كتــابـات

الأربعاء - 24 مارس 2021 - الساعة 01:25 م

#علي_صالح_الخلاقي

- أنا سأقوم؟!

قالها المناضل التسعيني الجسور صالح فاضل الصلاحي، وهو يحاول النهوض من الكرسي متحاملاً على سنوات عمره التسعين حينما أعلنت في حفل تكريمه السبت الماضي 20مارس 2021م عن تسليمه الدرع التذكاري الذي منحه إياه اللواء عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي تقديرا لأدواره النضالية ، وتشرفت بتسليمه له مع صديقي مستشار محافظ العاصمة عدن مدير عام مديرية المنصورة أحمد علي الداوودي.
قلت له:
- نحن من نجلس احتراما وتقديراً لك.
وجلست مع صديقي (أبو نشوان) في مستوى واحد معه عند تسلميه الدرع التذكاري، وهكذا تتابع جلوس بقية من سلموه الدروع التكريمية التي انهالت عليه من جهات عدة، من الداخل ومن الخارج، تقديراً لسيرته النضالية وأدواره المشرِّفة في جميع مراحل نضال شعبنا، منها: درع محافظة لحج، درع مديريات يافع، درع مديرية المنصورة، درع السلطة المحلية وأهالي الحد-يافع، درع تجمع أبناء الجنوب العربي بأمريكا، درع الجالية الجنوبية في شيكاغو، ودرع أبناء مسقط رأسه آل بن صلاح.
لم يتصنَّع المناضل والإنسان صالح فاضل التواضع حينما قال (سأقوم) وهو في هذا السن، بل حاول أن ينهض فعلا من مقعده لأن التواضع الجم والبساطة من شيمه النبيلة التي عُرف بها طوال حياته. فقد عُرف من قبل المواطنين في مختلف المراحل والمناصب التي تبوأها، على أهميتها، بعدم التَّكبُّر أو الاستعلاء، كما ظل بعيداً عن الأضواء طوال حياته، ولا يحب أن يتظاهر بأدواره البطولية الفذة التي قام بها عن قناعة كواجب وطني. ورغم علاقاته الحميمة بالقيادات التاريخية التي غادر معظمها في الصراعات البينية التي التهمت معظم أبطال حرب التحرير، مثل سالمين، مطيع، علي عنتر وقائمة طويلة ممن قضوا نحبهم فقد ظل خلف الأضواء ، وكان يمكن أن تغيب الكثير من الأحداث التي شارك فيها مع رفاق دربه، مثلما غابت مع من غادرونا دون أن يدوّنوا أو يوثقوا ذكرياتهم النضالية. وكان سيكون حاله كذلك لولا أن قيّض الله له بمن ينتزع من ذاكرته النقية على مدى سنوات مضت ذكرياته عن مراحل حياته ونضاله، وينفض عنها غبار النسيان، هو نجله الطبيب الألمعي والأديب الأريب الدكتور محمد صالح فاضل الصلاحي، الذي تمكن أن يعيد صياغة ذكريات والده كما رواها ولكن بأسلوب أدبي جميل وغالب شيق فحفظ لنا بذلك صفحات ناصعة من تاريخنا الوطني المعاصر .
ونلمس في كتاب (ذكريات "عمران"..الفدائي والإنسان) صفة التواضع التي يتحلى بها هذا المناضل حتى في سرده لذكرياته التي دوّنها بصراحة وصدق وأمانة وبكل شفافية ، ودون تحفظ، بل أنه لتواضعه لم يضخم دوره كشخص او يتباهى بمكانته بل على العكس لم يأنف أن يلوم نفسه، أو يعترف ببعض أخطائه وأن يقول عن نفسه كلاما قد يتحرج آخرون من إيراده عن أنفسهم، وربما تغاضوا عنه وتناسوه، لا سيما تلك العبارات التي سبق أن وُصِف بها وأثارت حفيظته وأججت غضبه حينها. كما في حادثة الشيخ العسيري الذي سمع عن بطولاته خلال مؤازرته لأبناء جلدته ثم قوله عنه حين رأى جسمه القصير والهزيل "صيتك ولا صورتك"، أو لقب "الأدوع" الذي أطلقه عليه سالمين، كرديف للمغامر المقدام والمندفع بتهوِّر في مواقفه وأفعاله التي تصدر عن العاطفة بدل العقل، كما يعترف بذلك، أو تشبيهه بـ"مقرمة بنت الجيران" حين كان يخالف قاعدة العمل الفدائي فيشارك في عمليات لم يكن مكلفا بها من قبل قيادته.. بل لم يخفِ تذمره من قصر قامته وهزاله في شبابه، مع أن المثل الشعبي يقول "ما ينفع القصر والطول، الآدمي من فؤاده".
ويظل الكبير كبيراً..وكلما ازداد تواضعاً ازدادت مكانته علواً وسمواً في قلوب محبيه ورفاق دربه، وهذا هو دَيْدَن، البطل صالح فاضل الذي رأيناه في يوم تكريمه محاطاً بحب الناس وتقديرهم له ..وهو ما تجلى بالحضور النوعي الذي فاق التصور في يوم تكريمه.
وهذا لعمري أروع وأعظم تكريم وتقدير...