آخر تحديث للموقع : الجمعة - 01 يوليه 2022 - 01:15 ص

كتابات واقلام


الدولة الحلقة الضائعة في ازمة اليمن ومعضلات الحلول خارج المنطق

الأربعاء - 22 يونيو 2022 - الساعة 10:47 ص

قاسم عبدالرب عفيف
الكاتب: قاسم عبدالرب عفيف - ارشيف الكاتب


يولي العالم والاقليم اهتمام بالغ بالازمة اليمنية بل وانخرط منذ البداية في معالجتها وكما ان عدد من الدول عينت مبعوثين خاصين لها اضافة الى مبعوثين الامين العام للامم المتحدة ولا اعتقد على طول الفترة وهذا الكم من المبعوثين لم يفطنوا اين تكمن المشكلة واين مفتاح الحل فالدولة هي الحلقة الضائعة في اليمن.

منذ ان سقطت الامامة من الحكم بانقلاب سبتمبر وجاءت الجمهورية لم تستطع ان تخضع القبائل لادارتها وبعد ثمان سنوات حرب اهلية اتفق المتصارعون بان يتقاسموا السلطة واقصاء عائلة ال حميد الدين ونتج عن ذلك تحالف القبيلة مع الطوائف الدينية لادارة الجمهوريه بالارث القبلي الضارب في القدم ذات المرجعية الدينية المركبة…… فالقبيلة هي التي خرجت من حرب الثمان سنوات منتصرة (62-70) توازرها ممثلي الطوائف الدينية التي تمنحها الغطاء الديني لافعالها عبر اصدار الفتاوى عند الضرورة لاخضاع عامة الناس لارادتها.

المحاولة الجادة لبناء دولة فيً شمال اليمن كانت من قبل الرئيس الحمدي لكن لم يكتب لها النجاح بسبب قتله بطريقة بشعة قبل يوم من زيارته لعدن وبعدها تم تكريس نظام الغلبة فيه للقبيله التي تختزن اسواء ما فيها من ثارات وعادات بالية وعدم قبول سلطة الدولة المدنية وفي وقت لاحق وتماشيا مع ما كان يجري في الجنوب وخاصة بعد توقيع اتفاق الكويت في مارس من عام 79 م وفي بداية الثمانينات من القرن الماضي تم انشاء الموتمر الشعبي العام كمظلة سياسية لذلك التحالف وانخرطت فيه قوى مختلفة تلتقي معهم او تشاركهم نفس الاتجاه ومع ذلك لم يتغير شيىء على الاطلاق بل زاد من دور مبالغ فيه للقبيله اكبر مما تستحق واضافة الى سيطرتها على السلطة تم احكام سيطرتها على المقدرات الاقتصادية للبلاد وسخرتها ليس من اجل التنمية بل تحولت الى جيوب ممثلي ذلك التحالف وحتى تم تحجيم البيوتات التجارية المعروفة عبر استخدام نفوذهم في السلطة وتحول اقطاب السلطة بين ليلة وضحاها الى تجار كبار يسيطرون على افرع التجارة كما ان تقارير المنظمات الدولية تشير بان المساعدات والقروض التي تقدم للبلاد لم تذهب الى مكانها الصحيح وانما تذهب الى جيوب المتنفذين وتستقر في المصارف الدولية .

الطريق الى بناء دولة مدنية دولة النظام والقانون دولة المؤسسات في هضبة صنعاء لا زال طويلًا ومعقداً وخلال العقود الستة الماضية فشلت بل تعثرت كل محاولات البناء والشواهد على ذلك كثيرة ومتعددة ومن اهمها سيطرة ذلك التحالف على السلطة التي كبحت كل محاولات التغيير وكذا ظروف التخلف كانت اقوى من كل المحاولات التي اصطدمت بحاجز الصد الكبير المتمثل بالنزعة القبلية المتلبسة بالدين مجتمعة ومتحالفة والتي استمدت مرجعيتها من الية نظام الحكم الامامي المتخلف وظلت متمسكة في العادات والاعراف والتقاليد البالية الممتدة الى القرون الوسطى ولم تاخذ من المدنية الا ما يناسب مصالحها ويخدم توجهاتها وخلال تلك العقود كانت تزرع الفتن الداخلية وتقفز من ازمة الى اخرى ًومن حرب الى حرب اخرى وتعتقد بان هذه هي امثل الطرق للاستمرار في الحكم وادارة البلد ساعدها في ذلك العامل الاقليمي والدولي الذي كان يعتبر احد الركائز الاساسية الذي امدها باكسير الحياة للاستمرار . بهذه الوضعية من خلال الدعم الذي قدم لها تحت ذرائع مختلفة وكان هناك تخادم بينهما وخاصة في ظروف الحرب الباردة والتي سخرت لوأد اي تحديث او اصلاح بنيوي في ادارة الدولة اليمنية واستمر الوضع حتى بعد انتهاء الحرب الباردة.

دخلت دولة الجنوب في وحدة مع نظام صنعاء على امل ان يحدث تغيير جذري في ادارة الدولة وتحديث اليات عمل المؤسسات وتحقيق العدالة والديمقراطية وابعاد هيمنة الاعراف والتقاليد القبلية والدينية المعيقة لمسار الدولة المدنية وتعزيز المواطنة المتساوية امام النظام والقانون والغاء التمايز بين الطبقات باعتبار اعراف القبيلة وتقاليدها البالية لا يلتقي مع خط بناء الدولة المدنية وانما يسيران في خطين لا يلتقيان على. الاطلاق ومن الصعب التوفيق بينهما ومع الاسف لم يتغير النهج السابق للحكم في صنعاء بل عملوا منذ اليوم الاول للوحدة على توزيع الادوار فيما بينهما بهدف احتواء الانجاز الوحدوي وتسخيره ليسير وفق النهج المرسوم من قبلهم وتم انشاء فرع حزب الاخوان المسلمين في اليمن تحت مسمى حزب التجمع. اليمني للاصلاح واسندت اليه مهمة معارضة كل ما اتفق عليه بتشجيع وتنسيق مع الموتمر الشعبي العام ( العودة الى مذكرات الشيخ عبدالله الاحمر ) واصبح الخلاف الاساسي بين الجنوب والشمال حول بناء الدولة ومع الاسف سار تطور الاحداث نحو شن حرب على الجنوب لاخضاعه والغاء الشراكة بين الجنوب والشمال وكان بالامكان تلافي هذه الحرب لو وجدت دولة محترمة ولديها مؤسسات ديمقراطية وكل المسائل المختلف حولها فيما يتعلق ببناء الدولة يمكن حلها عبر الموسسات القانونية.

بعد احتلال الجنوب كان اول عمل قام به ذاك التحالف ان شلح مؤسسات الدولة الجنوبية وسّرح عشرات الالاف من الموظفين العسكريين والمدنيين وبسط الية وادارة نظام الجمهورية العربية اليمنية على كامل الجنوب وتم انتزاع ملكيات الدولة الجنوبية والملكيات الخاصة من الجنوبيين وتوزيعها على امراء الحرب الذين اشتركوا بالغزو وتم تقسيم البحر الى قطاعات وتوزيعه ولَم تسلم القطاعات النفطية ايضا تم توزيعها دون خجل باعتبار انهم مالكي الارض بما فيها ولا توجد اي سلطة في العالم تحول ثروات البلد الى ملكيات شخصية ينتفع فيها عدد محدود من المتنفذين غير في اليمن وهذه التصرفات تؤكد على غياب دولة المؤسسات تماماً.

لهذا فشلت الوحدة لان دولة الجنوب لم تجد امامها شريك محترم ودولة في صنعاء تتوحد معها وانما وجدت نفسها واقعه في الثقب الاسود واخذت على حين غره وتحولت الى اشلاء لكنها لا زالت محفورة في ذاكرة الجنوبيين يتطلعون الى اليوم الذي يستعيدون فيه كرامتهم .

لم يستطع التحالف الحاكم الذي غزا الجنوب ان يصمد ولكنه تبعثر وانفجر من داخله بسبب التخمة ولم يستطع هضم اللقمة الجنوبية التي حنبت في حنجرة النظام وتحول الى صدامات على السلطة والثروة وكاد الوضع يخرج عن السيطرة ولكي يتم الحفاظ على ما هو موجود تدخل الاشقاء في دول الخليج لردم الهوة بين اطراف الحكم في صنعاء ووضعت المبادره الخليجية التي عبرها تم نقل السلطة من فريق الى اخر وتولت الامم المتحدة الاشراف على حوار وطني وانتجت مخرجات ومن اهمها النية في بناء الدولة اليمنية القادمة ولكن كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون لان تلك المخرجات ان تم تمريرها ستفقدهم السيطرة الكاملة على السلطة والثروة لذا لم تقبلها الاطراف المتنازعة على السلطة وحسب ولكن ايضا الطرف الجديد القادم مِن مران الذي يحمل مشروعه الخاص الذي وجدها فرصه لتحقيق اختراق قوي على الارض وهنا توزعت الادوار فريق تحالف مع الحوثي وتسلم صنعاء بينما الاخر انسحب بهدوء وترك ما عنده من ترسانة للاسلحة والقوات وكذا المناصرين دون مقاومة وولى لاجئاً باتجاه الشمال وهنا نوكد للمرة الثانية بانه لو كانت هناك دولة محترمة لن تسقط صنعاء بيد مليشيات قادمة من كهوف مران
وبعد ثمان سنوات حرب لم يتبقى مع الشرعية غير مدينة مارب وجزء من مدينة تعز ولكنها استطاعت ان توجه جيوشها نحو الجنوب واتاحة فرصة للمليشيات ان تفرض امر واقع على المساحة الجغرافية للجمهورية العربية اليمنية ولم يكن ذلك اعتباطا ولكن ذاك نتيجة تفاهم بينها وبين المليشيات من تحت الطاولة والهدف استعادة الجنوب الى حضيرة باب اليمن وفي نفس الوقت استنزاف التحالف وهذا ما اثبته سير المعارك الانهزامية التي قادتها الشرعية ضد الانقلابيين في كل الحبهات.

بعد تغيير ميزان القوى العسكري على الارض لصالح الحوثي جرى نقل السلطة من الشرعية الى شرعية جديدة تمثل بالمجلس الرئاسي ومع فرض هدنة من قبل الاقليم والعالم والهدف اتاحة الفرصة للسلام هذه الهدنة يتم تجديدها وهناك مفاوضات متعددة الاطراف في عواصم متعددة لتهيئة الشروط لاحلال السلام في اليمن ولكن كل الحلول المطروحة التي يحاول بها الاقليم والعالم تبنيها على اساس تقاسم السلطة لا يحل الاشكال المزمن في اليمن وهو ( الشكوى من عدم وجود دولة في هضبة صنعاء اولاً ) تمتلك مؤسسات تستند الى الدستور والقانون في العلاقة بينها وبين المواطن العادي فهذا غير موجود اليوم ومستحيل ان يكون في المدى المنظور وما هو موجود اليوم كامر واقع كالتالي :

- في صنعاء جماعة الحوثي انتزعت السلطة واسقطت ما تسمى بالدولة وتفرض امر واقع بنظام حكم مختلف جذرياً عن ما كان معمول قبل الانقلاب وتدعي بان لديها مشروع الاهي مكلفة بحكم اليمن الى جانب علاقتها الوثيقة مع الجمهورية الاسلامية في ايران واستلهام نموذجها في الحكم
- الشرعية المتمثلة في المجلس الرئاسي انتقل الى عدن لا يملك حاضنة شعبية غير الدعم الاقليمي والدولي ومدينتين مسيطر عليهما مارب وجزء من تعز
- المجلس الانتقالي مسيطر على الجنوب ويملك شرعية تتمثل في المقاومة الشعبية الجنوبية التي تصدت للغزو الحوثي العفاسي على الجنوب وتحرير الجنوب في غضون ثلاثة اشهر كما لديه حاضنة شعبية عارمة.

السؤال كيف سيتم اختراع عملية سلام بين قوى متناقضة كيف سيتم تجميعهم على طاولة الحوار حتى يناقشوا ويتفقوا وهل فكرة تقاسم السلطة سيكون الحل الامثل وبين من ومن سيتم تقاسم السلطة واي سلطة التي سيتم تقاسمها في الوقت الذي لن يقبل الحوثي اي مشاركة له في السلطة ولديه اجندات مختلفة حتى وان تم تاقلم الشرعية الشمالية مع هذه الاجندة على ماذا سيناقش الجنوبيون قضيتهم ومع من وماذا تبقى لكي يتم مناقشتها اذا توافقت الشرعية والحوثي ؟ وهل يعتقد العالم والاقليم بان الجنوبيون سيقبلون ان يكونوا جزء من النظام الهجين والذي يتعارض مع توجهاتهم الوطنية والدينية وهل لدى العالم القدرة فرض ارادات غير مقبوله على شعب الجنوب ؟

انا على يقين بان دول الاقليم والعالم كانوا يعلمون بانه لا توجد دولة حقيقية في صنعاء وانما هناك سلطة تتحكم بادارة البلاد خارج نطاق القانون
كما انا على يقين بان الاقليم والعالم يعلم ان الوحدة بين الجنوب والشمال لم تستمر الا ثلاث سنوات وان ما تلا ذلك يعتبر احتلال الجنوب بالقوة حسب تصريح احد قادة الاحتلال لكن الغير مفهوم هو اصرار الاقليم والعالم على التعامل ودعم الوضع الخاطىء.

الشرعية لم تكن جادة في استعادة العاصمة صنعاء خلال الثماني السنوات الماضية واضاعت فرص كثيرة وحتى اليوم لم تكن جادة عبر المجلس الرئاسي الذي لم نرى اي خطة جادة في جانبها الاول سياسي تفاوضي وفق الاجندات الاقليمية والدولية المطروحة وفي الجانب الاخر عسكري للتهيئة لمواجهة اي موقف يتطلب الردع للانقلابيين ناهيك عن مسؤلية هذا المجلس عن توفير الخدمات الضرورية لسكان المناطق المحررة التي اصبحت اكثر سؤاً وحتى اللحظة لا احد يلمس اي تحرك جاد من قبل المجلس.

اشتراك الجنوب في المجلس الرئاسي هي لمنح فرصة اخيرة لممثلي الشرعية الشمالية بالعمل الجاد نحو حلحلة الوضع العسكري والسياسي في خارطة الشمال نحو استعادة العاصمة صنعاء ولا يحب استغلال وجودهم في الجنوب ل اللعب في مربع الجنوب لان ذلك سيزيد الازمة تعقيدا وايضا من واجب التحالف الضغط على المجلس لتنفيذ الاتفاق الذي توصلت اليه الاطراف حول مهام هذا المجلس فشعب الجنوب لا يتحمل المزيد من الازمات ولديه ما بكفيه من المعاناة جراء الحصار المحكم التي فرضته عليه الشرعية
الجنوب لديه القدرة على استعادة دولته خلال فترة انتقالية وجيزة ان ارتفع الفيتو على عودتها من قبل الاقليم والعالم وفيها يحدد الجنوبيون شكلها واسس بناءها ولن تستغرق عدة اشهر فقط وهذه الدولة ستكون ضامنه للامن والاستقرار في المنطقة
الجنوب لا يحتمل العيش بدون دوله ولديه ارث ثقافي ينزع الى المدنية والالتزام بالنظام والقانون وكفى ما ضاع من عمره خلال فترة ما تسمى بالوحدة والذي يعتبر بانه تاخر فيها قرن من الزمان عن العالم
اما اخوتنا في الشمال نراهم قد تأقلموا مع الحوثي كما ان شرعيتهم نراها غير جاده في الحوار كما كانت غير جاده بالحرب معه فلديهم الحريه في اختيار طريقهم لكن عليهم ان يعرفوا بانه من غير المقبول البقاء حكام في الجنوب.

قاسم عبدالرب العفيف
21/6:2022