الصحافة اليوم

الأحد - 10 يوليه 2016 - الساعة 03:57 م

عدن تايم - صحف :

علي سالم بن يحيى (الاتحاد الإماراتية )

مديرية المحفد إحدى مديريات محافظة أبين الجنوبية مديرية منسية من كل شيء، قسا عليها الدهر وشرب منها وأكل، عانت وتعاني من كل شيء، وحرمت من أشياء كثيرة، يقال إن المحفد اسم حميري قديم ويعني القلعة أو الحصن المنيع، يقف جبل الحلم المطل عليها ليحكي كمية الأحلام المتواترة لأبنائها في ظل إهمال السلطة المحلية والعليا، ولا تراها أعين الحكومة.

هي مديرية في كشوفات الدولة فقط، بينما في الأصل وعلى أرض الواقع، مجتمعية تكالبت عليها عوامل التعرية والحرمان من كل حدب وصوب لتبقيها قابعة في ذيل قائمة المديريات في أبين، لا لشيء إلا لأنها المديرية التي تجاهلها وتناساها المسؤولون في كيان الدولة وحرمانها من حقوقها في جميع الجوانب الخدماتية.



تبعد المحفد عن عاصمة المحافظة (زنجبار) حوالي 280 كم، يحدها من الشرق منطقة العرم محافظة شبوة، وهي آخر مديريات محافظة أبين بحدود محافظة شبوة، ومن الغرب مديرية مودية التابعة لمحافظة أبين، وتبتعد عن محافظة عدن حوالي 300 كم، وعن حضرموت 320كم تقريباً، وتقع مدينة المحفد عاصمة المديرية شرقي عدن في منتصف الطريق الرابط بين عدن وبين محافظتي شبوة وحضرموت، وهي مركز الثقل والعاصمة الفعلية لقبائل باكازم الممتدة من مديرية أحور على ساحل البحر العربي إلى كور العوالق.
بلغ عدد سكان المحفد بحسب آخر الإحصائيات 2004م حوالي 36 ألف نسمة، يعتمد جل سكانها على زراعة الأرض، وتربية المواشي والنحل.

التعليم يحكي معاناته

الجانب التعليمي في مديرية المحفد يعاني الويلات: نقص حاد في الكادر التربوي والمبنى المدرسي، يقول عبد الله دحشل: «أصيبت العملية التربوية بالانهيار في منطقتنا ما بعد عام 1990م (عام إعلان الوحدة اليمنية)، فتلاشت شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى الحضيض واليوم أصبح مستوى التعليم (صفرا) على الشمال، ويضيف زايد علي الهيج (بكالوريوس لغة انجليزية جامعة عدن) إن ضعف العملية التعليمية في المحفد يكمن في سببين: أولهما الدولة، فهي من تتحمل العبء الأكبر في توفير الكادر التعليمي وتوظيفه، موضحا إنه يعاني من البطالة، فمنذ حصوله على شهادة البكالوريوس هو عاطل عن العمل، ولم يتم توظيفه ومعه زملاء كثر من كل التخصصات، وأشار أن السلطة تتعامل بمكيالين عند إجراءات التوظيف حيث يتم توظيف من هم خارج المديرية والمحافظة وسرعان ما يغادرونها، لتصبح المدارس خاوية على عروشها ومصابة بالشلل التام، ويضيف الهيج أن السبب الآخر لتدني المستوى التعليمي في المديرية عزوف كثير من الطلاب عن التعليم، وغياب دور الأسرة في متابعة أبنائهم الطلاب، بحثاً عن أدوار لمجابهة أعباء الحياة، مؤكداً أن نسبة كبيرة من المعلمين من أبناء المحفد تركوا مهنتهم السامية، وذهبوا إلى خارج البلاد، ومنهم من نزح داخلياً، وتتم جباية رواتبهم بأخذ نسبة منها إلى جيوب (حمران العيون)، بحجة إعطائها للبدائل (المتطوعين) في التدريس.

يكاد يكون دور السلطة المحلية في المحفد غائب تماما، فمدير عام المديرية قيل إنه يسكن في محافظة عدن، والأمين العام للمجلس المحلير فضّل البقاء في عدن.



ظــــــلام وعطش
ظلام دامس يحاصر المحفد من كل مكان، ولم تُسمع إلا أصوات مولدات الكهرباء (المواطير) المضيئة لبيوت القادرين على تحمّل نفقات الشراء، وبيوت كثيرة عجزت عن توفير المولدات، واستعاضت عنها بنور (الفوانيس) والشمع علها تفي بالغرض والتغلب على تبعات الليل الموحش. يقول المواطن محمد باكازم إن حلمهم الكبير (الكهرباء)، وقيل لنا إن هناك اعتماد مشروع ربط كهربائي المحفد- النقبة شبوة، ولكنه متعثر، لسبب تقاعس الدولة والسلطة المحلية في المديرية والمحافظة، وظروف الحرب، وأعلنها عبر«الاتحاد» أن أهالي المحفد ينظرون لمشروع الكهرباء على أنه ثامن معجزات الدنيا لديهم.

أما عن عنصر الحياة الأساسي (الماء) فلازالت المحفد تعيش على نمط الطرق البدائية في (جلب) الماء والإتيان به عبر الصهاريج (البوز) التي يتجاوز سعرها العشرة آلاف ريال لبعض القرى وهذا شي مكلف ومحزن كما قال عبد الله سالم.

تلك المعاناة جعلت ثلة من الشباب يسارعون لتشكيل مجلس أهلي يتابع حقوق المديرية من المشاريع والحقوق الأخرى.

يقول محمد سعيد الصليعاء الناطق الرسمي للمجلس الأهلي إن المجلس شكل بعد تقاعس دور السلطة المحلية عن القيام بواجباتها تجاه المشاريع المتعثرة، واسهم المجلس في تذليل الصعوبات في بعض الجوانب ومنها النفقة على محطة شبكة الاتصال الوحيدة بمبلغ شهري يدفعه المجلس، والإسهام بإيجاد إدارة للمستشفى الوحيد في المدينة، والتنسيق مع الإدارة للتعاقد مع الطبيب العام، وجراح ومخدر وطبيبة نساء ساهموا في تفعيل دوره، وعن الدور المجتمعي للمجلس أضاف الصليعاء: ساهم المجلس الأهلي في حل كثير من القضايا العالقة بين أوساط المجتمع والتي عجزت الدولة عن حلها وإخماد نار الفتنة.

قام المجلس الأهلي بدور كبير في تشغيل مشروع الكهرباء، لولا قيام الحرب الحوثية التي جعلت الظلام مسيطرا على كثير من مدن وقرى البلاد كاملة، لتجعل المحفد المنكوبة تئن بين مطرقة الحرمان وسندان التجاهل!

معاناة متتالية تعانيها المحفد في كل مجالات الحياة، فما أن تدلف باب حتى تفاجأ بباب أوسع من المعاناة والشكوى والحرمان لمديرية تمتلك موقعاً استراتيجياً، لكونها تتوسط جنوب اليمن وتمتلك مخانق عسكرية مهمة مثل طريق (ضيقة)، أو طريق (الجرة) وهي طرق خطرة جداً، وقد كان لهذه المخانق العسكرية دور فعال في الحرب ضد الاستعمار البريطاني حيث استطاع رجال القبائل قطع الطريق على القوة البريطانية القادمة من عدن وتدميرها بالكامل، وتشتهر جبال المحفد بحجر البناء الفائقة الجودة وخاصة الحجر الأبيض الجميل الذي يصدر إلى جميع المحافظات والدول المجاورة وكذلك الأحجار الكريمة والجير الأبيض والإسمنت.

الجانب الصحي

يبلغ عدد سكان المحفد حوالي 36 ألف نسمة، ومع هذا يوجد مستشفى وحيد في عاصمة المديرية يحاول القيام بدوره على الرغم من المحبطات والمثبطات، يقول عبد الجليل الظفري (طبيب عام): المشفى ونتيجة للكم الهائل من المرضى المتوافدين عليه يقدم خدمات طبية متواضعة، وذلك للنقص الحاد في الكادر الطبي، والتموين الدوائي والمعدات الطبية بشكل عام.

يوجد في المحفد عيون للمياه الكبريتية الحارة بمنطقة (سناج) وتعتبر علاج طبيعي لبعض الأمراض الجلدية ويأتي إليها الزوار من المناطق المجاورة لها.

ويتحدث عبد الله جعيرة -مساعد طبيب- عن المستشفى الوحيد القابع في خانة النسيان إنه تم بنائه في ستينات القرن الماضي ومبناه قد بدت أجزاء جدرانه تتهالك، لحرمانه من الترميم.

واستدرك جعيرة: المستشفى قدم كثيراً من الخدمات الطبية لأهالي المحفد وضواحيها منذ إنشائه حتى بداية التسعينات، حيث بدأت خدماته الطبية تضمحل تدريجياً حتى توقف عن العمل نهائياً، مما زاد معاناة المواطنين في ظل غياب تام لدور السلطة المحلية في المديرية والمحافظة، حتى ارتأت بعض نفوس شباب المديرية لتشكيل مجلس أهلي ساهم في عودة الحياة للصرح الطبي وذلك بإيجاد إدارة ساهمت أيضا في توفير كادرا طبي شبه متكامل من طبيب عام وجراح ومخدر وطبيبة نساء لتدب الحياة في المشفى بتقديم الخدمات الطبية وإجراء بعض العمليات الجراحية، إلا أن المشفى لازال يعاني من شح الإمكانات.

التموين الدوائي

أوضح عبدالله جعيرة أن المستشفى بحاجة للتموين الدوائي، وتوفير الأجهزة الطبية الحديثة، فجهاز الأشعة السينية منذ الثمانينات وقد انتهى عمره الافتراضي، وجهاز الموجات فوق الصوتية الذي يعتبر نواة التشخيص لجل الحالات المرضية هو من الطراز القديم، والمعاناة كبيرة وكثيرة ومنها افتقارنا لوجود سيارة إسعاف عند نقل بعض الحالات الحرجة على عدن، وأحيانا يضطر المواطن لنقل مريضه على حسابه الشخصي وعبر سيارات (الأجرة)!

أمـل

يحدو أهالي المحفد الأمل بالالتفات نحوها من قبل الحكومة اليمنية، ومن قبل المنظمات الدولية والإنسانية وفي مقدمتها الهلال الأحمر الإماراتي ومركز الملك سلمان، لتقديم مختلف المعونات وخاصة في الجانب الصحي للتغلب على كثير من الصعوبات التي جعلت المحفد تعيش في عالم آخر.. عالم المعاناة والحرمان.