كتابات وآراء


06 ديسمبر, 2020 01:28:34 ص

كُتب بواسطة : كرم أمان - ارشيف الكاتب


لايزال الجرح غائر، وما تزال عدن مكلومة، صامتة، حزينة، متألمة، نادمة ومتحسرة، على فقدان الشهيد الحي الإنسان، الرجل، الشجاع، طيب القلب، نقي السريرة، ذو الوجه البشوش، والفكر النير، والعقلية العبقرية، اللواء جعفر محمد سعد رحمه الله وطيب ثراه واسكنه الجنة مع الابرار.

ابن عدن البار، الذي احب وعشق عدن حتى الثمالة، لم تنسيه هجرته الاضطرارية، واغترابه الاجباري، ومنفاه القسري، حب عدن، فلقد ظل طيلة تلك السنوات العجاف، متلهفا لعدن، مشتاقا لجبالها وبحارها وشوارعها وازقتها واحياءها وجنباتها، متولعا بأبناها وبناتها، شغوفا لاحتضان ترابها، منتظرا اللحظة التي سيعود فيها من بريطانيا الى عدن لتعود الى جسده الروح التي تركها خلفه في عدن لأكثر من 20 عام.

لم يكن يعلم ماذا يخبئ له القدر رغم ايمانه العميق بالله تعالى وبقضاء الله وقدره، لكن ما كان يعلمه جيدا ويدركه تماما ان عدن نادته، ان عدن تئن باسمه، ان عدن تبكي بإنتظاره ليكفكف دمعتها، إن عدن تنزف مترقبة إياه ليضمد جراحها، وإن عدن تستباح متلهفة للخلاص على يديه، فلم يخلف الشهيد الحي جعفر ذلك الموعد الذي انتظره طويلا.

قاد الشهيد جعفر معركة تحرير عدن الى جانب عدد من القيادات العسكرية بمساعدة ودعم الاشقاء في دولة الامارات العربية، فكان النصر حليف عدن، بفضل من الله وتوفيقه، وحنكة ودهاء وحب وعشق هذا الرجل العظيم الذي تربطه بعدن قصة حب حقيقية غير مسبوقة، قل مثيلها.

كان يدرك رحمه الله، ان عدن لازالت بحاجة له، يعلم ان عدن تستغيث به، وتطلب نجدته، فوافق ان يتقلد منصب سياسي كمحافظا لهذه المدينة التي تتوق لأحد ابناءها ومحبيها لقيادتها والمحافظة عليها، تتلهف للتطهير وتثبيت الأمن، تتشوق لعودة الاستقرار والسكينة في ارجاءها وبين جنباتها وحواريها.

لم يدر في خلده يوما رحمه الله ان اكثر من 20 عام من الهجرة القسرية وفراق عدن، يمكنها ان تغير عدن وتركيبتها ونسيجها وثقافة واخلاق ساكنيها القدامى والجدد، فقد كان على سجيته عفويا متسامحا طيبا خلوقا محترما مع الجميع، شديدا صارما حازما وحاسما مع كل من يمس عدن او يفكر يخدش مدنيتها وجمالها وسلامها وطبيعتها وتعايشها، حاول وسعى لإعادة عدن الى وضعها ومكانتها، تحرك كثيرا في وقت قصير في سباق مع الزمن لإعادة إشراقة عدن ورسم البسمة على محياها ووجوه ابناءها، لكنه اصطدم بواقع مغاير، واقع جديد لم يألفه ولم تألفه عدن ايضا، مشاهد جديدة في عدن بعيدة كل البعد عن عدن تلك التي تركها جعفر ورسمها في مخيلته ووضعها في حدقات اعينه.

ربما تكون مسيرة الشهيد الانسان الخالد في ذاكرة عدن والتاريخ، محرر عدن وراسم بهجتها ومخلصها، اللواء جعفر محمد سعد انتهت في صبيحة يوم مظلم مشؤوم اسود في 6 ديسمبر 2015 بعملية اجرامية غادرة نكراء ارهابية اودت بحياته واصعدت روحه الطاهرة البريئة الى خالقها، لكن ذكراه وتاريخه وإنسانيته وشجاعته وأعماله وحبه لعدن، وحب عدن وابناءه له، كل ذلك ما يزال باق، وسيبقى كذلك ابدا ما حيينا، حتى يرث الله الأرض وما عليها في يوم تشخص فيه الابصار.

وفي الوقت الذي ندعو الله ان يرحمه ويتقبله مع الشهداء والصالحين، لازالت أعيينا تترقب القصاص في الدنيا من قتلته وكشفهم للملأ، مؤمنون بقضاء الله وقدره وقوله الحق في كتابه الكريم: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا". صدق الله العظيم

* كرم أمان