الصحافة اليوم

الأربعاء - 13 أكتوبر 2021 - الساعة 11:51 م

المدنية

لسنوات طويلة عاشت “مارثا” في اليمن كطبيبة في مستشفى مدينة “جبلة”، تجوب القرى البعيدة لمعالجة النساء والأطفال وتقديم اللقاحات والعلاجات مجاناً، إضافة إلى تدريب الأهالي على الرعاية الطبية. ذاع صيتها في اليمن كله، واكتسبت شعبية كبيرة، وحب وتقدير حقيقين من قبل المواطنين والمرضى الذين كانوا يأتون للعلاج من مدن بعيدة. بعد ما يقارب الخمسة وعشرين عاماً من انغماسها بجهد في عملها في اليمن، وفي يوم مشرق من أيام أعياد الميلاد سمعت مارثا ضوضاء خارج غرفة الاجتماعات في المستشفى، وقبل أن تعرف ما الذي يحدث كان مسلح قد دخل الغرفة وأطلق عليها رصاصتين. كان وجهه الغاضب هو آخر شيء رأته في حياتها.

مستشفى جبلة المعمداني
تأسس المستشفى المعمداني في جبلة عام 1968، وكان من أوائل مؤسسيه الطبيب الأمريكي “جيمس يونغ” (1924 – 2019) الذي عمل فيه لسنوات عديدة كجراح وطبيب عام، مكتسباً شهرة واسعة وحب المئات من الأهالي. لم يكن قد مرَّ على اليمن أكثر من خمس سنوات منذ اندلعت الثورة، وكانت البلاد تشهد تغيراً جذرياً كل يوم، وكذلك حياة الناس، الذين وجدوا لأول مرة خدمات طبية تنقذهم من الموت بسبب أمراض لم تعد خطيرة في ذلك العصر. كانت تقارير الأمم المتحدة في ذلك الوقت تشير إلى أن اليمن لديها أقل عدد من الأطباء نسبة للفرد في العالم، وهو ما شجع الكثير من الأطباء ذوي النزعات الإنسانية في الغرب على المجيء والعمل في اليمن.

كان المستشفى في أيام ذروته يضم ما يقارب الثمانين سريراً ويجري مئات العمليات الجراحية شهرياً، ويعالج ما يقارب أربعين ألف شخص في السنة الواحدة، موفراً عشرات الوظائف. في عامه الثالث والستين غادر الدكتور يونغ اليمن، لتخلفه في عمله في المستشفى الطبيبة الأمريكية “مارثا مايرز”، التي واصلت بكل جد ومثابرة عملها في المستشفى كطبيبة أمراض نساء وتوليد، فذاع صيتها خلال سنوات عملها الطويلة وأصبحت أكثر شهرة منه. لكن مارثا لم يكتب لها أن تغادر اليمن وتعود إلى أهلها، ولا أن تعيش طويلاً مثله، بل قُتلت مع بعض زملائها ولما تُكمل عامها السابع والخمسين بعد.

مولدها وتعليمها
ولدت مارثا في 13 مارس عام 1945 في مقاطعة جيفرسون بولاية ألاباما الأمريكية. كان والدها “أيرا مايرز” طبيباً وموظفاً في مكتب الصحة في الولاية، وكان جدها قسيساً معمدانياً، وربما كان لهذا تأثير على مارثا وميولها نحو الطب والعمل الإنساني التبشيري. لمارثا أخت واحدة “جوانا كنجري”، وأخوان “ستيفن” و”جرادي”، أما أمها فتدعى “دورثي مايرز”.

خلال دراستها الثانوية التي أكملتها في مدينة مونتغمري عام 1963 أظهرت مارثا تفوقاً لافتاً، وحصلت على عدد من الجوائز قبل أن تلتحق بكلية الفنون بجامعة “سامفورد” وتحصل على درجة البكالوريوس. في عام 1971 تخرجت مارثا من كلية الطب وأكملت سنوات عملها متدربة في المركز الطبي لجامعة ألاباما حتى عام 1977. في تلك الفترة تلقت مارثا بعض دراساتها الدينية في مدرسة الغرب الأوسط المعمدانية اللاهوتية في مدينة كانساس سيتي بولاية ميزوري، وعملت مع منظمة القلب والأوعية الدموية في مدينة ألاباما، كما ذهبت إلى بريطانيا لدراسة اللغة العربية في مدرسة “بوليجلوت” في لندن.

البدايات اليمنية
كانت مارثا قد عرفت اليمن أول مرة عام 1971 عندما عملت كمتطوعة في مستشفى جبلة لمدة ثلاثة أشهر، ضمن منحة مقدمة من برنامج الإرسالية الخارجية، وهي ما تزال طالبة في كلية الطب بجامعة ألاباما. خلال هذه الزيارة ساهمت مارثا أيضاً في تدريس وتأهيل أول دفعة من الممرضين اليمنيين، وكانوا جميعهم من الرجال، ومن هؤلاء كان “طاهر قاسم”، الذي عمل لاحقاً، ولسنوات طويلة، في مجال الرعاية الصحية الأولية والعامة في المجلس المحلي لمدينة ليفربول، والحاصل على وسام التميز البريطاني (MBE)، والمؤسس لعدد من المنظمات المعروفة مثل مهرجان ليفربول للفنون والثقافة العربية.

يتذكر طاهر كيف استطاعت مارثا، خلال الفترة القصيرة تلك، أن “تخطف قلوب كل من تعامل معها من الطاقم الطبي والإداري، وحتى من الناس الذين قابلتهم في المدينة”، مضيفاً أنها لم ترحل بعد زيارتها الأولى لليمن إلا وقد عقدت العزم على العودة مرة أخرى إلى اليمن. “كانت تقول لنا: سأعود وسأعيش هنا في جبلة، وكنا نعتقد أن هذا نوع من المجاملة، لكنها بالفعل عادت وعملت في نفس المستشفى لأعوام طويلة، وللأسف قُتلت ودفنت هناك”.


مارثا واليمن
كان وجود طبيبة ولادة متخصصة في أمراض النساء والولادة مهماً للمجتمع اليمني المحافظ والمفتقر لأبسط مقومات الرعاية الطبية، وكثيراً ما ساعدت مارثا على علاج الفتيات من أمراض لها علاقة بالوعي الصحي المجتمعي المتدني والزواج المبكر.

طيلة الخمسة والعشرين عاماً التي عملت خلالها مارثا تم إنجاب آلاف الأطفال على يديها، وانقاذ حياة مئات الأمهات، وكانت توزع عملها في المستشفى ما بين غرفة العمليات والعيادات الخارجية في عمل دؤوب ومستمر طوال أيام الأسبوع.

إضافة إلى عملها داخل المستشفى كانت تقوم بزيارة مريضاتها في بيوتهن في القرى القريبة والبعيدة، وبسيارتها التويوتا لاند كروزر كانت تشق جبال اليمن قاطعة مئات الأميال في الطرق الوعرة لتقديم اللقاحات للأطفال وتوزيع المراهم وقطر العين، وفحص النساء وتدريب الأهالي على الرعاية الصحية الأساسية. كانت في بعض الأحيان تصل القرى البعيدة متأخرة، فتقوم بعملها في المساء متنقلة بين البيوت، وفي أحيان كثيرة كانت تضطر إلى المشي على أقدامها إلى القرى التي لا تصل إليها السيارة. كان جهدها خارج المستشفى هو ما أكسبها الشهرة الواسعة والحب الكبير اللذين حظيت بهما، خاصة من النساء والأطفال.

لم تكتف مارثا بعملها داخل اليمن بل كانت تقوم أيضاً بدور كبير في جلب المساعدات الطبية من الخارج. في آخر زيارة لها إلى أمريكا عام 2001 قامت بزيارة الكنائس في جميع أنحاء ولاية ألاباما، وتحدثت مع القائمين عليها عن اليمن وأهمية دعم الجهود الطبية التي يقومون بها هناك، وجمع معونات للشعب اليمني، وقد استطاعت خلال تلك الرحلة أن تجمع 15 حاوية من المساعدات لإرسالها إلى اليمن([1]).

“جرادي مايرز”، شقيق مارثا، قال في حديث لصحيفة “بابتيست برس” إن مارثا كانت تصرف معظم أموالها لمساعدة المحتاجين، وإنها في السنوات الأخيرة من حياتها صرفت ما كان بحوزتها في حساب التوفير الخاص بها للمساعدة في دفع تكاليف زراعة الكلى لأحد المرضى في مستشفى جبلة.

ورعٌ وزهد
كانت مارثا طويلة القامة، على الأقل بالنسبة لعامة اليمنيين، ونحيفة، بوجه حاد الملامح، ونظّارة طبية كبيرة تستند إلى أنف طويل بارز، تغطي شعرها الأشقر عادة بغطاء ملون كما كانت تفعل معظم نساء الريف، وترتسم على شفتيها دائماً ابتسامة أمومة خالصة.

كانت حياتها في سكن الأطباء بالمستشفى متواضعة، ولم يكن في بيتها إلا الأشياء الأساسية فقط، وكان معظم دخلها يذهب للأعمال الإنسانية ومساعدة الفقراء. يقول البروفسور مهدي قادري، الطبيب اليمني الذي يعيش ويعمل حالياً في ألمانيا، إن مارثا كانت تعيش حياة القديسين أو المتصوفة، في الأكل والملبس، متذكراً أنها كانت “تلبس نفس الملابس لشهور عديدة، فقد كانت تغسلها في المساء لتجف في الصباح وتلبسها مرة أخرى”، وكان الأهالي لقربهم منها يدعونها ببساطة “مارتا” دون أية ألقاب.


أخطار ومضايقات
لم تكن حياة مارثا في اليمن، أو عملها هناك، بدون مشاكل أو تهديدات، فقد واجهت مضايقات كثيرة خاصة في السنوات الأخيرة، حين زاد انتشار الأفكار المتشددة التي تبنتها قوى الإسلام السياسي المدعومة في كثير من الأحيان من قبل السلطات المتعاقبة، فقد تم اتهامها، مع زملائها من الأطباء الأمريكيين في المستشفى، وبشكل متكرر، بمزاولة أعمال تبشيرية لنشر الدين المسيحي بين المواطنين.

في حقيقة الأمر لم تكن هذه الاتهامات جديدة، فقد بدأت منذ تم إنشاء المستشفى أول مرة، وهي اتهامات لم يتم إثباتها، ولم تلق أي تجاوب حقيقي من قبل المواطنين الذين أصبح المستشفى وخدماته جزءاً أصيلاً ومهماً من حياتهم اليومية. فعلى الرغم من أن المستشفى وطاقمه الطبي من الأجانب يتبعان مجلس البعثة الدولية الذي ينشط في عمله الإنساني المسيحي في مناطق كثيرة من العالم، إلا أن عملهما اقتصر على تقديم الرعاية الطبية لليمنيين، ولم يُسجل أي نشاط تبشيري من أي نوع. كان اسم المستشفى والبعثة الطبية كافياً لبعث الشكوك وإلصاق التهم جزافاً، وحتى الابتزاز أيضاً.

عمل الطاقم الطبي للمستشفى خلال ما يقارب الأربعة عقود في ظروف صعبة شهدت أكثر من حرب أهلية، وحريق كارثي، وعدد غير قليل من الأزمات المالية، ونقص مستمر في الموظفين، إضافة إلى الضغوط السياسية والمعارك القانونية التي هددت بإغلاق المستشفى أكثر من مرة. كان الطاقم الطبي يواجه كل هذه المصاعب بالانشغال في تلبية المتطلبات اليومية واحتياجات العدد الكبير من المرضى الذين كانوا يقصدون المستشفى الصغير وخدماته الطبية المتميزة من مختلف الطبقات الاجتماعية، ومن جميع أنحاء اليمن.

كانت صحيفة “أخبار برمنغهام” في ألاباما قد ذكرت حادثة الاختطاف التي تعرضت لها سيارة مارثا عام 1998 من قبل مسلحين. تقول الصحيفة إن مارثا، وهي في طريقها إلى إحدى القرى، كانت قد توقفت بسيارتها، التي كانت تقودها، عند محطة بنزين للتزود بالوقود عندما قام رجلان بتهديدها بالسلاح وتقييدها ووضعها في المقعد الخلفي للسيارة قبل أن ينطلقوا بها([2]). تقول الروايات إن السيارة اصطدمت بإحدى مطبات الطريق وتسبب ذلك في انطفاء محركها. الخاطفان لم يتمكنا من إصلاح العطل وأصابهم القلق فطلبوا منها الصمت والبقاء في مكانها لكنها لم تمتثل لأوامرهم قائلة لهم إنها ليست خائفة، وإنهم إن قتلوها “فستكون في الجنة”([3]). غادر الخاطفان السيارة وانتهت الحادثة بالقبض عليهما من قبل المواطنين وتسليمهما إلى السلطات. مصادر كثيرة تذكر أن مارثا ذهبت لزيارة خاطفيها في السجن لتخبرهم أنها لا تحمل لهما أي ضغينة وأنها قد سامحتهما.


حادثة القتل
لم يكن يخطر ببال مارثا، التي كانت قد تعودت على حياتها في جبلة، وعلى التعامل مع التحديات المختلفة التي تواجه عملها، أنه لن يكون بمقدورها أن تكمل احتفالات أعياد الميلاد في عام 2002. في يوم الاثنين، 30 ديسمبر من ذلك العام، وقبل يوم واحد من انتهاء ترتيبات انتقال إدارة المستشفى وتسليمه لوزارة الصحة اليمنية، فُجعت البلاد بحادثة قتل مريعة كان ضحاياها مارثا، ومدير المستشفى “بيل كوهين”، ومديرة المشتريات “كاثلين جاريتي”، فيما أصيب الصيدلاني “دونالد كاسويل” بجروح خطيرة.

حدث ذلك في هجوم مسلح نفذه أحد “المتشددين الإسلاميين”، حسب وصف وسائل الإعلام اليمنية التي أذاعت الخبر، والتي أضافت أن القاتل، ويدعى “عابد كامل”، استطاع، حسب قول بعض الشهود، أن يُدخل مسدساً ملفوفاً ببطانية أطفال إلى المستشفى، بعد أن أوهم رجال الأمن أنه يقوم بإسعاف طفله المريض.

وسائل الإعلام ذكرت أن القاتل اعترف بجريمته التي اقترفها بسبب مزاولة الأطباء التبشير وسط صفوف الفقراء من المسلمين في مدينة جبلة وتشجيع النساء على الحد من النسل.

حسب اعترافاته، التي نشرتها بعض الصحف، توجه القاتل نحو مكتب مدير المستشفى وباشره برصاصة في رأسه وأخرى في صدره، ثم أطلق على مارثا رصاصتين، ورصاصة على “كاتي”، وخرج مسرعاً ودخل الصيدلية وأطلقت على “دان” رصاصة واحدة قبل أن تنفد منه الذخيرة ويستسلم لرجال الأمن في المستشفى. توفيت مارثا على الفور، بينما بذل العاملون في المستشفى قصارى جهدهم لإنقاذ “كاثلين” و”بيل” لكن دون جدوى.

تقول بعض الروايات المتداولة إن زوجة القاتل كانت من النساء اللواتي قد تلقين الرعاية والعلاج على يد مارثا، وإنها كانت عادة ما تشيد بخصالها الانسانية النبيلة لزوجها، وهو ما زاد من حنقه وتصميمه على القيام بالعملية لمنع انتشار المسيحية في اليمن وخداع المسلمين حسب ما كان يعتقد([4]).

وسائل الإعلام في اليمن كانت ما تزال منشغلة بحادثة اغتيال أخرى روعت البلاد، نفذها، قبل يومين من مقتل الأطباء، “أحد المتشددين الإسلاميين”، حسب وصفها، وراح ضحيتها هذه المرة أحد أبرز السياسيين المعارضين في اليمن. في 28 ديسمبر 2002، وبعد دقائق من إلقائه خطاباً تاريخياً، تم اغتيال “جار الله عمر”، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، الذي كان يحضر مؤتمراً عاماً لحزب الإصلاح الإسلامي المتحالف آنذاك مع الحزب الاشتراكي، حيث أطلق عليه القاتل، ويدعى “علي السعواني”، رصاصتين، أمام أكثر من أربعة آلاف شخص، وأمام شاشات التلفزة ووسائل الإعلام المختلفة.

قاتل الأطباء “عابد” اعترف بعلاقته بـ”السعواني” الذي نسق معه قبل أسابيع للقيام بالعملية الجهادية ضد النصارى الأمريكيين في جبلة. كما اعترف “عابد”، حسب مصادر أخرى، بعلاقته بأحد المجاهدين العرب في البوسنة، الذي قام قبل أربعة أعوام بقتل ثلاث راهبات كن يعملن في مستشفى الأمراض العقلية في مدينة الحديدة.

إعدام القاتل
“مارتي كوهين”، زوجة مدير المستشفى “بيل”، الذي كان يصنع الدمى الخشبية في أوقات فراغه ويوزعها على أطفال المدينة، كانت في منزلها وقت وقوع الجريمة، وعندما تلقت الخبر هرعت إلى المستشفى وتمكنت من الحديث مع زوجها قبل وفاته.

كان على “مارتي” أن تجتاز امتحاناً صعباً للغاية: هل ستبقى في اليمن التي قضت فيها هي وزوجها ما يقارب الثلاثين عاماً، أم تعود إلى بلادها؟ بعد زيارة قصيرة إلى تكساس لعزاء ابنتيها، قررت “مارتي” العودة إلى اليمن والعمل في المستشفى، الذي استأنف عمله بعد أقل من شهر من وقوع الحادثة، بدلاً من مديرة المشتريات “كاثلين” التي قُتلت في الحادثة، واستمرت في العمل حتى عام 2007 حين قررت العودة نهائياً إلى عائلتها في تكساس.

إذا كانت “مارتي” قد نجحت في اجتياز امتحانها الصعب وعادت إلى اليمن فإنها لم تنجح في التوسط لدى الحكومة اليمنية لإبطال حكم الإعدام الذي صدر في حق القاتل. بعد ثلاثة أعوام وشهرين من ارتكابه للجريمة، وتحديداً في 27 فبراير 2006، تم إعدام القاتل رمياً بالرصاص في ساحة السجن المركزي في مدينة إب.

حب متبادل
للأسف لا يعرف الجيل الجديد من اليمنيين الكثير عن مارثا، ولا عن حياتها وانطباعاتها خلال السنوات الطويلة التي عاشتها في اليمن، أو الحكايات والذكريات التي يتداولها الجيل السابق من الأهالي عنها، أو عن زملائها الأطباء في المستشفى، الذين دفعوا حياتهم أيضاً ثمناً لعملهم النبيل. إن أقل ما يمكن فعله هو أن يتم توثيق حياتهم وأعمالهم النبيلة وأن تكون محل اهتمام الباحثين ربما كاعتذار لهم أيضاً عن النهاية المأساوية التي تعرضوا لها، والنسيان المعيب الذي قوبلوا به من قبل السلطات والمجتمع في اليمن.

“ها أنا أقول لكم إن الصلوات لا تضيع هدراً هنا في اليمن؛ لأن الاحتياجات ما تزال كبيرة جداً”، هذا ما قالته مارثا يوماً لأعضاء مجلس البعثة الدولي في إحدى اجتماعاتهم السنوية، مضيفة: “عليّ أن أقول إن الحقول قد ابيضت وأصبحت جاهزة للحصاد، وكم نحن بحاجة إلى أن نصلي لرب الحصاد أن يرسل عباده للمساعدة!”.([5])

ورداً على نصائح بعض أصدقائها الذين كانوا يحثونها على مغادرة اليمن كانت تقول: “شعرتُ بتأكيد خاص من الله أن هذا هو المكان الذي سأعيش فيه، وسأكون سعيدة سواء كنت عازبة أم لا”، مؤكدة دائماً: “إن وجودي هنا في اليمن لسبب يعلمه الله، وهو وحده من يستطيع أن يأمرني بالعودة إلى دياري.”

“كانت لها عاطفة لا تنضب تجاه الناس، وخاصة المحتاجين منهم”، هكذا قال عنها والدها بعد موتها، مضيفاً “إنها في الجنة دون شك، لهذا لا توجد لديَّ أي مخاوف، لأننا سنراها مرة أخرى، إنها مسألة من سيصل إلى هناك أولاً”.

يتذكر “طاهر قاسم” كيف تلقى خبر مقتلها. “كنتُ مع عائلتي نقضي أجازتنا في منطقة البحيرات حين سمعت من التلفزيون خبراً عن اليمن وحادثة قتل لأطباء أجانب هناك. عندما سمعت اسم جبلة يتردد هجم عليّ الخوف وعندما عرفت أن مارثا قُتلت تسمرت في مكاني وانهمرت الدموع من عيني تحت دهشة زوجتي وبناتي.”

الطالب “غالب المقالة”، أحد سكان مدينة جبلة، قال لصحيفة الشرق الأوسط معلقاً على مقتل الأطباء: “إنها الخيانة في أكبر صورها. كانت الدكتورة مارثا مثل أمنا كلنا وكل سكان إب. الشخص الذي ارتكب هذه الجريمة قتلنا أيضاً”. أما “عبد الكريم علي”، وهو صاحب متجر في جبلة، فقد أعرب عن أن ما حدث كان “صدمة مروعة”، مشيراً أن فريق الأطباء “بأكمله كان طيباً معنا… ما كان أحد هنا ليفكر في فعل هذا”([6]).

في الاحتفال التأبيني الذي أقامته كنيسة “دالرايدا” المعمدانية في مدينة مونتغمري لمارثا، والذي حضره أكثر من 1200 شخص، تحدثت “جوانا”، شقيقة مارثا، كيف أن أختها لشدة حبها لليمن “أصبحت يمنية”، وكيف اعتبرها اليمنيون واحدة منهم، مضيفة أنها تفهم لماذا أوصت مارثا أن تدفن في اليمن فقد سمعتها مرة تقول عن اليمن: “”إذا كنتُ محظوظة بما فيه الكفاية فسأكون موجودة هنا عندما أموت”([7]).

الله واليمن
كانت مارثا واثقة من رسالتها، وكانت سعيدة بعملها، الذي تطلَّب منها ترك عائلتها وحياتها في أمريكا، ونذرت حياتها للمهمة الإنسانية التي آمنت بها كأمر من ربها. لكنها لم تكن تعلم أن الله كان قد كتب لها أن تموت في ذلك البلد الذي أحبته والذي أرسلها لتساعده، مقتولةً على يد أحد “أبنائه الطيبين” كما كانت تصفهم دائماً.

دُفنت مارثا مع “بيل كوهين”، حسب وصيتهما، في الحديقة الخلفية للمستشفى في جبلة. حدث هذا في جنازة مهيبة شارك فيها آلاف اليمنيين، رجالاً ونساء، الذين اصطفوا لمئات الأمتار خارج بوابات المستشفى لتقديم العزاء، وما يزال بعض أهالي المنطقة يقومون بزيارة ضريحيهما حتى اليوم، وقراءة الفاتحة على روحيهما.

في الطابق الثاني من مكتبة جامعة “سامفورد” يقف تمثال برونزي لمارثا في نفس حجمها صممه الفنان الأمريكي “جلين أكري”، وعلى إطار التمثال كُتبت بالعربية عبارة: “هي تحب الله”، وهي العبارة نفسها المكتوبة على شاهد قبرها في جبلة. إن من يعرف مارثا وحبها لليمن سيوافق معنا دون شك أن العبارة الأكثر تعبيراً كان ينبغي أن تكون: “هي تحب الله واليمن”.