كتــابـات

الأربعاء - 07 أبريل 2021 - الساعة 12:06 م

محمد علي محسن

أتذكر الآن ضحكته حين قرأ المقال في صحيفة " الأيام " عام ١٩٩٨م ، فحين قصص علي حكايته مع المشيخة وشؤونها في صنعاء ، لم أخف إعجابي برد القائد النافذ الذي قال مخاطبًا صديقي الجميل والحكيم العميد الركن يحيى عبيد حسين المفلحي ، رحمة الله تغشاه : ما بش شيخ بيتكلم روسي "..

كانت الأمسية رمضانية ، وحضرها وزير التربية والتعليم ، في ذاك الوقت ، الدكتور يحيى الشعيبي . وبما أن صديقي " يحيى " كان دومًا يضفي على المكان شيئًا من الجمال والبهجة ، فهو معروف أنه صاحب نكتة ودعابة لا تفارق محياه ؛ ولهذا وبمجرد رؤيتي حكى لي قصة طلوعه صنعاء ، وكيف قوبل بتلك الجملة الهازئة ؟. .

قال ذلك همسًا في أذني وحين ابديت له إعجابي بفكرة كتابة موضوعًا ، انتفض حانثًا كيما ابقي كلامه بعيدًا عن الإعلام ، لكنني اقنعته بالنشر ودونما ذكر أسمه أو صفته ، فتم النشر ، ومن ذينك اليوم وهو كلما صادفني ذكرني بقولة : ما بش شيخ يتكلم روسي .

ولمن لا يعرف الشيخ يحيى ، مدير عام الشعيب ونائب رئيس المؤسسة الاقتصادية العسكرية ، فهو زميل دراسة في مدينة أوديسا ،في جمهورية أوكرانيا ، منتصف الثمانينات وحتى عام ١٩٩٠م .
وإلى جانب دراسته في أكاديمية الدفاع الجوي ، شغل وظيفة سكرتير أول الحزب في الكليتين الجوية والدفاع الجوي والبرية - السادسة والرابعة - ، فضلًا عن زملاتنا في جامعة " لينين ' التي كُنَّا نأتلف فيها ، كدفعة واحدة وفي قاعة واحدة .

وبرغم كونه ضابطًا برتبة نقيب ويرأس منظمة الاشتراكي ، بما للمنصب من قيمة وسطوة ، إلَّا أنَّ بن المفلحي ظلّ شخصًا ودودًا منفتحًا محبوبًا من الجميع ، فلم يكن من أولئك الذين يصنعون خصومات أو ينفِّرون النَّاس بمزايداتهم وشطحاتهم ، فعلى العكس تمامًا ، كان بشوشًا مرحًا لا يعطي وزنًا للوظيفة الحزبية أو الأيديولوجيا .
في إحدى المرات كنا في جلسة مقيل في حضرة أمين عام المجلس المحلي في محافظة الضالع ، طيب الذكر العميد ، صالح احمد صالح القبة ، وكان الشيخ يحيى مديرًا عامًا للشعيب ، وقتئذ تحدث مازحًا ومعاتبًا العبد الفقير ، وحقيقة دُهشت وصُدمت بما نطق به ، فلم أكن أعلم مطلقًا أنَّ هناك من يتربص بي كي يؤذيني وعلى ذاك المنحى القاتل وفي بلاد الاغتراب ، ولفتى ما زال في عنفوان شبابه ويتلمس دربه في الحياة .
وطبعًا الرجل لا يكذب ، وحين قال إنَّه انقذني من الموت ، فهو صدوق وثقة ، فلم يكن أبدًا يرضى بالافعال المشينة ، ففطرته الأصيلة وتربيته وثقافته دومًا مثَّلت حائط صد رافض لكل الأفكار العبثية المتطرفة .
وأجزم أن الشعيب وأهلها النشامى الميامين كانت محظوظة به كرجل أول ، وفي ظرفية تاريخية عصيبة وصاخبة ، فوجوده في المكان والزمان الخاطئين لم يمنعه من التفكير والإبداع ، فكان له أن أحال الظرفين المحبطين إلى قيمة ومنفعه ورضاء .

ودون هذه اللغة الوسطية المشتركة لما لبث مدة نيفت العشرين عامًا ، ولما ظفر بمحبة النَّاس وبوفائهم له وإلى أن دنى أجله وفارق الحياة . وحتمًا سيبكيه كل من عرفه ، فالرجل طالما ظل شوكة ميزان في الشدائد والمحن ، ولهذا لا تعجبون حين تقرأون المراثي المشيدة بمناقبه ، ففي شخصه اجتمعت كاريزما القائد الفاعل والمؤثر  بحنكة وكفاءة السياسي الخبير والمتمرس .

ولا أظن أن فقدان المفلحي ورحيله المباغت وهو في ذروة ألقه وإعطائه ، خسارة فادحة لأهله وذويه ورفاقه أو لمسقط رأسه أو  لمحافظته الضالع ، فحسب ، وإنَّما هو فقدان مؤجعًا لوطن يرزح لوطأة الحرب والمغامرات الصبيانية ، وأليمًا لشعب تفتك به وتمزقه الأفكار العبثية الهدامة .
والاثنان الوطن والشعب يعُوزهما في الحالة الراهنة شيء من حكمة وفراسة ونبوغ ووسطية الفقيد الراحل ..

نعم ، ذهب إلى بارئه تاركًا فينا غصة وحسرة وندامة ، فلكم نحن اليوم في أمس الحاجة له ولمثله من الرجال الذين توافرت فيهم سمات التسامح والنبل والخبرة والحكمة والكياسة .

طوبى لك أيها المفلحي الأصيل الحكيم ،ويرحمك الله ويغفر لك ، ويسكنك الفردوس ، ويعصم قلوب أهلك وذويك وأصدقائك ورفاقك ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ..

محمد علي محسن