تحقيقات وحوارات

الأربعاء - 17 نوفمبر 2021 - الساعة 08:42 م

تحليل/ نادر الصوفي:


منح التحالف العربي الداعم للشرعية اليمنية بقيادة المملكة العربية السعودية، يوم الأثنين 15 نوفمبر، تطمينات لحالة القلق التي دارت على مدى الأيام الفائتة بين الأوساط السياسية والصحفية والعسكرية اليمنية، منذ انسحاب القوات المشتركة العاملة في الساحل الغربي من مواقعها على الاطراف الجنوبية لمحافظة ومدينة الحديدة، واعادة تموضعها في المناطق التي لا ينص عليها اتفاق "ستوكهولم" الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ مطلع العام 2019. وقال التحالف في بيان أن: "اعادة انتشار وتمركز القوات المشتركة بالساحل الغربي قرار عسكري لقيادة القوات المشتركة للتحالف لموائمة الاستراتيجية العسكرية في اليمن"، مضيفاً ان الانسحابات "اتسمت بالانضباطية والمرونة بحسب ما هو مخطط له بما يتماشى مع الخطط المستقبلية  لقوات التحالف، وحتى تصبح تلك القوات أكثر فاعلية عملياتية للمشاركة في المعركة الوطنية للجيش اليمني".


وكانت القوات المشتركة في الساحل الغربي والتي تشمل "ألوية العمالقة، والمقاومة التهامية، والمقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح"،  قد نفذت يوم الخميس 11 نوفمبر، عملية انسحابات واعادة تموضع لمختلف الألوية العسكرية من طرف واحد ومن عدة مناطق واسعة في الاطراف الجنوبية لمدينة ومحافظة الحديدة، ابرزها مدينة الصالح وكيلو 16 و مجمع اخوان ثابت، ومنطقة منظر بمحيط مطار الحديدة ومجموعة قرى ومديريات ابتداء من الدريهمي وحتى التحيتا. 

وعملت القوات المشتركة على وضع الجميع في الصورة  بحسب بيان نشرته لوسائل الاعلام "تنفيذها  قرار اخلاء المناطق المحكومة باتفاق ستوكهولم الموقع في دولة السويد، لكون تلك المناطق مقيدة باتفاق دولي يبقيها منزوعة السلاح وامنة للمدنيين، ويأتي في ضوء خطة اعادة الانتشار الذي ترعاه الامم المتحدة، والذي تتمسك الحكومة الشرعية بتنفيذه على الرغم من الانتهاكات المستمرة للميلشيات الحوثية"، وقد بررت الانسحابات في انها نتيجة لـــ"لعدم اعطاء القوات المشتركة الضوء الاخضر لتحرير مدينة الحديدة، وحرمانها من تحقيق هدف استراتيجي لليمن والأمن القومي العربي، كان من شأنه ان يسرع في هزيمة الميلشيات الانقلابية".


وفي ذات الوقت أصدرت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها)، بيان صحفي مزامن لبيان التحالف العربي 15 نوفمبر قالت فيه: "تلاحظ البعثة الأحداث المتمثلة في انسحاب القوات المشتركة من مدينة الحديدة ومن مديرية الدريهمي وبيت الفقية واجزاء واسعة من مديرية التحيتا وسيطرة الحوثيين عليها، وما يترتب عليها من تغيرات كبيرة في خطوط التماس في المحافظة".

وتعبيراً  عن قلقها وفي محاولة لتلافي التطورات التي تلت الانسحابات تابعت البعثة توضيح ان "هذه الاحداث والمتغيرات تستدعي فتح نقاش بين الاطراف المعنية في اتفاق الحديدة، وتقف البعثة على أهبة الاستعداد لتيسير نقاش وفق اطار الاتفاق"، وطالبت من الاطراف المتنازعة الوفاء بالالتزامات نحو حماية المدنيين، في المحافظة والمناطق التي لا زالت تشهد تصعيد عسكري". كما دعا رئيس الفريق الجنرال جوها من الطرفين السماح "لبعثة الامم المتحدة من زيارة المواقع المثيرة للجدل بما في ذلك المناطق المتنازع عليها"، وقال جوها: "إن القدرة على اجراء تقييمات أوضح ستساعد في تعزيز دور البعثة بدعم تنفيذ الاتفاق من خلال التواصل المباشر لتهدئة الوضع الحالي".



التحالف ينهي الشك باليقين


لقد جاء بيان التحالف العربي في توقيت مناسب حيث اسهم في وقف ما اثارته عملية الانسحابات التي نفذتها القوات المشتركة في الساحل الغربي، من جدل واسع وانقساماً بين مختلف الحلفاء المتخاصمين الشرعيين، الى معسكرين؛ الأول يرتبط بمكونات القوات المشتركة، ويدعي ان التموضعات تمثل انطلاقة جديدة لتصويب مسار المعركة الأم في اليمن في مواجهة الجماعة الحوثية، وهذا ما أشار إليه بيان القوات المشتركة حيث ترى انه "من الواجب الديني والوطني الدفاع عن الجبهات الأخرى ذات الأهمية التي قد تستغلها الميليشيات الحوثية، في وقت يفرض على الجميع تقديم الدعم للدفاع عن اليمن في مواجهة أدوات ايران التي تعيث خرباً في محافظات البيضاء ومارب والجوف، واسقاط ثلاث مديريات في محافظة شبوة، وعبرها تم الوصول الى مشارف مدينة مارب".

وانطلاقاً من قناعة القوات المشتركة ان البقاء تحت رحمة قيود اتفاق ستوكهولم وتجميد طاقات وامكانيات عسكرية وبشرية يمكن استثمارها في جبهات اخرى، يمثل خطأ فادح لهذا قررت "فتح جبهات اخرى توقف الحوثيين عند حدودهم، وعلية فقد شرعت في تنفيذ خطتها التي تحدد خطوطاً دفاعية تؤمن معركة الساحل الغربي وتبقي تهامة على أهبة الاستعداد لأي تطورات قد تطرأ في الجبهات". وفي هذا السياق اعربت المشتركة عن أسفها من التضليل الإعلامي الذي استهدف "ضرب الثقة في القوات المشتركة بالطريقة والادوات التي يستخدمها خصومها بصورة متكررة والتي استخدمت لإضعاف دور الشرعية اليمنية من قبل وفاعلية المعركة الوطنية".

وهذا الخطاب الذي تضمنه البيان جاء للرد على المعسكر الأخر والمتمثل بقوى الشرعية اليمنية، الذي تمسك بموقف حاد من الانسحابات متهاما القوات المشتركة بالتخاذل امام ميليشيات الحوثي، بالتزامن مع احتدام معارك مارب والتصعيد المستمر للميليشيات الحوثي، وتعرض قوات الجيش الموالي للشرعية اليمنية لانتكاسات متوالية، مطالبين بتحركات تخفف الضغط على المحافظة، ليأتي بيان التحالف العربي منهياً هذه الانقسامات التي أضرت بوحدة الصف اليمني، وتعيد تصويب بوصلة الجهود السياسية والاعلامية والعسكرية نحو الحوثيين.

وهذه الاتهامات تصاعدت بعد تعليقات صدرت من فريق الحكومة الشرعية في لجنة تنسيق اعادة الانتشار بموجب اتفاق ستوكهولم، وتأكيده ان ما يجري "في الساحل الغربي من انسحابات للقوات المشتركة يتم دون معرفة الفريق وبدون تنسيق مسبق"، معتبراً ان "أي تقدم للحوثيين في مناطق الشرعية بمحافظة الحديدة تحت أي ظروف يعد مخالفة صريحة لنصوص الاتفاق ويعتبر خرقاً يوجب على المجتمع الدولي اتخاذ موقف واضح تجاهه".   وكذلك تصريحات نائب المتحدث باسم الامم المتحدة فرحان حق، الذي أكد ان "الأمم المتحدة لم تكن على علم مسبق بانسحاب القوات الحكومية من مناطق جنوب الحديدة، وان الامم المتحدة تراقب الوضع عن كثب للتواصل الى حقائق على الارض".



القوات المشتركة تستعيد توازنها في الساحل التهامي


على مدى الأيام التالية لعملية الانسحابات في الساحل الغربي والتي تمت بصورة مفاجئة استغلت ميليشيات الحوثي الوضع المرتبك، ورفضت الانسحاب من المناطق المنصوص عليها في الاتفاق، وقامت بشن عمليات عسكرية للسيطرة على المناطق التي انسحبت منها القوات المشتركة، وتمكنت من الوصول الى مديرية التحيتا، والمناطق الشمالية لمديرية الخوخة حيث هددت ميناء "الحيمة"، مستخدمين الصواريخ والطيران المسير المفخخ، وعلى اثر هذا التصعيد الحوثي اندلعت مواجهات عنيفة مع القوات المشتركة لليوم الرابع على التوالي، وقد تمكنت الوحدات العسكرية التهامية وألوية العمالقة من طرد عناصر الميليشيات من عدة مواقع وتدمير عديد آليات وقتل وأسر عشرات من المقاتلين. وتحدثت مصادر اعلامية عن أن "القوات المشتركة لم تعد تعنيها اتفاقية ستوكهولم التي مزقتها الجماعة بتصعيدها الاخير، وقد أصبحت الاتفاقية في حكم الميت".

ولقي اليوم الأثنين 15 نوفمبر، 20 مسلحاً من ميليشيات الحوثي مصرعهم وجرح أخرين بضربات مركزة للقوات المشتركة في الساحل الغربي، بحسب المركز الإعلامي لألوية العمالقة، الذي أكد ان "المدفعية وجهت ضربات محددة لتعزيزات وتحركات الانقلابيين شمال مدينة حيس"، وكان العميد فاروق الخولاني قائد اللواء الاول مقاومة تهامية قد اكد ان المشتركة تقدمت الى منطقة الغويرق غرب مديرية التحيتا، وذلك بعد تدخل الطيران التابع للتحالف الغربي، الذي نفذ للمرة الأولى هجمات جوية على الميليشيات منذ توقيع الاتفاق، وقال التحالف ان العمليات الجوية التي تستهدف الميليشيات تمت في مناطق خارج اطار تلك التي ينص عليها اتفاق السويد. 

وذكرت مصادر عسكرية ان العمليات العسكرية التي تنفذها القوات المشتركة ضد الجماعة ستستمر، وستشهد تصاعد خلال المرحلة القادمة، بعد بيان التحالف العربي الذي اعاد رفع المعنويات وتمساك القوات، حتى استعادة المناطق التي سيطرت عليها الميليشيات مالم تنسحب منها طواعية بحسب ما ينص عليها الاتفاق، وقد تنتقل على مواقع جديدة.


على الجانب الاخر في الشرق اليمني، شهدت محافظة مأرب معارك عنيفة بين قوات الشرعية اليمنية بإسناد مسلحي القبائل المأربية وبدعم الغطاء الجوي للتحالف العربي من جهة، ومن الجهة الاخرى ميليشيات الحوثي، واتسعت خارطة المواجهات في جبهات حريب والجوبة وجبل مراد والكسارة، تمكنت خلالها الشرعية من استعادة عدة مناطق.



التحالف العربي يعيد تصويب مسار المعارك سياسياً وعسكرياً


ويبدو ان الحراك العسكري على الارض لن يقف عند هذا المستوى حيث تزامن مع حراك في ذات المسار العسكري ولكن هذه المرة على المستوى الأعلى حيث عُقد اليوم الاثنين لقاءاً بين قائد القوات المشتركة في التحالف العربي الفريق أول مطلق الأزيمع، في العاصمة السعودية الرياض، وبين رئيس الأركان اليمني الفريق الركن صغير بن عزيز، ضمن إطار التنسيق والدعم المستمر من التحالف لتحقيق الاهداف واعادة الشرعية اليمنية. حيث قالت وكالة الأنباء السعودية "واس" ان اللقاء جاء بهدف "استعراض سير المستجدات العسكرية في الداخل اليمني  والاطلاع على الموقف العام ومختلف التفاصيل الميدانية لمسرح العمليات".


وفي سياق متصل ولكن هذه المرة على المستوى السياسي، شهدت الجبهات اليمنية الشرعية حراك سياسي واتصالات متعددة، فقد رحب الانتقالي الجنوبي بالدعوة التي وجهتها المملكة العربية السعودية لرئيس المجلس اللواء عيدروس قاسم الزبيدي، لعقد جولة مشاورات جديدة في الرياض ضمن جهود ترتيب الصف الداخلي مع الشرعية اليمنية ضمن ترتيبات تنفيذ اتفاق الرياض، ووصل اليوم الاثنين الزبيدي والوفد المرافق له الاراض السعودية منطلقاً من العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، في مساعي يعتقد انها ستثمر توافقات من شأنها إنها الخلافات المستعصية بين طرفي الاتفاق في وقت حساس تشهد فيه مناطق التماس بين الطرفين (محافظة أبين جنوب البلاد) توتراً متبادلاً على اثر تحشيد ومخاوف الطرفين من اقتراب الميليشيات الحوثية من المحافظات الجنوبية بعد التقدم المفاجئ في محافظة شبوة.

وفي ذات الصعيد ولكن منذ وقت سابق شهدت مناطق الساحل الغربي وجنوب ووسط اليمن خلال الايام الفائتة، حراكاً سياسياً ملفتاً يهدف للتهدئة بين  الشرعية اليمنية ممثلة بالسلطات المحلية والمحور العسكري في محافظة تعز المقربة من حزب الاصلاح ونائب الرئيس الجنرال علي محسن الأحمر، ومن ناحية اخرى المكتب السياسي للمقاومة الوطنية "حراس الجمهورية" التي يقودها العميد طارق صالح، المتمركزة في المناطق الواقعة على ضفاف البحر الاحمر بمحافظتي الحديدة وتعز. وتهدف كذلك إلى بناء تفاهمات واسعة تكبح الصراعات الجانبية وإنهاء التوترات السابقة لتوحيد الصف الجمهوري، ورفع وتيرة الاعمال العسكرية والتحركات الميدانية في مواجهة الميليشيات الحوثية.

وبحسب المعطيات فان جهود التقارب بين الاطراف المحلية جاءت مواكبة لاشتداد هجمات الحوثيين على محافظة مأرب شرق اليمن. ومدفوعة بالوساطة والاتصالات عبر القنوات الخلفية التي قادتها المملكة العربية السعودية بين حلفائها اليمنيين منذ مطلع العام الجاري، وقد اثمرت تقدماً ملحوظاً في جمع شتات تلك الاطراف حول الفكرة وتبادل المواقف والتصريحات الإيجابية، وايضاً بإقرار العميد طارق صالح استعداده للعمل في صف الشرعية اليمنية، التي قوبلت بإشادة رئيس الحكومة الدكتور معين عبدالملك، وترحيب المجلس الانتقالي الجنوبي، وانفتاح سلطات محافظة تعز ومحورها العسكري على تلك الدعوات.


وبين الحراك السياسي والدبلوماسي اليمني السعودي، والتطورات العسكرية والميدانية شرق وغرب وجنوب اليمن، يقف المشهد العام منتظراً  ثمار تلك التحركات، على أمل ان تفرز ديناميكية جديدة في مسار الاحداث على الخارطة اليمنية، تعيد رسم التوازنات والجهود في مواجهة ميليشيات الحوثي، وقد تكون اخر المحاولات لاستعادة زمام المبادرة لتصويب مؤشرات بوصلة الحلفاء الشرعيين المتنافسين.