كتابات وآراء


13 مايو, 2022 11:45:55 م

كُتب بواسطة : د. محمد جميل ناجي - ارشيف الكاتب


بعد استقلال اليمن الجنوبية (الديمقراطية) في نوفمبر ١٩٦٧م، دخلت الدولة الناشئة في اتون الصراعات الدولية و الإقليمية واصبحت جزء من هذا الصراع، خصوصا مع انقسام العالم بين دول الغرب الراسمالي ودول المنظمومة الاشتركية.

وفي اطار هذه العرض ومن خلال كتاب من يجرؤ على الكلام للعضو الكونجرس الأمريكي السابق بول فندلي سوف استعرض فترة كانت قاسي جدا على الشعب في جنوب اليمن، إلى جانب محاولة الولايات المتحدة الأمريكية فتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات اليمنية (الجنوبية) مع النظام في تلك الفترة، ومن خلال حادث القبض على اد فرانكلين الذي أدين بالتجسس وحكم عليه بالسجن الانفرادي مدة خمس سنوات في عدن، ووفقا ل فرانكلين انه اضطر إلى دخول عدن بسبب انه كان عائد من إثيوبيا إلى مركز عمله في الكويت الذي يعمل فيها مدرس، عندما أمرت الطائرة بتغير مسار هبوطها وبالفعل هبطت في عدن، ونتجية لتأخير في رحلة الخروج من عدن قام فرانكلين بممارسة هواية التصوير في أماكن متعددة من عدن من غير علم بالتحذيرات المحلية.

ونتجية لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين اليمن الديمقراطية والولايات المتحدة الأمريكية منذ ٢٢ يونيو ١٩٦٩م طلبت من عبدالله الاشطل سفير عدن لدى الأمم المتحدة بالالتماس الإفراج عن فرانكلين وجاء الرد سريع بعد اسبوعين بالترحيب للقيام بزيارة عدن.

وبالفعل عقدت العزم في مارس ١٩٧٤م على السفر، وكان من حسن حظي ان استلمت رسالة من هنري كسينجر رحب فيها بمهمتي الانسانية.

وبناء على نصحية من صديق مصري حملت معي ثلاث منح دراسية من ثلاث كليات في جامعة ايلنوي لاقدمها لعدن، إلى جانب عدد من الكتاب.

وصلت عدن وتم ترتيب استقبالي في شقة تطل على ميناء عدن كانت منزلا لقائد سلاح الجو البريطاني.

وتم السماح لي بالزيارة فرانكلين الذي بدا ظامرا هزيلا بعد ان مضى ١٦ شهر في الاعتقال، وأكد لي فرانكلين ان نفسه تعاف الطعام الذي يقدم له، وانه لم يسمح له بالورق والقلم، وقال لي اني احب العالم العربي وربما شغلت وظيفة في السفارة الأمريكية اذا عادت وفتحت أبوابها في يوم من الايام.

وفي صباح السبت حضر إلى شقتي وزير الخارجية مطيع، حيث تباحثنا مطولا في العلاقات الأمريكية اليمنية وكان الموضوع الرئيس القضية الفلسطينية وأتهم مطيع الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة السعودية على إثارة الشغب على طول حدود اليمن الديمقراطي، وقال لي مطيع ان الماضي لم يكن حسنا، غير أن الحاضر يبدو افضل، ونحن بحاجة إلى دليل جوهري على الصداقة، فنحن مثلا في حاجة إلى مساعدة لشراء القمح.

وقد استقبلني الرئيس سالم ربيع علي داخل مقره المحاط بحراسة شديدة، وهو رجل مديد القامة، قوي البنية في الأربعين من العمر، اسمر البشرة، كان يتكلم بصوت ناعم، ويلمع سناه الذهبيتان كلما انشق فمه عن ابتسامة رقيقة.

وبعد تبادل التحيات والهدايا، شرحت للرئيس رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في إعادة العلاقات الدبلوماسية.

فرد على الرئيس سالمين ان عدن هي مثل متألق للجمهورية، اما المناطق الأخرى من بلادنا فوضعها مختلف جدا وسكانها فقرا، وهنا كدت اغص بريقي إذ لم أشاهد غير عدن، وقد هالني الفقر المدقع الذي يعيشه هذا المثل المتألق. فكيف تكون الحال إذن في الأماكن الأخرى.

وقال الرئيس سالمين ان حكومته تبدل كل الجهود لمكافحة الفقر، ولكن تعرقل جهودها أعمال تخريبية من الدول المجاورة وقال لي أن شعب بلادنا يعتقد ان كل المآسي وكل الأضرار الناجمة عن الأعمال التخريبية هي في الحقيقة من صنع أمريكا.

وقال سالمين اني احبذ إقامة علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية ولكن يجب أن تكون ذات علاقة بالأمور التي يشكو منها شعبي الان، وأضاف ان عدن لا ترغب في الانعزال عن الولايات المتحدة الأمريكية.

وشكرني الرئيس سالمين على الهدايا، ثم قال لي اما بخصوص السجين فاعلمت باهتمامك به، بوسعك الان ان تأخذه وقت ماتشاء.

كدت لا أصدق ما سمعت، فرانكلين حر طليق، وفي الساعة السادسة من صباح اليوم التالي كنا معا على متن الطائرة المتجهة إلى لبنان.

وفي زيارتي التانية إلى عدن وقبل ان اصل إليها قابلت الأمير فهد في يناير ١٩٧٨م الذي حبذا جهودي في عدن وطلب مني أن أبلغ المسؤولين فيها ان المملكة السعودية مستعدة لاستئناف مدهم بمساعدت الاقتصادية.

وأثناء المقابلة مع الرئيس سالمين قلت له ان بعض الخبراء يقولوا انكم سمحتم للسوفيات بإقامة قاعدة بحرية. فاعترض بشدة وقال هذا غير صحيح فنحن لا نسمح للسوفيات او اية دولة اجنبية باقامة قاعدة عسكرية في اراضينا، الا اننا نتعاون مع السوفيات لانهم يساعدوننا، وحملنا رسالة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هي تحيات للرئيس الأمريكي جمي كارتر وتعلمه فيها اننا تواقون للاحتفاظ بعلاقات ودية بين اليمن الديمقراطي والولايات المتحدة الأمريكية.

وقد صدق كارتر في وعده، حيث رتب فريق من موظفي وزارة الخارجية زيارة إلى عدن في يونيو ١٩٧٨م لإجراء محادثات استطلاعية والبحث بطريقة لا التزامية في استئناف المفاوضات الدبلوماسية، وكان المفروض ان يستقبل الفريق الأمريكي الرئيس سالمين، ولكن فات الأوان فقد قرر الماركسيون في عدن التحرك، إذ اقلقهم سعي الرئيس سالمين لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، فاستولى اليسار التشدد على طائرات مقاتلة وقصفوا مقر الرئاسة واستولوا على الحكم واعتقل الرئيس سالمين وتم اعدامه رميا بالرصاص.

وبدأت بعد ذلك مرحلة جديدة من الفوضى في اليمن الديمقراطي، دون أن تعود العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية الا بعد الوحدة اليمنية في ٢٢ مايو ١٩٩٠م.



د محمد جميل ناجي أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية المشارك جامعة عدن

المرجع كتاب بول فندلي

صفحة (17_23).