تحقيقات وحوارات

الأربعاء - 07 أبريل 2021 - الساعة 09:57 م

حاوره/ عيدروس باحشوان

وكيل وزارة العدل بصنعاء الاسبق وعضو المحكمة العليا للجمهورية في عدن سابقا القاضي د.محمد جعفر قاسم في حوار حصري


هناك ضرورة وحاجة ماسة لاستمرار ثقة المواطنيين بالقضاء

الكادر القانوني في رئاسة الجمهورية مدعو للتقيد بالدستور والقانون عند تدقيقه للتعيينات

تعيين الكفاءات ضمان لقانونية قرارات رئيس الجمهورية

ضرورة تطوير بنية مجلس القضاء الأعلى التي تشمل تحديد فترة العضوية فيه وتمثيل شرائح القضاة والمجتمع.


أكد القاضي الدكتور محمد جعفر قاسم أن الأزمة التي تعصف برجال القضاء اقرزت امرين اساسيين هما اولاً : ضرورة التقيد باجكام الدستور والقانون النافذ عند القيام بتعيين ليس فقط القضاة بل وفي كافة التعيينات الاخرى خارج السلك القضائي، وهو الامر الئي يفترض حسن اختيار الكادر القانوني في رئاسة الجمهورية وضرورة اتسام هذا الكادر بالاضافة الى الكفاءة القانونية بسمات الصدق في الرأي والشجاعة في ابداءه وعدم الخضوع لأي ضغط او محاباه.
عن هذه الأزمة وغيرها من القضايا المتصلة بالقضاء حاورته عدن تايم فإلى حصيلة الحوار.

الأزمة القائمة حاليا في السلطة القضائية

س: في مستهل الحوار ما رأيك في الأزمة القائمة حاليا في السلطة القضائية والتي ادت الى توقف نشاط القضاء في عدن والجنوب عامة وما ترتب عنها من خلاف نشب بعد القرار الجمهوري بتعيين نائب عام جديد؟

ج: ان التطورات المؤسفة التي شهدتها الساحة القضائية مؤخرا تدعو الى القلق الشديد وتبرز الحاجة الماسة لوضع حد نهائي لها للأهمية البالغة لاستمرار ثقة المواطنين بالقضاء التي لا يمكن تجاهلها لكونها شرطاً لا غنى عنه لاستمرار سير اعمال القضاء بصورة طبيعية عادله.
وفي الحقيقة فإن الخلاف بين مجلس القضاء الأعلى ونادي القضاة الجنوبي قد ابتدأ بالظهور قبل نشوب هذه الأزمة المتعلقة بتعيين د الموساي الذي جاء من اوساط رجال الأمن في منصب من اعلى المناصب القضائية، اي منصب النائب العام.
وقد تباينت ردود الفعل تجاه القرار الجمهوري بتعيين النائب العام الجديد في اوساط رجال القضاء والحقوقيين بمختلف اتجاهتهم ومنابعهم الفكرية، بل ان هذه القضية حازت على الاهتمام الشديد من قبل الرأي العام لعظم واهمية صلاحيات النائب العام من جهة، ونتيجة للتداعيات السلبية لهذا التعيين على المجتمع المتمثلة بتعطيل العدالة بقفل ابوابها امام المتقاضين واستمرار حبس الموقوفين على ذمة قضايا والسجناء الذين انتهت فترة عقوبتهم ولم يتم اطلاق سراحهم من ناحية اخرى.
واظهرت هذه الأزمة امرين اساسيين هما أولاً ضرورة التقيد باحكام الدستور والقانون النافذ عند القيام بتعيين ليس فقط القضاة بل وفي كافة التعيينات الأخرى خارج السلك القضائي، وهو الأمر الذي يستدعي حسن اختيار الكادر القانوني العامل في رئاسة الجمهورية، وضرورة اتسام هذا الكادر بالإضافة الى الكفاءة بسمات الصدق و النزاهة والشجاعة في إبداء الرأي السليم وفقا لمقتضيات المادة 119 من الدستور في فقرتها التاسعة، الخاصة بصلاحية رئيس الجمهورية بتعيين كبار موظفي الدولة وفقا للقانون وارى ضرورة عدم خضوع هذا الكادر لأي ضغط او تهديد او إغراء، لأن ذلك ما تفرضه عليه واجباته في توفير الثقة بقرارات رئيس الجمهورية وضمان عدم تعرضها للالغاء القضائي .

س: ما رأيك القانوني في مسألة النائب العام بالتحديد؟

ج: اما بصدد رأيي القانوني في مسألة القرار الجمهوري الخاص بتعيين النائب العام الجديد فأشير الى ما يفرضه القانون على الجميع من الامتناع عن التعليق او ابداء الرأي في القضايا التي تكون قيد النظر امام القضاء تحت طائلة الملاحقة بجرم احتقار القضاء.
ولكن هذا لا يعني عدم اهتمامي بهذه القضية البالغة الأهمية وتداعياتها الاجتماعية. ففي الحقيقة، ابديت رأيي القانوني لبعض اعضاء مجلس القضاء الاعلى من ناحية وبعض قيادة نادي القضاة الجنوبي من ناحية اخرى.
واتحفظ عن ذكره او نشره للرأي العام لحرصي على عدم الخوض في النقاش العام الذي يدور حول قضايا خلافية يكون لها انعكاسات سياسية سلبية على صعيد المجتمع اضافة الى ما ذكرته سابقا حول ما يوجبه القانون من عدم ابداء الرأي في القضايا التي تكون قيد النظر امام القضاء. اما بعد صدور الحكم القضائي فينتهي هذا الجظر القانوني ويحق عندئذ للجميع ابداء الرأي القانوني بشأنه.
والأمر الاخر الذي افرزته هذه الأزمة في رأيي والذي اتضحت اهميته للعيان، هو ضرورة تطوير بنية مجلس القضاء الأعلى التي تشمل تحديد مدة العضوية فيه، كما تشمل من ناحية اخرى تحديد اسلوب وشكل العضوية فيه بحيث تمثل فيه مختلف شرائح القضاء.
كما اشير الى ضرورة واهمية يمثل فيه المجتمع لكي لايكون القضاة منكفئين على انفسهم ومنبتي الصلة بمجتمعهم ولأن القضاء مسألة في غاية الأهمية في حياة الشعب خاصة وان الأحكام تصدر بأسم الشعب.
اما الشكل القانوني للعضوية فيه فيكون اما بحكم القانون أوبالانتخاب ا و التعيين. ويتجسد تمثيل شرائح الفضاء بتحديد عدد معين لقضاة المحكمة العليا وعدد اخر لقضاة محاكم الاسئناف ويتجلى من ناحية ثالثة بتحديد عدد معين لقضاة المحاكم الابتدائية.
ومن ناحية اخرى تختلف التشريعات حول طريقة تجسيد تمثيل المجتمع في عضوية مجلس القضاء الأعلى ونسبة ممثلي المجتمع في المجلس مقارنة بنسبة الاعضاء القضاة. ففي النموذج الفرنسي مثلا تكون غالبية اعضاء مجلس القضاء الاعلى من غير القضاة، بينما يحدد المشرع الايطالي موقفة بمنح القضاة اغلبية العضوية في مجلس القضاء الأعلى ولكل فريق حججه في ذلك.
وعادة ما يكون تمثيل الممجتمع في المجلس يتجسد بتحديد عدد معيّن من اساتذه القانون في الجامعات وعدد اخر من اعضاء البرلمان وتمثل نقابة المحامين عادة بعضو واحد نظرا لحساسية هذا التمثيل وشبهة تأثيره السلبي في نظر كثير من القضاة .
على العموم فإن مسألة تحديد مدة العضوية في مجلس القضاء الأعلى وحظر تمديدها او اعادة التعيين فيه ،بالاضافة الى موضوعي تمثيل القضاة وتمثيل المجتمع في قوامه قضايا ذات اهمية جوهرية تستحق ايلائها عناية شديدة ودراسة عميقة لمختلف جوانبها، وتحديد كيفية الاستفادة من النماذج المختلفة لها ومدى جدواها وفقا لواقعنا الاجتماعي.

س: وما رأيكم حول المركز القانوني للنيابة العامة؟

ج: لقد سبق لي وان تعرضت في مقال لي حول مدى تمتع النيابة العامة بالاستقلال القضائي لموضوع المركز القانوني الحالي للنيابة العامة والتضارب الواضح بين النص الدستوري والنص القانوني حول هذاه المسألة، ورأيت في هذا الصدد الرسو على مفهوم محدد وصفات محدده لهذا المركز القانوني، على ضوء ما انتجه التشريع المقارن بهذا الخصوص المتمثل بالنموذجين الايطالي والفرنسي، اللذان عرضت باختصار شديد ملامحهما في ذلك المقال، كما رأيت ضرورة دراستهما بعمق على ضوء التطور الذي وصل اليه مجتمعنا في هذه المرحلة وما نصبو اليه مستقبلا وحسب الدروس المستخلصة من تجربتنا القضائية منذ قيام الجمهوريتين اليمنيتين ودولة الوحدة حتى اليوم.
وارى الان بعد إمعاني النظر والتأمل في هذا الموضوع ان يتم النص على الصعيد الدستوري على الصفة الادارية للنيابة العامة نظرا لاتباع افرادها لأوامر رؤوسائهم وفقا لالزامهم القانوني بقاعدة التسلسل الاداري. كما ارى في نفس الوقت ضرورة النص دستورا على اتصاف اعمالها عند قيامها بالتحقيق في الجرائم بالصفة القضائية.
وافضل تناول للمركز القانوني للنيابة العامة هو ما جأت به مسودة لتعديلات دستورية على دستور 1990 تبنتها جهات حقوقية والاحزاب والقوى السياسية سواء التي كانت في سدة الحكم ا و المعاضة البرلمانية او المعارضة من خارج قبة البرلمان وذلك قبل اندلاع حرب صيف عام 1994 بفترة وجيزة جدا.وقد تم نشر تلك المقترحات على نطاق ضيق نطرا لاجواء الأزمة السياسية الحادة جدا التي سادت البلاد خلال تلك الفترة والتي بلغت قمتها بنشوب حرب عام 1994، وبالتالي لم يقدر لها ان تأخذ مجراها في التطبيق العملي.
ورأيي حول المركز القانوني للنيابة العامة هو في والواقع موقف يعرب عن تبني هذا المفهوم الذي تم الاتفاق عليه بين الجهات الحقوقية والسياسية قبل حرب . 1994 ، و سبق لي رفعه للجهات العليا المسئولة عن القضاء في عام ، ،1997 بشكل ورقة من خمسين صفحة بمناسبة الخلاف الحاد الذي ساد صفوفها بين وزير العدل ورئيس المحكمة العليا انذاك وعنونتها "بنحو تحديد مفهوم الاستقلال المالي والاداري لللسلطة القضائية" ، وزعتها على قيادة السلطة القضائية فقط لحرصي على عدم توسيع شقة الخلاف بينهما حول مفهوم الاستقلال االقضائي والاداري والمالي الذي ينص عليه الدستور.
وانني ارى اليوم من الصواب ايضا ان يضمن لرجال النيابة العامة نفس الحقوق المالية والضمانات القانونية التي يتمتع بها قضاة الحكم.
بل واكثر من ذلك ارى عند تحديد صلاحيات النيابة العامة مستقبلا في التسوية السياسية التي نأمل ان يتوصل لها فرقاء الحرب الدائرة حاليا ان يسند في الدستور للمترافع عن النيابة العامة في القضايا الجزائية امام القضاء صلاحية طلب البراءة للمتهم في مرافعته الشفوية رغم رفع النيابة العامة الدعوى ضده، وذلك اذا كان هذا الطلب بالبراءة هو حسبما يمليه على المترافع عن النيابة ضميره الشخصي وفقا لقناعته الحرة .
ومن الجدير بالذكر ان هذه القاعدة التي عرفت بمقولة إذا كان القلم مقيدا فاللسان طليق، قد اخذ بها طويلا التشريع الفرنسي في اعقاب قرار اتخذه بهذا الشأن القضاء الفرنسي ممثلا بمحكمة النقض الفرنسية.

س: ولكن وفق الدستور اليمني النافذ حاليا في مادته 149 تعتبر النيابة العامة هيئة من هيئات القضاء والقضاء وحدة متكاملة وبالتالي يكون الدستور قد حسم هذه المسألة حسب إفادة بعض القضاة؟

ج:نعم هذا صحيح، ولكن مقررات مؤتمر الحوار الوطني التي لم تطبق بعد، تنص على إنشاء هيئة مراجعة مسودة الدستور التي اعدتها لجنة شكلها رئيس الجمهورية هذا من ناحية، كما ان القانون الساري المفعول وتعليمات النيابة العامة من جهة اخرى، ينصان على على الزام رجال النيابة العامة بقاعدة التسلسل الاداري اي تنفيذ اوامر رؤوسائهم ،التي قد يشوبها في بعض الاحيان بقصد او بدون قصد ظلم شديد يلحق بالمتهم. وهذا ما يرويه بعض المتقاضين في الدعوى الجزائية وعددهم ليس بالقليل الذين يدعون بأنهم لم يلمسوا اي ملمح لاستقلال رجال النيابة العامة.
وهكذا يوجد تضارب بين النص الدستوري والنص القانوني وما يتم تطبيقه في الواقع العملي. ولاحظ ياخ عيدروس انني اشرت في حديثي الى المسودة المتعلقة باجراء التعديلات على دستور عام 1990 التي اعدتها الجهات الحقوقية والسياسية التي سبق لي ذكرها، وهذه المقترحانت بالتعديل الدستوري شملت في الحقيقة السلطات الدستورية الثلاث ، اي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
وما يهمنا منها في هذا المقام هو مقترحاتها الخاصة بالسلطة القضائية وقد سبق ذكرها واوضحت رأيي حول انهاء التضارب بين النصوص التشريعية والنصوص القانونية وذلك بالاخذ بالصفة الادارية للنيابة العامة مع منحها الصفة القضائية عند قيامها بالتحقيق قي الجرائم. كما اشرت الى ضرورة استمرار النص على منح رجال النيابة العامة كافة الحقوق المالية والضمانات القانونية التي يتمتع بها قضاة الحكم. وبهذا نكون قد انهينا هذا التضارب الصارخ بينها.
بل انني ارى اليوم ان يمنح على الصعيد الدستوري المترافع عن النيابة العامة في القضايا الجزائية صلاحية هامة جدا تسمح له بتقديم طلب البراءة للمتهم في مرافعته الشفوية وذلك لاراحة ضميره الذي يعذبه عندما يصطدم اتباعه لاوامر ررؤوسائه بخلاف ما يمليه عليه ضميره.
وارى ان الدساتير عامة وخاصة الدستور الفرنسي لا يمنع الاخذ بهذه القاعدة بل اذهب الى ما ابعد من ذلك وارى ان الاخذ بهذه القاعدة لا يتعارض مع نصوصه.
واستند في رأيي هذا الى الرأي القانوني للمجلس الدستوري الفرنسي عند تفسيره لأحكام الدستور الفرنسي في معرض اجابته على طعن دستوري قدم اليه حول دستورية تبعية النيابة العامة لوزير العدل، واقصد هنا رأيه رقم 2004-492DC .
وفي الحقيقة فإن المجلس الدستوري في هذا الرأي ،وإن كان قد قرر عدم وجود تضارب بين تبعية النيابة العامة لوزير العدل اي تسلسلها الاداري مع مبدأ استقلالها حسب النصوص الدستورية، إلأ انه من ناحية اخرى قد اكّد في فقرته 6 على انه يوجد توازن دقيق في النصوص النصوص الدستورية بين مبدأ استقلال القضاء وامتيازات الحكومة المنصوص عليها في الماة 20 من الدستور.
وفي نفس الوقت اشار المجلس الدستوري الفرنسي الى نص المادة 64 من الدستور ومفادها ان رئيس الجمهورية ضامن لاستقلال السلطة القضائية. واستنتج المجلس من هذه المادة 64 انه حيث ان السلطة القضائية تتكون من قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة فعليه ينتج عن ذلك مبدأ بمقتضاه تمارس النيابة العامة اعمالها بكل حرية امام القضاء.
ونورد بالنص الفرنسي ما يتعلق بموضوعنا في الفقرة 6 من رأي المجلس الدستوري المذكور:
“ Le Pr�sident de la R�publique est le garant de l’ind�pendance de l’autorit� judiciaire selon l’article 64 de la Constitution.
Il d�coule de l’ind�pendance de l’autorit� judiciaire � laquelle appartiennent les magistrats du parquet un principe selon laquelle le minist�re public exerce librement en cherchant de d�fendre des int�r�ts de la soci�t� son action devant les juridictions. �
وعليه وانطلاقا من تفسير المجلس الدستوري الفرنسي للمادة 64 من الدستور الفرنسي وذلك في الفقرة 6 من رأية المذكور، فانني ارى ان قاعدة طلب المترافع عن النيابة للبراءة عن المتهم الذي انادي باعطائها القيمة الدستورية تجد سند لها في ذلك الرأي لأن هذا الطلب يتماشى مع سعي النيابة العامة للدفاع عن مصالح المجتمع وان تقديم طلباتها للقضاء لهذا الغرض ينبغي ان يتم بكل حرية ولأن البراءة للمتهمين الابرياء مطلب لومصلحة لكافة فئات المجتمع واخيرا لأن النيابة العامة خصم شريف لا يهمها ادانة المتهم بقدر ما يهمها إظهار الحقيقة وتحقيق العدالة.
ولكنني على الرغم من الأهمية البالغة لطلب النيابة العامة هذا للبراءة للمتهم إلا انني ارى نظرا لخطورته الكبيرة في حالة سوء استخدامة ان يحاط بضمانة قانونية تكفل حسن وسلامة التصرف فيه وذلك بالنص على عزل المترافع عن النيابة العامة في حالة ان يكون تقديم طلبه لبراءة المتهم ناجم عن رشوة تلقاها او ثبت بانه نجم عن حقد او عداوة سابقة كان يكنها في نفسه ضد المجني عليه وارى الزامه بالتعويض وجبر الضرر مع فرض اية عقوبة اخرى ينص عليها اي قانون اخر.

س: وفي ختام هذا الحوار الشيق هل لك ان تروي لنا عما اذا كانت النيابة العامة في دولة الجنوب سابقا تتبع وزير العدل ومدى تمتعها بالاستقلال القضائي والمالي والاداري ودورها القانوني في المجتمع؟

ج:لم يكن الادعاء العام او المدعي العام يتبع وزير العدل على الاطلاق في اي مرحلة من مراحل التطور القانوني لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية وعلى وجه الخصوص منذ عام 1973، ودليلنا على ذلك نصوص قانوني 1973 و1984 التي ظلت سارية المفعول ختى قيام الجمهورية اليمنية في عام 1990.
وكانت رقابة الادعاء العام تشمل في الواقع الرقابة القانونية على جميع الوزارات والاجهزة المركزية والمحلية في الدولة وفقا لنظرية الادعاء العام والمدعي العام في الأنطمة الاشتراكية حاصة النظام السوفيتي السابق.
وفي اعقاب صدور قانون الادعاء العام لسنة 1984 حاول المدعي العام مد نطاق رقابته القانوني لتشمل احكام المحكمة العليا واحكام القضاء على وجه العموم بمبرر ان القضاء جهاز من اجهزة الدولة وبسبب النص الدستوري على وجود سلطة واحدة في الجمهورية تمثل سلطة العمال والفلاحين وحلفائهم الطبقيين من المثقفين والشغيلة والبدو الرحل.
إلا ان هذه المحاولة قد منيت بالإخفاق التام نظرا لأن جميع قضاة المحكمة العليا للجمهورية بل وكافة قضاة الجمهورية قد قاوموها مقاومة عنيفة مستندين في ذلك على النص الدستوري حول استقلال القضاة . وقد لقي المتشددين منهم بالتمسك باستقلال القضاء الكثير من الأذى والعنف النفسي.
وكانت المحكمة العليا للجمهورية ي عام 1984 تتكون من القاضي المرحوم نجيب عبدالرحمن شميري رئيساً والقاضي أحمد عمر بامطرف نائبا للرئيس وعضوية القاضيين د. علي ناصر سالم والقاضي د. محمد جعفر قاسم. وفي وقت لاحق من نفس العام 1984 التحق بالمحكمة العليا القاضي بدر راجح سعيد والقاضيان اللذان انتقلا الى رحمة الله تعالى محفوظ عمر خميس وشكيب حرسي حيد، وفي عام 1986 التحق بها القضاة حسن الحبشي وزيد حنش وعبدالله باحويرث رحمهم الله جميعا.
وذكري لهذه الأحداث يقصد منه تنوير قضاتنا الشباب بصفحة من تاريخنا القضائي بايجابياته وسلبياته وتوضيح كيف تعزز مبدأ استقلال القضاء في تلك الفترة

اما عن مدى تمتع افراد الادعاء العام بحرية الرأي في اعمالهم فقد كانوا في الحقيقة يتمتعون بقدر مهم وملحوظ من الحرية، وفي هذا الصدد هناك العديد من الامثلة التي تسند قولي هذا قام بها افراد كثر من الادعاء العام، ولكنني اكتفي بالاستشهاد بمثال يخصني شخصيا.
ففي عام 1973 تم رفض مشروع قانون قام باعدلده المستشار السوفيتي لوزاارة الثقافة الذي انطلق من مقهوم المؤسسة العامة السوفيتيه الذي لا يفرق بينها وبين اي مرفق اداري عادي لا يتمتع بالاستقلال المالي والاداري، وكان سيؤدي ان تم الأخذ به الى القضاء على النشاط التجاري المربح الذي وان كان مقداره ضئيلاً جداً إلا انه مع ذلك قد جنب الدولة تبعات فقدان تلك الارباح بل وتكبيدها خسائركبيرة.
وكان لي شرف اتخاذ هذا الموقف الذي لم يكن على الاطلاق موقفا وحيدا او منعزلا عن مواقف الكثيرين من افراد الادعاء العام ،الذين اتخذوا في العديد من الحالات مواقف مشرفة تدل على وعيهم العالي بالقانون و فلسفته في تلك الفترة. واكتفي في هذا المقام بذكر اشهرهم جميعا على الاطلاق وهو اكبرنا انذاك سنا وعلما الذي ترك بصماته على سير الادعاء العام والدعوي الجزائية في الجنوب واقصد به فقيدنا الغالي الكبيىر محمد عمر الكاف طيب الله ثراه.
اما حول الشؤون الادارية والمالية للادعاء العام فسوف اعطي لك صورة موجزة عنها.
كانت المخصصات المالية للادعاء العام قبل صدور قانون عام 1984 تدرج ضمن ميزانية وزارة العدل مع استقلال المدعي العام في تقديم طلباات الصرف المتعلقة بالادعاء العام. اما التوظيف فقد كانت تتولاه مركزياً وزارة العمل والحدمة المدنية زذلك بعد اخذ رأي المدعي العام. وليس لدي معلومات كافغية للاجابة عن سوألك فيما يتعلق بالفترة الممتدة من عام 1984 حتى عام 1990.
واشارتي للشئون المالية للادعاء العام بعد صدور قانون الادعاء العام لسنة 1973 اتذكرها جيدا لأنني في عام 1973 كنت اعمل ممثلا للمدعي العام في مكتب الصياغة والمشورة القانونية الذي كان يقتصر على رئيسه المرحوم محمد عمر الكاف ومني شخصيا في بداياته الاولى ومن ثم ازداد عدد افراده كثيراُ,، وقبل ذلك عملت مستشاراً قانونياً في وزارة العدل ومكتب المدعي العام منذ عام 1971.
على العموم كانت ميزانية الادعاء العام تشكل قسما مستقلاً ضمن ميزانية او بالأدق المخصصات المالية لوزارة العدل وكان المدعي العام يقترح طلب صرفها وفقا للنظام المالي المتبع في الجنوب سابقاً. وبموجب هذا النظام كانت وزارة المالية تضع الميزانية العامة للدولة على ضوء احتياجات وصرفيات كافة مرافقها وهيئاتها. ومؤسساتها ويناقشها ويقرها مجلس الشعب الأعلى بعد ادخال اي تعديل يراه فيها، ومن تم تصدر بقانون يخوّل الخزينة العامة االموافقة على طلبات صرف المخصصات المالية لكل تلك الجهات في الدولةمهما كانت صغيرة او كبيره ،لأن الخزينة العامة ما كانت توافق على طلبات الصرف المقدمة لها من الجهات المختلفة الا بعد تأكدها من استيفائها للشروط القانونية للصرف. وكثيرا ما كانت تقوم برفض طلبات الصرف غير المستوفية للشروط القانونية، حتى ولو كانت هذه الجهة رئاسة الوزراء او هيئة رئاسة الجمهورية ذاتها.
ولم يكن اي مسئول في الدولة يعترض او يحاسب افراد الخزينة العامة على قيامهم بواجباتهم القانونية التي كان الجميع يقر بنزاهتهم وصدقهم واخلاصهم في العمل. واتذكر هنا ان الوزراء كانون يقدمون لموظف الجزانة العامة الأخ بن شبا اوجه صرف العهد المالية التي يستلمونها عند سفرهم للخارج ويجبرون على تبيان اوجه صرفها مع المستندات المؤيدة لاوجه الصرف تلك. واتذكر ان بعض الوزراء من شدة حرصهم كانوا يقدمون فواتير اجرة التاكسي الذي يستقلونه الأمر الذي يضعهم في مواقف محرجة مع مرافقهم الاجنبي، وذلك احتياطا منهم لشدة تدقيق بن شبا في عهد السفر. واتذكر كافة هذه الأمور لأنني كنت اشغل خلال الفترة 1981-1983 مستشار الشئون الدستورية في هيئة الرئاسة.
لذلك يشهد الجميع تقريبا على ان نظامنا المالي الذي اخذت به جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية كان افضل نظام مالي ليس فقط على مستوى الدول العربية بل ومن افضل الانظمة المالية في دول العالم الثالث.
وفي الختام اود ان ادلي بشهادتي حول القضاء والقضاة و ممثلي الادعاء العام والمحامين وكافة الحقوقيين في تلك الفترة حسبما لمستة طوال عملي في السلك القضائي معهم خلال لهذه الفترة.
ففي الحقيقة قإن النظام المالي لدولة الجنوب سابقا كان في نظرنا يعد مكسبا حقيقيا لشعبنا ورثناه عن التشريع البريطاني اثناء فترة الاحتلال وتمت المحافظة عليه بعناية لا تنكر، يضاف الى الكثير من المكاسب الاجتماعية التي حققتها تلك الدولة لشعبنا وهو الأمر الذي في رأيي دفع على وجه العموم بالقضاة وافراد الادعاء العام والمحامين وغيرهم من الخقوقيين بالتمسك بالقيم الانسانية الرفيعة التي حملتها تلك الجمهورية، مع اعترافي بحقيقة لا تنكر عن الوجه السلبي المظلم لتلك الجمهورية المتمثل بشدة فسوة قمع الاراء السياسية المخالفة لتوجه النظام الحاكم ومساوىء محكمة الشعب نطرا لغياب الديموقراطية السياسيةوحقوق الانسان في كل من الشمال والجنوب معا في تلك الفترة.ولكننا اذا نظرنا الى الدور الذي قام به الحقوقيون بمختلف فئاتهم ومنابعهم الفكرية في جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية فاعتقد ان التاريخ سيسجله لهم بأحرف من نور رغم ما مس بعضهم احيانا من اذى دفعوا ثمنه كاملا وذلك اخلاصا منهم للقيم الرفيعة التي حملتها تلك الجمهورية وخدمة منهم لقضية العدالة في مجتمعنا.

إستدراك :

هناك خطأ وقعت فيه سهوا في تحديد رقم قرار المجلس الدستوري الفرنسي حول الطعن المقدم اليه حول دستورية تبعية النيابة العامة الفرنسية لوزير العدل
ورقمه الصحيح هو
Decision no 2017-680QPC du 8 December 2017
فأرجو المعذرة من القراء على هذا الخطأغير المقصود
ومن يري الاطلاع على الحيثيات الكاملة لهذا القرار ستجدها باللغة الفرنسية والإنجليزية على موقع المجلس الدستوري على الإنترنت على النحو التالي

www.conseil-constitutionnel.gouv.fr/afficheTexte.do?cid=JORFTEXT00003