كتابات وآراء


28 فبراير, 2021 11:45:50 م

كُتب بواسطة : د. محمد جعفر قاسم - ارشيف الكاتب


يعتقد الكثيرون من القضاة وعامة الحقوقيين أن الدستور اليمني وقانون السلطة القضائية حقق لليمن تطورا هائلا يطمح إلى تحقيقه أقرانهم في بلدان عربية أخرى، ذلك لأنهما وخاصة بعد التعديلات التي طرأت عام 2013 على قانون السلطة القضائية اليمني قد جعلا النيابة العامة تتسم بصفة قضائية محضة وحسم موضوع تبعيتها للسلطة التنفيذية.

فهل حقا تتمتع النيابة العامة اليمنية بصفة وحيدة تتسم بالاستقلال القضائي؟

للإجابة على هذا السؤال من المفيد أن نعود إلى الوراء قليلا وإلقاء الضوء على كيفية ظهور المبدأ الدستوري القاضي بالاستقلال القضائي والإداري والمالي للسلطة القضائية.

خلال النصف الأول من العقد الأول لقرننا الحالي الواحد والعشرين كنت أشغل في صنعاء وظيفة وكيل وزارة العدل للشؤون الفنية، وحينذاك كانت الجهات القضائية العليا في بلادنا تناقش مسألة المركز القانوني للنيابة العامة ومدى خضوعها لوزير العدل.

وبناء على طلب وزير العدل آنئذ، قمت بإعداد ورقة سرية حول المركز القانوني للنيابة العامة ومدى استقلالها عن وزير العدل، تناولت فيها هذه القضية التي كانت وما زالت ترتدي أهمية كبرى على الصعيدين السياسي والقانوني، نظرا لأن أعمال وتصرفات النيابة العامة لها صلة واضحة بالسياسة العامة للدولة وعلى وجه الخصوص سياستها الجنائية من ناحية، وارتباط واضح بالسلطة القضائية خاصة عند قيامها بالتحقيق في الجرائم.

وفي تلك الورقة السرية تطرقت إلى النقاشات الساخنة التي عصفت بالساحة السياسية والأوساط القضائية في فرنسا، خلال النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين وبداية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، التي أدت إلى انقسام كبير جدا بين الأوساط السياسية والقضائية والقانونية حول هذه القضية. وهو الأمر الذي استدعى كل من رئيس الجمهورية ومجلس الشيوخ الفرنسيين إلى تكوين لجنتين لكل منهما بغرض دراسة هذه القضية وتقديم توصياتها لهاتين الجهتين التنفيذية والتشريعية، خاصة وأن بعض الأصوات كانت قد ارتفعت للأخذ بالنظام الأمريكي للمدعي العام والدعوة إلى جعل النيابة العامة الفرنسية تتسم بالصفة الإدارية المحضة دون منحها أية سمة قضائية.

وخلال عمل هاتين اللجنتين تم أخذ آراء ستة وزراء عدل سابقين وآراء القضاة ورجال النيابة العامة بمختلف درجاتهم، إضافة إلى آراء منظمات القضاة الفرنسيين النقابية ونقابة المحامين. وقد رأس لجنة مجلس الشيوخ رئيس محكمة النقض.

ومن الملاحظ أن الرؤساء الأوائل لمحاكم الاستئناف الفرنسية قد نادوا بإعطاء قضاة الحكم وضعية مستقلة عن رجال النيابة العامة، خلافا لرأي القضاة الآخرين الذين نادوا بوحدة قضاة الحكم وقضاة النيابة وعدم التمييز بينهم.



ومن الجدير بالتنويه إن استطلاع آراء وزراء العدل السابقين والقضاة وأعضاء النيابة العامة قد أظهر اتفاقهم جميعا على بقاء دور لوزير العدل، ولكنهم من ناحية أخرى اختلفوا كثيرا في تحديد طبيعة ومدى وحدود دور وزير العدل.

وفي بلادنا تم التطرق إلى قضية تحديد المركز القانوني للنيابة العامة في دولة الوحدة قبل نشوب حرب عام 1994 ببضعة أسابيع، وكانت محورا لنقاش ساخن ساد أوساط الأحزاب السياسية وأوساط القضاة ورجال النيابة والمحامين. وقد اتفقت الأحزاب السياسية سواء تلك التي كانت في سدة الحكم أو المعارضة على مسودة دستور جديد لدولة الوحدة تم نشره على نطاق ضيق.

فنصت تلك المسودة على منح النيابة العامة الصفة الإدارية وجنحت إلى جعل المدعي العام عضوا في مجلس الوزراء، وإن كانت قد منحت النيابة العامة الصفة القضائية على سبيل الاستثناء عند قيامها بالتحقيق في الجرائم. ومن ناحية أخرى اتبعت المسودة في تنظيمها للقضاء النهج الأمريكي، الذي يتسم بمبدأ وحدة القضاء تمثل بالنص على وجود محكمة عليا واحدة تشمل اختصاصاتها كل الأمور القضائية العادية والدستورية والإدارية، وبالتالي رفضت تلك المسودة النهج الفرنسي في التنظيم القضائي الذي يمتاز بتعدد جهات القضاء من عادي وإداري ودستوري، كما أنهت تبعية النيابة العامة لوزير العدل.

وقد جاءت هذه المسودة في ظرف اتسم بالاحتقان الشديد على الصعيد القضائي الذي سبق حرب عام 1994، الأمر الذي حدا بالقضاة إلى عقد مؤتمر تأسيسي للمنتدى القضائي دعا إلى إنهاء التفرقة بين قضاة الحكم ورجال النيابة العامة ونادى بانتمائهم جميعا للسلطة القضائية التي اقترح منحها الاستقلال القضائي والإداري والمالي وعدم التمييز في المعاملة المالية بين القضاة ورجال النيابة العامة الذي كان سببا رئيسيا لشكوى أعضاء النيابة العامة. وقد تناولت جميع هذه المواضيع في ورقة أخرى سرية رفعتها للجهات القضائية العليا تحت عنوان الاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية.

وإنني على يقين تام لكوني مشاركا في ذلك المؤتمر التأسيسي إن أيا من أعضائه الذين نادوا بالاستقلال القضائي والمالي والإداري للقضاء كان قد أدرك طبيعة وأبعاد هذا الاستقلال الثلاثي أو اطلع على التنظيم القضائي الإيطالي الذي يأخذ بهذا الاستقلال الثلاثي وآثاره القانونية في نبذ صلاحية النيابة العامة في ممارسة غلق الملف تبعا لصلاحيتها المستمدة من مبدأ جدوى الملاحقة الجنائية وأخذه بمبدأ قانونية الملاحقة الجنائية الذي يقضي بملاحقة كل من ارتكب جريمة دون استثناء لأي كان أو لأي نوع من الجرائم، ومن ناحية أخرى ألغى المشرع الإيطالي قاعدة التسلسل الإداري التي تحكم نشاط وتصرفات النيابة العامة وجعل تصرفاتها تتم وفقا لمبدأ الاستقلال التام على نحو مطابق لاستقلال قضاة الحكم.

وقد تبنت التعديلات الدستورية التي تمت في عام 1994 في أعقاب الحرب المذكورة مبدأ الاستقلال الثلاثي للسلطة القضائية واستمر ذلك في التعديل اللاحق حتى اليوم.

وردا على تساؤلنا حول حقيقة الصفة القضائية المحضة للنيابة العامة، نرى المشرع اليمني يتخبط عند تناوله لهذه القضية تخبطا لا تخطئه العين. فهو من ناحية ينص في الدستور على استقلال النيابة العامة باعتبارها هيئة من هيئات القضاء، وبالتالي يستتبع ذلك القول بأنها تتمتع بنفس المركز القانوني المستقل الذي يتصف به قضاة الحكم. وهذا ما لم يفتر رجال القضاء والنيابة العامة من ترداده مرارا وتكرارا.

ولكن الحقيقة إن النيابة العامة تتمتع بالصفتين الإدارية والمالية وفقا لقانون السلطة القضائية حسب تعديلات 2013 ووفقا للقانون الشطري في الشمال لعام 1977، الذي لا يزال يطبق منذ العام 1990 حتى اليوم على النيابة العامة في كل أنحاء الجمهورية. فمن ناحية تتمتع النيابة العامة بالصفة القضائية وفقا للدستور وتعتبر هيئة من هيئات القضاء ولكنها من ناحية أخرى تتصف بالصفة الإدارية لاتباعها قاعدة التسلسل الإداري.

ويعود سبب هذا التخبط إلى عدم الوضوح الفكري عند تنظيم المشرع اليمني للمركز القانوني للنيابة العامة والأخذ بالشيء ونقيضه في نفس الوقت. ففي الوقت الذي يصر الدستور على منح الصفة القضائية المستقلة للنيابة العامة اتباعا منه لنهج المشرع الإيطالي نرى القانون اليمني ينسف استقلال النيابة العامة ويقضي عليه قضاء مبرما بنصه على إخضاعها لقاعدة التسلسل الإداري وتسييسها بمنحها سلطة إغلاق الملف وتقدير جدوى الملاحقة الجنائية اتباعا منه لنهج المشرع الفرنسي. وأرى أن نستقر على نهج واحد في تنظيم المركز القانوني للنيابة العامة حتى نتفادى أي تخبط في الممارسة العملية لتصرفات وأعمال النيابة العامة.

"ويهمني في هذا الصدد التأكيد والتشديد، عند مناقشتنا لقضية اختيار النهج الموحد على الصعيدين الدستوري والقضائي لتنظيم المركز القانوني للنيابة العامة في بلادنا، أن نضع

نصب أعيننا إيجابيات وسلبيات كل من النهجين الفرنسي والإيطالي.

فمن ناحية يتميز النهج الفرنسي بأن الأخذ به لا تترتب علية أعباء مالية إضافية، لأنه لا يستلزم إجراء زيادة ضخمة في أعداد قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة، بفضل اتباعه لمبدأ جدوى الملاحقة القضائية وصلاحية النيابة العامة في غلق الملفات. ولكن مقابل هذه الميزة الواضحة للنهج الفرنسي إلا أنه يكتنفه عيب خطير يتجسد في إمكانية تغلغل المحاباة والرشاوي أي بعبارة واحدة إمكانية تغلغل الفساد في أوساط النيابة العامة بسبب إمكانية سوء استخدام سلطة جدوى الملاحقة القضائية وإغلاق الملفات وبالمقابل يتميز النهج الإيطالي بحصر إمكانية الفساد في نطاق ضيق، نتيجة لأخذه بمفهوم قانونية الملاحقة الجنائية وعدم إغلاق أي ملف جنائي. إلا أن تطبيقه من ناحية أخرى يتسم بسلبية واضحة تتجلى بأنه يستدعي القيام بزيادة عدد أفراد قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة ومن يتبعهم من الإداريين أضعافا مضاعفة، الأمر الذي سيثقل كاهل الموازنة العامة للدولة بنفقات كبيرة جدا قد لا تتمكن الدولة من توفيرها.

وهكذا نرى أن اختيار احد هذين النهجين يستلزم إجراء توازن دقيق ودراسة مكثفة نظرية وعملية في آن واحد تحدد سلبيات ومحاسن كل منهما، على ضوء تجربتنا التاريخية في هذا المجال والدروس المستخلصة منه، بحيث نتمكن من إيراد وسّن نصوص دستورية وقانونية واضحة تتلافى عيوب النصوص الحالية ونأخذ بمحاسن كل من النهجين".

واليوم لا أرى مبررا يقضي باستمرار إضفاء السرية على تلك الورقتين التي أعددتهما حول المركز القانوني للنيابة العامة والاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية، خاصة ونحن مقبلون على مرحلة جديدة سيتم فيها إعادة النقاش حول تنظيم سلطات الدولة، سواء وفقا لقرارات مؤتمر الحوار الوطني ووفقا لمشروع الدستور المعد طبقا لها، الذي يأخذ بالدولة الفيدرالية من ستة أقاليم أو إقليمين، أو الأخذ بشكل الدولتين المستقلتين أو تم الأخذ بالكونفدرالية من دولتين اتحاديتين.



عن صحيفة الأيام اليوم الأحد