كتابات وآراء


06 مايو, 2021 04:00:58 م

كُتب بواسطة : نزار أنور - ارشيف الكاتب


1- لا وجه للمقارنة بين ما كان يتمتع به فرعون وقومه من قوة و نفوذ في الأرض و ما كان عليه حال بنو إسرائيل في ذلك الزمان ومع ذلك مجرد رؤية في المنام أربكت حسابات الملك الطاغية و غيرت أحواله كثيرا.... هكذا هو حال الطغاة مع الضعفاء و المستضعفين دوما مجرد صوت يجهر بالحق حتى و ان كان منفردا او وحيدا يربك حساباتهم و يقض مضاجعهم لا لشيء و إنما لأنه صوت حق أمام سلطان او ملك جائر.

2-لنا يتركك من خلقك تواجه الظلم وحدك حتى و ان وقع عليك فعله و بطش بك.... طال الزمن أم قصر سيجبر الخالق كسرك و يشفي صدرك... فقط توكل عليه و افعل ما يرضيه و تراه صوابا بعد أن تعقلها في رأسك و تتوكل على خالقك .... حدث ذلك مع أم موسى و ضرب الله لنا في قصتها أعظم الأمثال ....فتصور أن تترك والدة ولدها في صندوق و تسلمه الى بحر 🌊 .... لا يعلم أحد وجهته غير خالقه فقط لأنها سلمت لأمر ربها لها و آمنت به.... فأعاده الله الى أحضانها بعد أيام سالما آمنا معافى.. بعد أن كادت أن تبدي به من خوفها و قلقها عليه...فأقر الله عينها و طمئن فؤادها الذي ظل فارغا منذ فراقه بعودته الى حجرها من جديد .... ما أعظم التوكل و ما أجل من تتوكل عليه.... سبحانك ربي سبحانك ...

3- الإنسان السوي صاحب الفطرة السليمة لا تغيره الأحداث و الظروف... حتى و ان تغيرت أحواله و ظروفه و تغير محيطه... موسى عليه السلام ربى في قصر فرعون و نشئ فيه لكنه ظل هو موسى فتى من بني اسرائيل و حينما واجهه أول امتحان حقيقي ليمحص الله ما بداخله و استنصره المظلوم الضعيف الذي من شيعته على أحد الرجال من القوم اللذين ربى في كنفهم و أكل من خيرهم لم يمنعه ذلك من نصرة الحق و منع الظلم أن يقع و لم يقل لست معنيا بالأمر او فكر حتى في قرارة نفسه أنه اليوم لم يعد رجلا من بني اسرائيل بل صار أحد أشراف قوم فرعون و أقربهم منزلة... فنسي موسى كل ذلك و لم يفكر به و هرع مسرعا لنجدة الرجل الضعيف المظلوم من بني اسرائيل دون أن يضع اعتبارا لكل ما حدث معه و ظل موسى رجلا من قومه ينتمي اليهم له مالهم و عليه ما عليهم... لم يكن أبدا هذا الأمر بالهين على موسى لذلك جعل الله منزلته من أولي العزم من الرسل... المواقف و الأفعال وحدها هي من تصنع الرجال و تحدد مكانتهم و منازلهم لااااا الأقوال و الشعارات...

4- لم يكن موسى عليه السلام حين قرر الخروج من موطنه و الاتجاه صوب مدين بالجبان لكنه كان خائفا من بطش القوم به و كان يعلم أن لا طاقة له بهم فقرر الرحيل إلى مكان آمن حتى يغير الله أحواله ثم يعود من جديد الى مهد ولادته.... تعلمنا هذه القصة أن هناك فرق بين الخوف و الجبن فالخوف في أوقات قد يصيب أشجع الرجال و أشدهم بئسا ربما ... بينما الجبن هي صفة ملازمة لصاحبها فتراه يخشى كل شيء و يفر من مواجهة اي شيء في كل حين... بل فهمنا من قصة موسى عليه السلام أن على المرء حينما يرى أن لا طاقة له بمواجهة عدوه عليه أن ينسحب حتى يصبح جاهزا و مستعدا لتلك المواجهة و أن من الحماقة بمكان أن يفعل عكس ذلك ولا يعد ذلك جبنا او ضعفا بل حكمة و حنكة....

5- ينتصر المرء لقضاياه حينما يكون مؤمنا بها و بعدالتها ايمانا عميقا و راسخا مهما كانت الظروف المحيطة به... موسى عليه السلام لم يكن معه سوى هارون أخيه واجه فرعون و ملئه و سحرته و انتصر في معركته معه لأنه أدرك بأن مفاتيح النصر تكون في الإيمان بالعدل و نصرة الحق و أن الناس جميعا سواسية لا فرق بينهم ... فحينما استنصره الذي من شيعته في أول مرة نصره موسى.... و حينما فعل ذلك في المرة الثانية قال له موسى : ((انك غوي مبين)) لم يقل سأقاتل معه على الحق او الباطل او انصره ظالما و مظلوما لااااا... فقد نصره مظلوما حينما بطش موسى بمن ظلمه... و نصره ظالما حينما أوقفه عن ظلمه و ارتكابه الحماقات.... لم يعد ذلك يحدث كثيرا في هذا الزمان... لذلك لا نرى قضايانا العادلة تنتصر لأننا نتظالم فيما بيننا....

6- ما أروع ذلك الحوار الذي دار بين سيدنا موسى عليه السلام و بين فرعون و ما أبلغ حجته و أقواها... فبرغم اختلاف الظروف و اختلاف موقع المتحاورين و برغم أن فرعون لم يكن ايضا ذلك الرجل القليل الحجة و الحيلة الا أن سيدنا موسى و أخاه هارون تمكنا من أن يحققان ما أتيا لأجله سأترككم لتتابعوا الحوار الذي دار بينهما و أنا معكم لكن قبل أن ينشأ ذلك الحوار بين الطرفين فقد اوصى الله موسى عليه السلام هو و أخيه هارون وصية فقال لهما : {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى[43] فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[44] } سورة طه
ذهب نبي الله موسى و معه أخيه هارون فدخلا على فرعون قصره و أمام ملئه قالا له :

{وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف104_ 105].

قال فرعون :{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} [ طه 49]

قال موسى : {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه 50].

قال فرعون لمن حوله ساخرا مستهزئا بكلام موسى عليه السلام : { قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) }

فلما وجه فرعون خطابه لملئه رد عليه سيدنا موسى عليه السلام بأن وجه خطابه لنفس الملئ قائلا لهم : { قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (28) }

حينما شعر فرعون بالخوف من تأثير خطاب موسى على ملئه عاد ليوجه خطابه لموسى عليه السلام و لكن هذه المرة بطريقة اخرى مختلفة عن سابقتها فقال : { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) }

حاول فرعون في خطابه هذا أن يؤثر على موسى بأن يذكره بصنيعه معه في طفولته و احسانه له بتربيته و من ثم مقابلة موسى لذلك الصنيع بقتله أحد جنود فرعون و قومه في محاولة من فرعون لتأثير على موقف موسى و اضعاف حجته و تخويفه بتذكيره بالفرار من العقوبة فما كان من موسى الا أن قال له : { قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) }

يالله... ما أقوى الحق و منطقه... انظروا الى ذلك الرجل الأثرم كيف يرد على ملك ملوك زمانه فقال له : نعم لا أنكر فعلتي و لا بطشي بصاحبكم و انا من الضالين و فراري منكم لما خفت تأمركم بي و بطشكم لكنني ها آنذا عدت اليكم بعد أن وهب لي ربي حكما و جعلني من المرسلين... ثم أتبع حديثه لفرعون بقوله : هل تمن علي يا فرعون أنك لم تستعبدني كما استعبدت بني اسرائيل و اضطدتهم و أنك لم تقتلني كما قتلت أطفالهم...

حينها شعر فرعون أن محاولته في التأثير على خطاب موسى و حجته بالتذكير بالماضي لم تجدي نفعا معه فأتجه صوب التهديد و التخويف و الوعيد فقال له : { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) }

قال موسى : { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ (30) }

قال فرعون : {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)}

كان لابد أن يأتي موسى بآية تعجز فرعون و أصحابه و تلجمهم جميعا فلما كان زمن ذلك الملك قد اشتهر بالعلم و الحضارة و ازدهار أمر السحر و الكهنة كانت الآيات التي جاء بها نبي الله موسى تحاكي ما يعرفه الناس في ذلك الزمان :

{ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) }

انبهر فرعون لما رآه من الآيات و إشتط غضبا فقال لقومه هو يخاطبهم كالمجنون : { قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (48) )) }

هكذا انتهى حوار سيدنا موسى عليه السلام و أخيه هارون مع فرعون و ملئه و سحرته... حوار حمل بين جنباته الكثير من الدروس و العبر لمن أراد أن يعتبر.
#نزار_أنور