اخبار وتقارير

الجمعة - 24 يونيو 2016 - الساعة 02:53 م

حاوره - خالد الكثيري

بعد حوالي 6 أشهر من تركه منصبه، ينشغل محافظ حضرموت، السابق، عادل باحميد، في التحضير لوضع "مشروع حضرموت" على سكّة التنفيذ. مشروع يبدو أن غايته النهائية استعادة حضرموت ككيان مستقلّ عن الجنوب والشمال، بما يساوق مشروع الأقاليم الذي أقرّه مؤتمر الحوار الوطني.
وعلى الرغم من أن باحميد يقول إنّه يتطلّع إلى حضرموت "إقليماً ضمن الدولة الجنوبية الموعودة"، إلّا أن تصديره الحديث عن ألوية عسكرية حضرمية، وبرلمان وحكومة حضرميّين، وسيطرة على القطاعات النفطية في المحافظة الشرقية، ودراسة لبعض المشاريع الإقتصادية الإستراتيجية في المحافظة الأكبر على مستوى اليمن، يشي بأن المطلوب أبعد من كينونة ضمن "مشروع استقلال الجنوب"، خصوصاً أن الأخير يظهر شبه غائب عن خطاب باحميد.
في كلّ الأحوال، يوضح محافظ حضرموت السابق، في حديث إلى "العربي"، أقانيم مشروعه المسمّى "مشروع حضرموت: خير وسلام... عدالة وبناء"، ويتناول جملة من التطوّرات على الساحة اليمنية، وموقف حزب "التجمع اليمني للإصلاح" منها، ذلك الحزب الذي يقول إنّه لم يعد منتمياً إليه.

بداية د. عادل باحميد، ما أبرز ما يميّز "مشروع حضرموت" الذي تقدّمت بورقته للرأي العام؟ وهل تتبنّاه كمشروع رؤية وتطبيق، أم أنّه مجرّد مقال لرؤية أو طموحات تتمنّى أن تتبنّاها جهة ما؟

اشكر لك أخي العزيز هذا اللقاء، وأثمّن الدور الذي تقومون به في إيصال الرسالة الإعلامية الخبرية والتوعوية للجمهور المتلهّف للمهنية والمصداقية، فكلّ التحية لكم. بالنسبة لـ"مشروع حضرموت"، الذي قمنا بنشر أجزاء مقتضبة منه للرأي العام، فهو يمثّل في حقيقته مشروعاً استراتيجيّاً نتبنّاه كمسار واضح وخارطة طريق واضحة المعالم والخطوات، لإنقاذ وانتشال حضرموت ممّا وصلت إليه والنهوض بها، لتصبح في الوضع والمكانة التي تليق بها وأهلها وتاريخها ومقدّراتها، بعد عقود طويلة من التبعية لمركزية الجنوب ثم الشمال، حتّى وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه في حضرموت من معاناة في كلّ مجالات الحياة، ما كان لها أن تكون لو أن حضرموت طوّرت مشروعها ونهضت به ودافعت عنه. إنّه "مشروع حضرموت: خير وسلام... عدالة وبناء"، الذي يرتكز على محورين رئيسيّين، هما المحور الأمني والعسكري والمحور السياسي، باعتبارهما حجري الزاوية لإيقاف الإنهيار المتسارع والإمساك بزمام الأمور من قبل أبناء الأرض الحضرمية، وكما نعلم جميعاً أنّه لا يمكن الحديث عن أيّ استعادة للحقوق أو أيّ تنمية أو نهوض بدونهما، تليهما أربعة محاور أخرى مكمّلة لهما، هي المحاور التنموية والمجتمعية والبشرية والإعلامية.
أمّا عن أبرز ما يميّز هذا المشروع فهو الوضوح والواقعية والعملية والطموح في رسم خطوات الإنطلاق لحضرموت، التي طالما حلمنا بها وأردناها، يميّزه أنّه يخاطب العقل والمنطق السليم، ويقدّم مشروعاً حقيقيّاً لكلّ الناس، مطروحاً للنقاش والتشاور والنقد والإنتقاد، دون فرض أو تخويف أو ترهيب أو دغدغة للمشاعر والعواطف.

هل معنى ذلك أن لمشروع حضرموت قضية سياسية؟
مشروع حضرموت مشروع شامل متكامل، سعينا فيه إلى عدم إغفال أيّ من المحاور التي تخدم هدف النهوض وامتلاك حضرموت لإرادتها وقرارها، ولعلّكم تدركون أن الجانب السياسي يحتلّ مكانة هامّة في ذلك، فهو بمثابة الثوب الذي ستلبسه حضرموت يوم أن تضع الحرب أوزارها، ويصل الفرقاء إلى حلّ سياسي سيصبح واقعاً مفروضاً، لذا كان لا بدّ أن يحتوي المشروع على رؤيتنا كحضارم للأفق السياسي للحلّ، وأين موقع حضرموت في التكوين السياسي القادم.
ولقد كانت الرؤية السياسية لـ"مشروع حضرموت" في غاية العقلانية والواقعية السياسية، ففي الوقت الذي راعت فيه العوامل والمتغيّرات الإقليمية والدولية، حينما جعلت المبادرة الخليجية وآليّتها التنفيذية والقرارات الأممية ومخرجات الحوار اليمني منطلقات لها، فإنّها لم تهمل أو تغفل المتغيّرات على الأرض في ظلّ ثورة جنوبية منذ 2007م، وقضية جنوبية لا تزال تسعى لاستعادة الحقّ الجنوبي، فاستجابت الرؤية السياسية للمشروع لهذا المتغيّر، وجعلت من ضمن الخيارات أن تكون حضرموت إقليماً ضمن الدولة الجنوبية القادمة متى ما تحقّقت وتوفّرت لها البيئة الحاضنة إقليميّاً ودوليّاً وليس مجرّد أمنيات، لهذا أعتقد أن رؤيتنا السياسية لإقليم حضرموت هي خطوة متقدّمة جدّاً على طريق القضية الجنوبية واستعادة الحقّ الجنوبي.

إذاً، ما هي الخطوات العملية التي تبعت المشروع لإخراجه إلى أرض الواقع؟
هناك الكثير من نقاط المشروع قد تمّ البدء في خطواتها العملية بالفعل، حتّى قبل الإعلان عن المشروع. ففي الجانب العسكري والأمني، نجحنا مع كثير من الخيّرين في استخراج قرارات رئاسية بتشكيل الألوية العسكرية الحضرمية وبأسماء حضرمية (الأحقاف، حضرموت، شبام، والريان)، وكذا لواء الدفاع الساحلي، وتوجيهات رئاسية باستكمال قوامات القاعدتين الجوّية والبحرية في المنطقة العسكرية الثانية، وذلك ضمن قوام الجيش الوطني، وصدرت قرارات رئاسية بتعيين كامل القيادات العسكرية للمنطقة العسكرية الثانية من الكوادر والكفاءات العسكرية من أبناء حضرموت، وبدعم الأشقّاء في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وبجهود الأشقّاء في دولة الإمارات العربية المتّحدة، تمّ إنشاء تلك الوحدات من أبناء حضرموت على أرض الواقع، وتكلّلت كلّ تلك الجهود بدخول قوّات النخبة الحضرمية إلى عاصمة حضرموت، المكلّا، وتحريرها من براثن تنظيم "القاعدة".
وفي الجانب السياسي، تمّت صياغة الورقة السياسية، وكذا الورقة القانونية الدستورية المتعلّقة بموقع حضرموت في الدولة القادمة وحقوقها الدستورية على مستويات القضاء والجيش وبرلمان وحكومة الإقليم، وفقاً للمبادرة الخليجية وآليّتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني والمقرّرات الأممية، وتمّ عرض هذه الرؤية على الهيئة الإستشارية الرئاسية، وعلى الحكومة اليمنية في حينها. كما تمّ، في الجانب التنموي، بالفعل، ضمّ معظم القطاعات النفطية في حضرموت إلى الشركة الوطنية "بترومسيلة"، وبدأ التحرّك لدراسة بعض المشاريع الإقتصادية الإستراتيجية التي شملتها الرؤية التنموية والإقتصادية للمشروع. وفي الجانب المجتمعي، تمّ التوقيع على ميثاق الشرف المجتمعي بين مختلف المكوّنات في مارس 2015م. وفي الجانب الإعلامي، تمّ إطلاق قناة حضرموت الفضائية بجهود كبيرة من شبابنا الحضرمي المخلص، وفي ظروف غاية في الصعوبة، وبدأ تدريب عدد من الإعلاميّين وتأهيلهم. وفي المحور التربوي، تمّ تشكيل اللجنة التحضيرية لمؤتمر الأسرة الحضرمية، وبدء التواصل مع المهاجر، وغيرها من الخطوات العملية للمشروع.

بالتوازي مع تلك الخطوات التي تتحدّثون عنها، قدّم "حلف حضرموت"، هو الآخر، مشروعاً لحضرموت أيضاً، وهو يعمل على تحضيرات لانعقاد "مؤتمر حضرمي جامع"... ما هي رؤيتكم لمشروع الحلف؟

حلف حضرموت مكوّن حضرمي شامل، يمثّل أهمّية كبيرة للحياة السياسية والإجتماعية في حضرموت، وفور علمنا بنية الحلف عقد مؤتمر حضرمي جامع، باركنا تلك الخطوة على الفور، وأعلنّا استعدادنا لتقديم كافّة أشكال الدعم والمساندة والمساهمة في إنجاح هذا المؤتمر الهامّ والتاريخي.
ما نتمنّاه من الجميع في حضرموت، اليوم، أن يتنافس أهل الفكر والسياسة والخبرة في مشاريع وبرامج للحياة والنهوض، يقدّمونها للناس لمناقشتها وإثرائها والإقتناع بها، بعيداً عن العصبيّات وسياسة الفرض ومنطق القوّة والعنف والرأي الأوحد. حضرموت، اليوم، لم تعد تحتمل مزيداً من التبعية وسياسات الضمّ والإلحاق، فكلّ تلك العهود قد ولّت إلى غير رجعة.

وهل يتوافق مشروعكم مع مشروع "المؤتمر الحضرمي الجامع" الذي يعكف على مباشرة تحضيراته حلف حضرموت؟ أم جرى التواصل مع الحلف لبحث فرص توافق بهذا الصدد؟
نعم، نحن ننشد نفس الهدف والمقصد، لذا فور سماعنا بإعلان حلف حضرموت نيّته التحضير لعقد المؤتمر، أوقفنا كلّ الترتيبات التي كنّا بدأناها على طريق عقد المؤتمر، لنتيح لإخواننا في الحلف القيام بذلك. وعن نفسي وضعت وأضع كلّ إمكانيّاتي المتواضعة بين يدي إخوتي في حلف حضرموت، وأعتبر نفسي جنديّاً تحت قيادتهم كي ننجح جميعاً في عقد هذا المؤتمر بحسن التحضير والترتيب له، فنجاحه نجاح تاريخيّ لحضرموت.

د. عادل باحميد، لماذا كنت تلوّح وتقدّم استقالتك، أكثر من مرّة، حينما كنت محافظاً لحضرموت؟ 
حينما يصل المرء إلى مرحلة من الإنسداد التامّ لكافّة الطرق أمام تقديمه لما من أجله قبل بالمنصب، من خدمة الناس، وتحسين ظروف معيشتهم، والتخفيف من معاناتهم، تصبح مغادرته للمنصب أفضل من بقائه فيه، ولعلّه بذلك يتيح الفرصة لغيره لتقديم الأفضل للوطن والمواطن، فأنا لم أصل المنصب باختياري، ولا بطلب أو رغبة منّي، ولم أكن حريصاً عليه على الإطلاق أو على الإستمرار فيه. لذا، أجدها أنانية وغروراً واستهانة بمعاناة الناس أن يتشبّث المسؤول بموقعه بعد أن وصل أو تمّ إيصاله غصباً، وبطريقة مقصودة من قبل بعض الأطراف إلى طريق مسدود، ليصبح المواطن هو الذي يعاني. لذلك، حينما كنت أصل إلى هذه المرحلة من انسداد الأفق والتعنّت غير المبرّر من قبل بعض الأطراف، كنت ألوّح بتقديم استقالتي، وبالفعل، فعلتها أكثر من مرّة حرصاً على المصلحة العامة.

ما هو تقييمك للحملة العسكرية التي شنتها القوّات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي في مدينة المكلّا ومناطق ساحل حضرموت؟ وهل ترون أنّها حقّقت أهدافها؟
الإنتصارات العسكرية الكبيرة التي تحقّقت على أيدي رجالنا وأبطالنا وأبنائنا في الجيش الوطني والقوّات المسلّحة، وفي طليعتها وحدات النخبة الحضرمية، كانت محلّ فخر واعتزاز كبير، وما كان لها أن تتمّ، بعد فضل الله ونصره وتوفيقه، لولا جهود ودعم ومساندة ومشاركة أشقّائنا الكرام في التحالف العربي. وهذه الإنتصارات تكتسب أهمّية بالغة من حيث الكيفية والإستراتيجية التي تمّت بها، والتوقيت الذي جاءت فيه، وهي، بالفعل، قد أعادت الروح، وجدّدت الأمل بعد سنين من المرارة والمهانة والإنكسار. لذا، من الأهمّية بمكان الحفاظ على هذه الإنتصارات والمكتسبات، وتحصينها بمزيد من الجاهزية واليقظة والعمل الدؤوب، تحصينها برسم صورة مشرقة للوحدات النظامية الحضرمية الوطنية التي حرصنا جميعاً على أن تكون قوّات نظامية رسمية بعيدةً كلّ البعد عن الميليشيات وكافّة التشكيلات غير الرسمية، التي لن تجلب لنا إلّا الخراب والدمار والمزيد من الويلات، وتكريس ثقافة ومنطق القوّة خارج النظام والقانون. ينبغي أن يبقى ولاء هذه القوّات للوطن أوّلاً، ولشرعيّته الدستورية، ممثّلةً بفخامة الأخ الرئيس عبدربه منصور هادي القائد الأعلى للقوّات المسلحة، وأن تكون الذراع القوّية والأمينة ضمن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبجهود الأشقّاء في الإمارات العربية المتّحدة، الذين قدّموا كلّ ما يستطيعون دماً وأرواحاً وأموالاً لتحرير اليمن وإنقاذه أرضاً وشعباً من ويلات الإنقلاب ومليشيات الدمار الحوثية والعفّاشية، وأن تكون هذه القوّات الدرع الحصين لحضرموت وأهلها ومقدّراتها وثرواتها وقرارها، وأن تتمثل الأخلاق والقيم الحضرمية الأصيلة وتضرب أروع الأمثلة في الجاهزية والإنضباط وحسن التعامل مع المواطن.

كثيرون يميلون إلى اعتبارك مسؤولاً أو ضالعاً بشكل أو بآخر في تسليم المكلا لـ"القاعدة"، وعزّز من طرحهم قيام ما عرف بـ"المجلس الأهلي"، الذي ضمّ رموزاً ومكوّنات عديدة في حضرموت إلى عضويّته، بيد أن تصدّر واجهته وتوجّهه العام كان محسوباً على حزبك حزب "الإصلاح"... ما هو تعليقك؟
أعجبني هذا السؤال المشاكس، الذي ينمّ عن روح صحافية جميلة تبحث في أغوار الحقيقة بطريقة استفزازية. واسمح لي أخي العزيز، أوّلاً، أن أوضّح لشخصك الكريم ولمن سيقرأ هذا الحديث، أن أعيد تكرار ما قد أعلنت عنه في صفحتي على الـ"فيس بوك" من أنّني لم أعد أنتمي لأيّ حزب سياسي، وليس لي من قضية اليوم سوى قضية حضرموت في بعدها الوطني. وأمّا بالنسبة لتسليم المكلّا لـ"القاعدة،" فكم أتمنّى أن يتمّ فتح تحقيق نزيه وشفّاف لقضية سقوط المكلّا في أيدي تنظيم "القاعدة"، فهناك الكثير من الحقائق والملابسات والقرائن التي أحتفظ بها للتحقيق في ذلك، وليس الإعلام مكانها اليوم. من السهل الرمي بالإتّهامات وتجيير الأمور وتصفية الحسابات لأغراض سياسية وشخصية، لكن سقوط المكلا كان نتيجة تراكمات من السياسات والممارسات لسنوات أوصلت المنظومة الدفاعية والأمنية إلى حالة الترهّل والإنهيار، فلم تصمد أمام بضعة عشرات اقتحموا المكلّا في تلك الليلة البائسة. لقد كان سقوط المكلّا نتيجة حتمية لحجم التركة التي تركها المخلوع علي عبدالله صالح في وحدات الجيش والأمن من فساد بعض القيادات العسكرية والأمنية، التي أعتبر بعضها ضالعاً في مسرحية سقوط المكلّا أو عملية الإستلام والتسليم التي تمّت، كما تسبّب فيه تدخّل بعض الوجاهات والشخصيّات وتسهيلهم لتسليم المعسكرات لجهات غير رسمية مما سهّل تسليمها لـ"القاعدة"، رغم تحذيراتنا المتكرّرة من ذلك، والأيّام القادمة كفيلة بفتح كلّ الملفّات وتوضيح الحقائق.
وأمّا تشكيل "المجلس الأهلي"، فقد جاء كمبادرة عرضها علينا مجموعة من الشخصيّات والوجاهات لتجنيب المكلّا ويلات الإقتتال والدمار وتخفيف التداعيات وآثارها، وقد قبلت بالفكرة في بدايتها على أن تكون محصورة، فقط وفقط لا غير، في تفعيل الجهود الرامية لإقناع تنظيم "القاعدة" بالخروج من المكلّا وتجنيبها الإقتتال، وحذرنا مبكّراً من تداعيات انهيار القوّات المسلحة والمعسكرات واستلامها من قبل أطراف غير رسمية، ورفضت، منذ البداية، أن يتدخّل المجلس الأهلي في أيّ شأن من شؤون الخدمات أو تسيير شؤون الدولة، وأصدرنا بياناً رسميّاً مكتوباً بذلك في حينه، ثم أصدرنا توجيهاتنا الرسمية المكتوبة بعدم شرعية الزيادات السعرية التي أقرّها المجلس الأهلي بشأن المشتقّات النفطية، والتي فرضها، للأسف، ومرّرها بسطوة "القاعدة" وقوّتها، في تحدّ واضح لسلطة الدولة. ومع ذلك، وحرصاً على مصلحة المواطن المنهك، حاولنا التقارب مع المجلس، وعقدنا عدّة لقاءات مع من أرسلهم المجلس إلى الرياض للتفاهم، ولكن للأسف، كان العناد ومحاولات تهميش السلطة والحلول مكانها والإصرار على أساليب وسياسات خاطئة يوصلنا معهم إلى طريقٍ مسدود. وأمّا الأقاويل التي تتردّد بأن حزب "التجمّع اليمني للإصلاح" كان متزعّماً أو متصدّراً للمجلس فأعتقد أنّها نوع من المكايدة السياسية ليس إلّا، ومحاولة تصفية حسابات سياسية، فالجميع يعلم من الذي أسّس المجلس الأهلي، ومن هم أعضاؤه فذلك منشورٌ معلوم. وبالمناسبة، رغم كلّ ذلك، إلّا أن فيهم الكثير من الفضلاء والعقلاء والأخيار الذين حاولوا بالفعل، وبحسن نية، تجنيب البلاد الكثير من المآسي، وبذلوا جهدهم للتخفيف عن المواطن في وضع صعب ومعقّد وخطير، واستطاعوا فعل بعض الأمور، وعرّضوا أنفسهم لكثير من المخاطر في وقت تخلّى وتراجع فيه الكثير، فلهؤلاء كلّ التحية والتقدير.

كثير من الإصلاحيّين، ومنهم قيادات أحياناً، ينفون انتسابهم إلى الحزب، وهو ما يراه كثيرون ظاهرة معروفة عن أحزاب "الإخوان المسلمين". فالأساس لديها هو الانتماء إلى الجماعة، وتسلسل المبايعة من الأمراء إلى المرشد العامّ... هل لديك تعقيب دكتور؟
أنا هنا أتكلّم عن نفسي، ولا ألزم بذلك أحداً أو أدّعي أنهّ يصلح لكلّ شخص، قد يكون هناك من يفعل ما تقول وله أسبابه في العديد من الأحزاب والجماعات والإتّجاهات الفكرية والسياسية، لكن بالنسبة لي، أجد التحزّب لشخص مثلي في هذه الظروف، وهذا الجوّ السياسي في اليمن، لن يكون معيناً له على خدمة وطنه وأهله وقضيّته بشكل أفضل. نحتاج أن ننفتح على الجميع، ونتقارب مع الجميع، ونبحث عن المشترك بيننا وهو كثير، ومن وجهة نظري أن الحزبية تعيق ذلك كثيراً. أحياناً، ربّما تحتاج الأحزاب نفسها إلى شخصيات مستقلّة لتعينها على التقارب بينها، وكذلك المجتمعات أيضاً.

يواجه المحافظ أحمد سعيد بن بريك، منذ صدور قرار تعيينه، خلفاً لك، وحتّى بعد تصدّره قيادة عمليّات "تحرير" المكلّا، الكثير من الإنتقادات. ما هي قراءتكم لما يتعرّض له بن بريك؟ وهل ترون فيه، كما البعض، حملة مقصودة من جهات بعينها؟
أوّلاً، إن ما ينبغي أن يُشكر عليه سعادة المحافظ اللواء أحمد سعيد بن بريك هو قبوله بالمنصب في هذا الظرف بالغ الحساسية والتعقيد، وهذه تضحية وطنية كبيرة تحسب له، وقد ناديت ودعيت، منذ ليلة تعيينه، كافّة الجهات في الدولة والمجتمع والمواطنين إلى أهمّية الإلتفاف حوله قائداً لمرحلة حسّاسة ومفصلية، ومساندته على كلّ الأصعدة. ولا يقلّ الأمر خطورة وأهمّية بالنسبة للواء فرج سالمين البحسني، قائد المنطقة العسكرية الثانية، الذي، أيضاً، قبل بالمنصب وهو يعلم تماماً تبعات وأعباء ذلك، ولكنّي أعرفه رجلاً حضرميّاً مخلصاً مستعدّاً للتضحية من أجل حضرموت، ومعه الكثير من القيادات العسكرية والأمنية المخلصة، فعليهم حملٌ كبير لن يتمكّنوا من النجاح فيه إلّا بتضافر كافّة الجهود المخلصة معهم. وأتمنّى على كلّ من يثبّطون أو يوجّهون الإنتقادات أن يتحلّوا بقدر عالٍ من المسؤولية الوطنية والأخلاقية، وأن يدركوا طبيعة المرحلة وحساسيتها، وصعوبة التحدّي الذي تمرّ به حضرموت، وأن يكونوا أدوات بناء وانتقاد بنّاء، وليس الإنتقاد لمجرّد الإنتقاد وهدم كلّ ما هو جميل.
يلاحظ، في الوسط الإعلامي، أن أغلب من يوجّهون هذه الإنتقادات محسوبون على حزب "الإصلاح"
كما تعلم، فأنا لست من الوسط الإعلامي، لذا يصعب عليّ أن أحلّل مثلكم، ولكن دعني أحدّثك كشخص تعرّض لحملات شعواء من التشويه والإسفاف، أكثر مما تعرّض ويتعرّض له المحافظ الحالي بكثير وكثير، بل وصلت إلى قضايا شخصية وبطرق مبتذلة، ومع ذلك، لم أعمل ولم أسعَ يوماً أو حتّى لمرّة واحدة لاتّهام من شنّوا تلك الحملات بأنّهم من هذا الفصيل السياسي أو ذاك. يا عزيزي، من السهل الحصول على شمّاعات، ومن الأسهل تجيير المسائل لتصفية حسابات سياسية وشخصية. ينبغي أن يترفّع الوسط الإعلامي عن هذا السلوك، ويلتزم المهنية والمصداقية المفقودة، كما ينبغي أن يترفّع عن تقديس الذوات والأشخاص. الخطأ خطأ والصحيح صحيح، بغضّ النظر عمّن صدر ومن أين جاء، لكن ما نلاحظه اليوم أن معظم الوسط الإعلامي، إلّا من رحم ربّي وقليل ما هم، يمارسون سياسة الكيل بمكيالين، وسياسة "وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساوئ". نحتاج إلى إعلام مهني همّه الوطن ثمّ المواطن ثمّ المواطن ثمّ المواطن، ولسنا بحاجة إلى إعلام يحدث من الدمار والتجريف والتمزيق للنسيج الإجتماعي أكثر مما تُحدثه آلات الحرب والدمار.

كيف توصّفون الأوضاع في منطقة وادي سر؟ ولماذا تأخّر اقتحام معسكرات "القاعدة" في هذه المنطقة؟
بلا شكّ، العمليّات العسكرية، لا سيّما في محاربة التنظيمات الإرهابية، تتطلّب قدراً عالياً من الجاهزية والإعداد وحسن التخطيط والتنفيذ، وكذا قدراً عالياً من الدعم والإسناد الإستخباراتي والأمني والعسكري. وكلّ هذه الأمور لا أعتقد أن الوحدات العسكرية في الجيش اليمني تمتلكها طوال الفترة الماضية، بسبب سياسات النظام السابق الذي أوجد جيشاً عائليّاً مناطقيّاً ليس الوطن وحمايته والمواطن وأمنه من أولويّاته، وينخر فيه الفساد المالي والإداري والمهني ما جعله خارج الجاهزية على الدوام. كما أن تقاطعات المصالح في السابق بين النظام الحاكم وتلك التنظيمات أوجد حالة من تبادل الأدوار والمصالح واستخدام أوراق اللعبة بحسب الظرف والحالة، لكن مع الجهود التي يقودها فخامة الأخ الرئيس عبدربه منصور هادي والحكومة اليمنية لإعادة بناء الجيش الوطني، وبوجود التحالف العربي بقيادة خادم الحرمين الشريفين ملك الحزم والعزم الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية ودعمه ومساندته للجيش الوطني، تحقّقت الكثير من الخطوات التي تأخّرت كثيراً في السابق، دون أن يقلّل كلامي هذا من وجود عناصر مخلصة من قيادات وضبّاط وصف ضبّاط وأفراد في القوات المسلّحة يستحقّون كلّ شكرٍ وعرفانٍ وتقدير لما قدّموه من تضحياتٍ، ولقد ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء والتصدّي للكثير من العمليات الإرهابية، وبالإمكانيّات المحدودة جدّاً التي لديهم، وقدّموا قوافل من الشهداء في سبيل ذلك.
ما هو توصيفكم، اليوم، للعلاقة بين حزب "الإصلاح" وبين "الحراك الجنوبي"، ولماذا نرى "الإصلاح" يتصدّر صفوف المناوئين للحراك والرافضين لمطالبه؟
ليس دفاعاً عن التجمّع اليمني للإصلاح، الحزب الذي أفتخر وأعتزّ وأشرف بانتمائي سابقاً له، وما تركته إلّا يوم شعرت أنّني أستطيع أن أخدم وطني أكثر بعيداً عن جلباب كلّ الأحزاب السياسية وليس الإصلاح فقط، وإلّا فالإصلاح وقيادته وإعلاميّوه هم أقدر على الإجابة على سؤالك والدفاع عن أنفسهم. ومع ذلك، لست أدري من أين استقى من يروّج هذه الشائعات ما يقول، فما نراه من تصريحات وممارسات لقيادات الإصلاح تقول عكس ذلك تماماً، وكلّنا يشهد على ما أعلنه رئيس التجمّع اليمني للإصلاح في حضرموت أمام الحاضرين جميعاً في ورشة عمل "وثيقة الرؤية والمسار"، التي انعقدت في المكلّا في يونيو 2011م، حينما وقّع على ورقة بيضاء وقالها بكلّ وضوح هذا توقيعي وختم الإصلاح على ورقة بيضاء، فليكتب أهلنا وشعبنا في حضرموت والجنوب ما يشاؤون فيها ونحن معهم، والقيادي نفسه هو عضو فاعل وقيادي في مؤتمر القاهرة للحراك الجنوبي المطالب بتقرير المصير لشعب الجنوب، ونفس الموقف عبّر عنه فرع الإصلاح في محافظة عدن وبقية محافظات الجنوب.
 أعتقد جازماً أن هناك أطرافاً تسعى إلى تأجيج الصراع الداخلي خدمة لمصالح قوى خارجية، وتبحث عن قرابين تقدّمها على مذبح تلك القوى الخارجية لنيل رضاها. وفي هذه الأيّام، أصبحت الطريق الأقرب لنيل الرضا والقبول من تلك القوى ونيل المكاسب والمكرمات بمهاجمة الإصلاح وقياداته وأفراده والدعوة لاجتثاثه ومهاجمة مقارّه وربط كلّ المساوئ والمصائب به وبقياداته وأعضائه، حتّى ولو كان بالكذب والتزوير والتلفيق، وهذا التوجّه لا يخدم الوطن على الإطلاق بل يؤجّج حالة الإنقسام والتشظّي فيه.
العربي