشعبية والتي فتح قيامها آفاقا جديدة أمام تنامي وتعمق هوية جديدة واضحة المعالم أخذت مسارها في النمو والنضوج والتمظهر والترسخ والتعمق خلال عقدين ونصف من الزمن شهدت ما شهدت من تنامي عوامل وأسباب ديمومتها واستمراريتها.

(يتبع)