الصحافة اليوم

الأحد - 26 يونيو 2016 - الساعة 04:26 م

عدن تايم - عدن :

كتب ماجد عبدالله (عدن) لصحيفة الاتحاد الاماراتية :

تتواصل أعمال التأهيل والترميم في مبنى المكتبة الوطنية في مدينة عدن بعد أن تبنت الإمارات مشروعا متكاملا لإعادة الروح إلى هذا المنبر الثقافي الهام بعد الدمار والخراب الذي لحق بها خلال الحرب الأخيرة التي شنها المتمردون الحوثيون والمخلوع صالح على المدينة.

وتعد المكتبة إحدى أقدم المكتبات في اليمن حيث افتتحت سنة 1980م، بمساعدة قدمتها دولة الكويت الشقيقة حينها، حيث تقع المكتبة في قلب مدينة كريتر القديمة وتطل على أحد أهم الشوارع الرئيسية التي تتميز بأبنيتها القديمة والتاريخية وبفنها المعماري الأصيل، وفي محيطها يقع عشرات المحال التجارية المتنوعة، فهي تاريخ شاهد على ثقافة عدن إلى جانب المدارس والمعاهد والكليات والمؤسسات المعرفية والإبداعية والفكرية الأخرى التي تمتاز بها هذه المدينة بثقافتها المتأصلة.



ويكتنز هذا المنبر الثقافي تاريخا عريقا من حيث الاصدارات الأولى للصحف والمجلات وساهمت مساهمة كبيرة في طباعة الكتب والدواوين والمؤلفات اليمنية والعربية، وجاء إنشاء المكتبة بهدف تأسيس مؤسسة علمية تسهم في إحداث نهضة ثقافية في الوطن، وتعد المكتبة مرجعا رئيسيا للباحثين والدارسين من خلال ما تحويه أقسامها من وثائق حكومية وحزبية وكتب ومطبوعات ومخطوطات نادرة ومراجع ومؤلفات متنوعة.
وتعرضت المكتبة كغيرها من المرافق والمنشآت إلى التدمير خلال الحرب الأخيرة التي شنتها ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح الأمر الذي أدى إلى إغلاقها بشكل نهائي.

في أبريل الماضي أطلقت أم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، مشروعا لإعادة تأهيل المكتبة ضمن مبادرة إنسانية تتضمن جملة من المشاريع الرامية إلى تأهيل المرافق الحيوية والبنية التحتية في اليمن ودعم عملية التنمية وتجاوز الظروف الراهنة، تحوي المكتبة 56 ألف كتاب بمختلف الأقسام والمجلات موزعة على 12 قاعة لحفظ المستندات والكتب، إلى جانب قاعتين رئيسيتين للقراءة، وقاعة للمعارض وأخرى للحاسوب والإنترنت، ويزور المكتبة شهرياً 7359 قارئاً وباحثاً.

وتنم هذه المبادرة النوعية عن فهم عميق من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لدور المكتبة الوطنية في عدن، في الحفاظ على الموروث العلمي والأدبي والإبداعي للشعب اليمني، إلى جانب كونها مشروعاً وطنياً كبيراً يعكس الثقافة اليمنية بعمقها الحضاري وانفتاحها على العالم، إضافة إلى أنها وعاء لحفظ ذاكرة الدولة وتنشيط العمل الثقافي، لذلك جاءت مبادرة سموها لتضيف بعداً آخر لجهودها في مساندة الأشقاء في ظروفهم الراهنة، وتضع حداً للإهمال الذي لحق بهذه المؤسسة التنويرية في المجتمع اليمني.

قال مدير المكتبة، عبدالعزيز بن بريك، إن المكتبة تعرضت لدمار وخراب كبيرين، مما استوجب عملية تأهيل وترميم شاملة لإعادة هذا الصرح الثقافي البارز في عدن للقيام بدوره بإنعاش الحركة التنويرية، مشروع أم الإمارات يتضمن ثلاث مراحل الأولى أعمال الترميم والصيانة للمبنى نفسه وهذه المرحلة شارفت على الانتهاء، تعقبها مراحل أخرى من تجهيزات وتأثيث وغيرها من المستلزمات اللازمة لتفعيل المكتبة وجعلها بيئة ملائمة للحفاظ على التراث وتلبية احتياجات الباحثين والدارسين من مختلفة الأعمار والمعارف.



وأضاف في تصريحه ل" الاتحاد" مشروع إعادة تأهيل المكتبة يضم ثلاث مراحل، الأولى الجانب الإنشائي من ترميم المبنى وخدماته وطلاء وصيانة الأرضية والجدران وعمل موانع حديدية لبعض الفتحات والنوافذ وغيرها من الأعمال الترميم للمبنى نفسه الذي طالته القذائف في الحرب الأخيرة، تليها المرحلة الثانية تجهيز المكتبة بالتجهيزات المكتبية والفنية من مكيفات ومعدات متنوعة خاصة بالمبنى، والمرحلة الثالثة تجهيز المكتبة من حيث الرفوف والمكاتب وقاعات القراءة من كراسي وطاولات وغيرها من الأثاث الذي يخدم هذا الصرح الثقافي البارز.
وفيما يخص المادة الثقافية والتأريخية التي كانت بحوزة وما إذا كانت تضررت جراء الحرب، قال مدير المكتبة " إنه يجرى حاليا أعمال حصر المراجع والوثائق والكتب والمؤلفات من أجل رفع تقرير حول الأضرار التي لحقت بهذه الثروة الثقافية، وهذا يتطلب منا وقتا كبيرا لحصر المراجع ومعرفة الخسائر".

وأكد عبدالعزيز بن بريك " لدى المكتبة مشروع ثقافي وتنويري أعلن عنه قبل الحرب ومدته 5 سنوات تحت شعار " معا لنقرأ من أجل نبني المستقبل"، ويستهدف هذا المشروع عدة مراحل طلاب التعليم الاساسي والثانوي والجامعات وشريحة واسعة من المواطنين، ويسعى لغرس مفهوم القراءة لدى المجتمع وبناء ثقافة سليمة مبنية على المعرفة الصحيحة".

وقال " أطلقنا المشروع في المرحلة الأولى واستهدفنا طلاب المدارس في المرحلة الابتدائية في 25 مدرسة، إلا أن الحرب أوقفت هذه المرحلة، نحن سوف نستمر عقب تأهيل المكتبة لنستكمل هذه المشروع الذي يستهدف أكثر من 175 ألف قارئ".

وأشار إلى أن لدى المكتبة أيضا مشروعا آخر هو " المكتبة المتنقلة" ونحن متفائلون من أجل دعم هذا المشروع الذي سيسهم في تعزيز القراءة في أوساط المجتمع، ويرتكز المشروع باستهداف الأحياء السكنية بعربة خاصة بالقراءة من اجل تشجيع الأهالي على الاطلاع والتزود بالمعارف الضرورية، وسيتم النزول أسبوعيا لعدة أحياء مختلفة من أجل تعزيز الجهود الثقافية للمجتمع".

وثمن بن بريك الجهود التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة في إحياء دور الثقافة في عدن إلى جانب مشاريعها التنموية الأخرى في القطاعات المختلفة، مضيفا أن المكتبة قررت إطلاق اسم سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك على قاعة الأسرة الحالية ليكون اسمها «قاعة الشيخة فاطمة بنت مبارك للمرأة والطفل».

تهيئة بيئة ملائمة للحركة الثقافية

وأكد وكيل محافظة عدن، محمد نصر شاذلي، عملية تأهيل المكتبة وصيانتها تأتي ضمن خطوات تهيئة بيئة ملائمة للحفاظ على التراث، والاضطلاع بدورها في إنعاش الحركة الثقافية، وتلبية الحاجات الملحة للبحث العلمي والثقافي في مختلف فروع المعرفة، مضيفا أن مبادرات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك في اليمن تسهم بقوة في تعزيز قدرات الشعب اليمني في العديد من المجالات الحيوية، وتعمل على إيجاد الحلول السريعة والناجعة لمختلف القضايا التي تواجهه في الوقت الراهن.

وأوضح أن مشاريع سموها التنموية لم تقف عند قضايا بعينها، بل تعدتها لتطال المعرفة والفكر والثقافة التي تعتبر الحصن الواقي للشباب وجميع شرائح المجتمع من الأفكار الهدامة، وتكافح الجهل والأمية، وتصون وحدته وتماسكه في وجه القضايا التي تستهدف نسيجه الاجتماعي، لافتا إلى أهمية هذه المبادرة تأتي من كون المكتبة الوطنية في عدن، تعتبر مؤسسة علمية أنيط بها عملية الإسهام الواسع لإحداث نهضة ثقافية في المجتمع اليمني، عبر القضاء على الأمية ومخلفاتها.

وأشارت خديجة الكاف، رئيسة جمعية تنمية القدرات الإعلامية الحقوقية إلى أن المكتبة لعبت دورا بارزا في تعزيز الثقافة وتنوير المجتمع لسنوات طويلة منذ تأسيسها، وإعادة افتتاح المكتبة سيعيد لها مكانتها وموروثها التاريخي الذي اختزنته واتاحته للباحثين والمثقفين والمواطنين العاديين الباحثين عن المعرفة والمعلومات من خلال ما تكتنزه من مؤلفات وكتب في مجالات مختلفة.

وأضافت في تصريح ل"الاتحاد"، نشكر أم الإمارات الشيخة فاطمة بنت مبارك، على مبادراتها الإنسانية في المجالات المختلفة ومن بينها مشروع إعادة تأهيل المكتبة الوطنية، الذي يعد من المشاريع الهامة التي ستعيد الحياة لهذه الصرح الثقافي الهام الذي نال حظه من التدمير والتهميش في الحرب الأخيرة ومنذ سنوات ماضية لم يكن هناك اهتمام بهذا المعلم الثقافي والتنوير الهام في عدن.

إعادة الروح الثقافية

من جانبه قالت القاصة والأديبة، سعاد علوي، إن تأهيل المرافق العلمية والثقافية أصبح من الضروريات والمكتبة الوطنية في عدن واحدة منها، والتي تعد منذ إنشائها صرحاً علمياً وكنزاً ثقافياً لا يقتصر على قراءة الكتب والمراجع من خلال نظام الاستعارة الذي كان سارياً فيها بل وإقامة الفعاليات الثقافية المختلفة مثل الندوات والمحاضرات العلمية والأمسيات الشعرية والثقافية والفنية.

وأشارت الى أن إعادة تأهيل المكتبة الوطنية في عدن سوف يسهم إسهاماً كبيراً في إعادة الروح الثقافية وإظهار الإبداعات في مختلف المجالات الفنية والثقافية والأدبية بالنسبة للشباب في عدن والجنوب عامة خصوصاً بعد التدمير الذي منيت به العملية التعليمية والثقافية والإبداع والفنون منذ العام 1990 وما نتج عنها من مخرجات تكاد تكون أقرب إلى الجهالة والأمية لجيل كامل من الشباب الجنوبي، مضيفا أن مدينة عدن ستقوم بدورها التنويري المعهود به منذ القدم حين كانت قبلة للعلم والمتعلمين.

وقالت نتمنى أن تمنح هذه المدينة فرصة للحياة من خلال إعادة تأهيل كل منابرها ومرافقها الفنية والثقافية والرياضية مثل المكتبات والمسارح والأندية الرياضية والثقافية فقد كان لها السبق في إنشاء المسرح والصحافة والرياضة والفنون على مستوى الجزيرة العربية في بدايات القرن الماضي.

المكتبة الرئة الثقافية للمثقفين في عدن

قال الباحث والناقد الأدبي في عدن، الدكتور شهاب احمد عوض القاضي، " تم افتتاح المكتبة الوطنية في عام 1982، في مدينة كريتر كهدية من شعب ودولة الكويت، وكانت أول مكتبة وطنية في جنوب اليمن تقوم بتسجيل وإعطاء قيد للمطبوعات وتحفظ في حضنها تراث عدن الثقافي والتراث الثقافي اليمني والعربي، وتضم أرشيفا لكل الانجازات العلمية التي يجترحها طلاب جامعة عدن باحتوائها على أطروحات الدبلومات والماجستير والدكتوراه، وفيها تسجيلات بالميكروفيلم للكثير من المخطوطات، من وثائق الأرشيف البريطاني والهندي للمراسلات والتقارير والمشاهدات للساسة البريطانيين والهنود حتى فترة ما قبل 1976، وهو عام استقلال عدن والجنوب العربي، كما كان يسمى سابقا وسميت هذه المنطقة فيما بعد باسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية وفيما تلى ذلك جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وأضاف في تصريحات ل"الاتحاد" "لقد شهدت المكتبة الوطنية، او كما تسمى أيضا مكتبة الفقيد عبدالله باذيب، تطويرا مستمرا منذ ذلك الحين حتى حرب مارس 2015، التي شنتها مليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبدالله صالح على عدن بكل مديرياتها الثماني، وقد تفاوتت الأضرار في كل مديرية، إلا إن مديرية صيرة (مدينة كريتر ) قد لقيت نصيبا كبيرا من القتل والتدمير طال الإنسان وطال المكان، ومن تلك الأمكنة، مبنى المكتبة الوطنية الذي تضرر كثيرا في كل جزء من أجزائه، وعمد الحوثيون والمخلوع صالح إلى تسهيل نهبه وتدمير مقوماته وتخريبه.

أكد الباحث والناقد الأدبي الدكتور. شهاب احمد عوض القاضي أن الإمارات تعمل على إصلاح ما خربته تلك القوى الهمجية من البنية التحتية لمدينة عدن، فهي يد حانية رؤوفة ساعدتنا في إعادة الكثير مما خربته تلك القوى المتخلفة، منوها بالدور الكبير لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك (أم الإمارات) في المساعدة بإعادة تأهيل العديد من المؤسسات ومن بينها المكتبة الوطنية، التي تم تأهيلها على الوجه الأكمل.

وقال إن المكتبة الوطنية هي الرئة الثقافية للمثقفين في عدن، وبالذات الباحثين من الأجيال الشابة، وهي رمز من رموز مدينة عدن والجنوب الثقافية، وفي إعادة تأهيلها يجعل المرء يحس بالزهو والافتخار ويخالجه يقين بان المستقبل واعد بالخير والنماء.

وتابع أن إدراكنا إن الموروث الثقافي لمدينة عدن ودولة الجنوب والثقافة اليمنية في أمان، يجعلنا نشعر بان إعادة تأهيل المكتبة الوطنية إنما يساهم في الحفاظ على مقومات الهوية للشعب في جنوب اليمن.

وقال إن تأهيل المكتبة الوطنية من قبل الشيخة فاطمة من دولة الإمارات بعد أن خربتها القوى المتخلفة، إنما يعد ذلك لبنة تضاف إلى صرح البناء للعلاقة الأخوية بين الشعبين في جنوب اليمن ودولة الإمارات الشقيقة.

وأكد أن المكتبة الوطنية ستكون بعد تأهيلها للمثقفين من الأجيال المختلفة، رافدا ثقافيا وعلميا، وحضنا دافئا لإقامة الفعاليات الثقافية الصباحية والمسائية.

واعتبر أن تأهيل المكتبة الوطنية من قبل إمارات الخير إنما هو رسالة حضارية لكل من يحاول أن يعيد الإنسان العربي في أي مكان إلى الخلف، وهي رسالة للقوى الظلامية أعداء التقدم بان الإمارات شعبا وقيادة لن تدخر أي جهد في سبيل رقي الأمة العربية ورفعتها.