كتابات وآراء


23 فبراير, 2021 01:25:46 ص

كُتب بواسطة : د. علي صالح الخلاقي - ارشيف الكاتب


المُستشار لُغةً من اسم مفعول من استشارَ(باللاتينية: consultare)‏. وهو خبيرٌ متخصِّص يُؤخذ رأيُه في أمر هامّ، علميّ أو فنّيّ أو سياسيّ أو قضائيّ أو نحو ذلك.. وهناك رتبة من رتب القضاء "مستشار في مجلس الدولة/ محكمة النَّقض".
لكن ما رأيناه في عهد الرئيس علي عبدالله صالح من غريب وعجيب التعيينات التي ما زالت سارية حتى الآن، قد خالف هذا التعريف جملة وتفصيلاً، حتى أفقد هذه الكلمة معناها وأفرغها من مضمونها الحقيقي وجعلها مثاراً للسخرية والطرافة، حيث تكاثر في عهده جيش المستشارين الذين لا يستشارون في هيئات الدولة وسلطاتها المركزية والمحلية حتى أصبحوا عبئاً كبيراً لا مبرر لوجوده، ورغم كثرتهم فأنه ما يجمع بينهم أنهم لا خبراء ولا متخصصين في أي أمر هام، وتبعاً لذلك لا يمارسون عملا محدداً ولا مكاتب لهم ولا يلجأ إليهم أحدٌ لطلب مشورتهم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، باستثناء قلة منهم.
ويعرف القاصي والداني أن اسلوب التعيين في هذا المنصب كان يتم إما لكسب ود المعينين أو لمكافأتهم على ولائهم الشخصي أو للتخلص من بعضهم بإزاحتهم من مناصبهم المرتبطة بتخصصاتهم إلى مثل هذا المنصب الوهمي الذي لا طعم ولا لون ولا رائحة له..بل أن المخلوع لجأ إلى استحداث وتأسيس مجلس شورى (استشاري) رديفا لمجلس النواب، وأصبح الناس يطلقون عليه تندرا (سلة المهملات)، حيث أصبحت عضويته مفتوحة لا تتوقف عند محدد، وكل من فقد منصبه الوزاري أو القيادي ألقى به إلى هذه السلة، وأعتقد أنه يستحيل أن يعرف أحدٌ اليوم كم بلغ عدد أعضاء مجلس الشورى اليوم، أما مهامه فحدث ولا حرج.. ومن أطرف ما أتذكره عن مجلس الشورى أنني سمعت اللواء عبدالله علي عليوه بعد تعيينه وزيرا للدفاع وكنت حاضراً حينها، يقول لبعض مهنئيه حينها بطرافته المعهودة:"إن رئيس أركان دائم خير من وزير مؤقت في انتظار الحذف إلى سلة المهملات"، ويقصد بذلك مجلس الشور..!!
كثيرون للأسف ممن عُيّنوا بمنصب مستشار يعرفون أنهم غير جديرين بذلك، لا من حيث تخصصاتهم ولا من حيث خبرتهم أو مستوياتهم الدراسية، ويعرفون فقط أنهم قد حصلوا على منصب "مستشار ..لا يُستشار"، ولو قلّبنا في تخصصات وخبرات هذه الأعداد من جيش المستشارين وعملنا جرداً بهم في كل مرفق أو محافظة لوجدنا أن لا صلة لهم بمجالات مواقعهم الاستشارية، بل حين تسأل مستشار محافظ محافظة لأي شئون أو مجال فانه لا يعرف ، ولا المحافظ يعرف ذلك..وقس على ذلك مناصب (الوكلاء) الذين ينافسون في أعدادهم المستشارين، سواء في الوزارات أو على مستوى المحافظات، حيث تجد للوزير عدداً من الوكلاء، وأضعاف ذلك للمحافظين، وبعيداً عن الكفاءات أو التخصصات أو المهام المحددة.
لا أدري لماذا نحافظ على مثل هذا الإرث السيء، وإلى متى نسير على هذه القاعدة العرجاء؟!!

للعظة من التاريخ:
استشار عبد الله بن علي العباسي ابن المقفع فيما كان بينه وبين أخيه الخليفة المنصور فقال: لست أقود جيشاً، ولا أتقلد حرباً، ولا أشير بسفك دم، وعثرة الحرب لا تستقال، وغيري أولى بالمشورة في هذا المكان.
واستشار زياد رجلاً فقال: حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر واختبار متظاهر، ولا أراني هناك.
واجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم من يوم الكلاب فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني وليس معي الذهن ما ابتدىء به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا فإني إذا مر بي الصواب عرفته.