من تاريخ عدن

الأربعاء - 20 يناير 2021 - الساعة 09:35 م

كتبت / أمل عياش

مكتبة عبادي .. صرح شاهد على سقوطنا .. 

في كل زاوية من مدينة عدن ثمة ذكريات وأشجان لأعمال وتاريخ عظيم مر من هناك، والتوقف معه يعيد للروح جزء من ماضيها المسلوب بفعل الاحداث والاهمال والتجاهل المر.
اليوم سنقف على أعتاب معلم تاريخي وتنويري كبير شهد فصول من أجمل سنوات عدن وأكثرها ازدهارا.
مكتبة عبادي ... الم يثير مجرد ذكر إسمها في صدوركم شيء من الحسرة والحنين؟ أثق أنه فعل مادمنا نتمنى لهذه المدينة الخير.

أمل عياش
تقع مكتبة عبادي في واحد من اكثر الاحياء عراقة وحركة على كل المستويات، هنا في "الشارع الطويل" هي معلم لم تكن تخطئها العين، كانت مهوى قلوب الأدباء والنقاد والفنانين ، تقودهم أقدامهم إستجابة لنداء الأفئدة والعقول.
أخبرني راعي المكتبة الاخ جمال عبداللطيف عبادي ذات نهار، ان مكتبة عبادي تأسست عام 1884م .. أي قبل 136عام تقريبا، عندما اسسها الحاج عبادي حسن الهاشمي ، الذي توفي عام 1928م.. وبالمناسبة هو اول من ادخل مولد كهربائيا الى عدن في الوقت الذي كانت المدينة تستخدم لمبات الجاز للانارة.
وبحسب الحفيد جمال تعود جذور الحاج عبادي إلى مدينة تريم في حضرموت وقد تزوج من ثلاث عشر أمراة، وبعد وفاته تعاقب على إدارتها عدد من الابناء والاحفاد ، فمثلا تولى ادارة المكتبة عبدالحميد حسن الهاشمي المولود عام 1868م والمتوفى في1959م ، ثم الحاج عبداللطيف عبدالحميد حسن عبادي وهو من مواليد 1929م وتوفي في عام1983م، لتصل إلى يد جمال عبداللطيف .
دار الكتب
مكتبة عبادي .. هذا ليس إسمها الرسمي ، لكنه الاسم الذي تناقله الناس واشتهرت به، لكن أوراقها الرسمية كانت تحمل إسم (دار الكتب العربية) .
وقد أنتقل مقرها مرة واحدة منذ تأسيسها، حيث كانت في بداية شارع الطويل ثم انتقلت إلى المكان الحالي لاسباب متعلقه بمالك العقار، وقد كان يعود ملكية المقر الجديد لرجل يهودي.
يقول جمال عبادي "في عام1948م اشتراء العقار من وكيل اليهود وأصبح ملكا للحاج عبادي".
ويضيف لقد دشنت طباعة أول كتاب عام 1886، أي بعد تأسيسها بعامين، بينما انحصر نشاطها في أول عامين باستيراد الكتب من مصر ولبنان، ولان بعض الدول العربية كانت تعاني من الرقابة على الكتب فقد كان يتم تسويقها في عدن ومنها كانت تنطلق الى مناطق مختلفة منها شرق افريقيا، السعودية ، الامارات وعمان.
وبالعودة إلى إصدارها الأول، فقد كان يحمل إسم (النهر الفائض في احكام الفرائض) لـ محمد عبد القادر مكاوي وصدر باللغتين العربية والانجليزية، و يتحدث الكتاب عن احكام الزواج والطلاق والميرات،ثم توالت الإصدارات.
وخلال نشاطها الذي تجاوز القرن من الزمن، نهل من ينابيعها الكثير من أعلام اليمن ، مثقفين وسياسيين ورجال أعمال وباحثين وطلاب علم، ورجال دين مشهورين، امثال ال لقمان، ابتدأ من محمد علي لقمان المحامي الى اخر ال لقمان والشيخ محمد سالم البيحاني والشيح باحميش، الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان ،الشاعر محمد عبده غانم وأولاده قيس ونزار ،الشاعر محمد سعيد جرادة ،ابوالاحرار محمد محمود الزبيري، احمدالنعمان، محمد عوض باوزير، سعيد عوض باوزير، عبدالقوي مكاوي، وغيرهم من المتقفين، فقد كانت المكتبة الوحيدة والأولى في اليمن والجزيرة العربية.
لذا كانت مقرا تعقد فيه ندوات اسبوعية لمناقشة الإصدارات الجديدة في شتى المجالات، والعديد من روادها سواء كتاب أو شعراء أصبحوا من الرواد والمفكرين التي تطبع لهم المكتبة اصداراتهم وقد نال منهم التهميش كما نال من المكتبة.
محطات مؤلمة
كانت مكتبة عبادي تحوي جميع الاصدارات بتلك الفترة وكان صاحب المكتبة الوكيل الحصري لتوزيع الكتب في عموم الجزيرة العربية وشرق افريقيا.. ومن عدن كانت تصدر الكتب الى شرق اسيا، واندونيسياً، سنغفورة، ماليزيا، قبل أن تنشئ مطابع خاصة عندهم.
ياله من تاريخ مشرق حاولت الأفعال والسنون محو ملامحه، لكنها عجزت، على الاقل حتى الان، فمازال اسمها يتردد على كل لسان منشغل بالفكر والأدب والنشر.
محطات كثيرة مرت على مكتبة عبادي كما مرت على اليمن، إنها تحمل صورة مختصرة ومصغرة لهذا البلد وما عاناه منذ عقود.
ومن المؤلم أن تفقد هذه المكتبة أرشيفها ، لكن ذلك حدث بالفعل عندما غمرت مياه الأمطار شوارع عدن، وأتلفت الكثير من المقتنيات الارشيفيه مثل الكتب والصحف التي كانت تصدر في عدن، بالاضافة إلى عامل الزمن وعدم حصول القائمين عليها على فرصة لترميم المقتنيات.

حسرة كبيرة في القلب، وأسف بوزن جبل شمسان على ما آل إليه وضع مكتبة عبادي اليوم، ففي الوقت الذي تحرص الدول والمجتمعات على شواهدها التاريخية وتدفع الملايين للحفاظ عليها وإظهارها بأجمل صورة، أصبحت أول مكتبة في الجزيرة العربية مجرد محل لبيع المواد القرطاسية فقط.
سيلعن التاريخ السلطات والحكام ممن تولوا إدارة البلد وشهدوا صرح تنويري عملاق بحجم مكتبة عبادي وهو ينهار تدريجيا حتى أصبح في هذه الحال، وستظل مكتبة عبادي معلما من معالم عدن بتاريخها وسمعتها وما قدمته من خدمات للعلم والثقافة.