آخر تحديث :الثلاثاء - 23 يوليه 2024 - 11:00 م

كتابات واقلام


الصراع بين الحرية والاستبداد … هل يمكن اعتبار الديمقراطية الامريكية كذبة كبرى؟

الإثنين - 31 أكتوبر 2022 - الساعة 03:53 م

باسم فضل الشعبي
بقلم: باسم فضل الشعبي - ارشيف الكاتب


(نظرة فاحصة)
في العالم كله هناك صراع متفاوت بين الحرية والاستبداد، حتى في الدول المتقدمة يوجد هذا النوع من الصراع، فهو ان لم يكن بين القوى المتحررة، والمطالبة بالحرية وبين الحكام والسلطات، فانه يكون بين الاحرار وجماعات المصالح التي تريد التحكم بكل شي، وتسيطر على المال والاعلام والنفوذ، كما يحدث في امريكا التي تدعي انها تصدر الحرية والديمقراطية للشعوب والبلدان الاخرى، بينما هي لم توفر لشعبها الحرية الكافية في ان ينتقد او يرفع صوته ضد السياسات الخاطئة التي ترتكبها بلده هنا وهناك، بدعم وتحريض من جماعات النفوذ والمصالح الكبرى.


الصراع بين الحرية والاستبداد صراع ازلي، ممتد من قديم الزمان، حتى في الدولة الاسلامية التي اقامها الرسول الكريم في المدينة المنورة، لولا ميزان العدالة والتوازن الذي ارساه النبي العظيم، لظهر الصراع بين الحرية والاستبداد، لكن هذا النوع من الصراع اختفى بفعل العدالة التي منحت المجتمع قدرا من الحرية، ومنحت الدولة سن القوانين والتشريعات المستوحاه من القران الكريم كلام الله، ومن ذلك تولد التوازن في المجتمع بصورة جعلت من الأمة امة وسطا، كما وصفها الله تعالى في كتابه العظيم.


ولما تحول الملك بعد الخلافة الراشدة الي ملك عضوض، ظهرت الحاجة الي الحرية لدى الجماعات والشعوب، فحدث الصراع بين الحرية والاستبداد في انصع صورة، وامتد حتى تاريخنا هذا، ويتم التعبير عنه اليوم باشكال وصور مختلفة.


الحرية لها اوجه عديدة ومختلفة، وما نقصده بالحرية هنا هو حرية الابداع والبناء والتقدم والانجاز، التي يعمل الاستبداد على كبتها وتعطيلها، كي يبقى جاثما على الأمة، ولايمنحها الفرصة للحاق بالأمم الاخرى، بل يصيرها امة نائمة تعتمد على غيرها في كل شي، وغير قادرة على ان تعمل وتصنع وتبدع وتتعلم.


ان صراع الحرية والاستبداد ليس فقط من اجل لقمة العيش، بل من اجل الكرامة والتطور والازدهار، وهذا الصراع لايكون عبر المظاهرات والاحتجاجات السلمية فحسب، بل عبر كل الاشكال والادوات التي خلقتها ثورة المعلومات واوجدتها التكنلوجيا المتطورة وطورها العلم.


حارب الاستبداد والظلم والديكتاتورية ليس بالكلمة فحسب، بل بالسلوك والمواقف النبيلة التي تصلح كي يقتدي بها الناس، وتتحول الي حالة الهام.


حارب الاستبداد في الاعلام والاعلام الجديد، وعبر التعليم والرياضة والفن والادب، وكل اشكال الابداع.


 كل الفرص المتاحة انفذ منها لايصال رسالتك للناس، وعلينا ونحن نفعل ذلك ان نتذكر دائما ان الحرية التي ننشدها ينبغي ان لاتتحول الي فوضى، كما هو الحال في عدد من بلدان الثورات، التي تم استهدافها بثورات مضادة لتعطيل وتدمير ادوات التغيير، ومنعها من الاستمرار صوب البناء والاصلاح، وتحويلها الي ادوات صراع وهدم.


في منطقتنا العربية حيث تم وأد الثورات، وكبت تطلعات الجماهير نحو التغيير والبناء، واعادة صياغة انظمة جديدة حسب الطلب الخارجي، ستبقى النار مشتعلة تحت الرماد حتى تتيسر لها الاجواء والظروف للاشتعال والخروج من جديد، اذا لم يتم معالجة مشاكل الاستبداد، وفتح المجال امام الشعوب كي تبدع وتتطور وتاكل وتعيش مثل الناس في بلاد الله، ويتحقق لها الامن والاستقرار.


المؤشرات تنبئ بالمزيد من موجات الاحتجاجات والتظاهرات، ان لم تكن اليوم ففي المستقبل، فالشعوب وان كانت هي المستهدف الرئيسي اليوم بالحروب واختلاق المشكلات الاقتصادية والمعيشية، لكبح جماحها واشغالها بلقمة العيش، والبحث عن الامن والاستقرار، فانها لن تستسلم، ولن تخضع، مهما كانت حجم المؤامرات عليها.


فالحرية فتية وقوية وقادرة على استعادة نشاطها من جديد، والاستبداد متخم بالظلم والفساد، واصبح مترهل غير قادر على المقاومة بصورة اكبر واطول، وعلينا ان نتوقع سقوطه في اية لحظة.


تريد الانظمة والمجتمعات المتقدمة ان تعيش حرة، بينما هي تدعم الاستبداد في دول العالم الثالث، تختار هذه المجتمعات حكامها عبر صناديق الاقتراع، كما يحدث في امريكا واوروبا، بينما تمنع هذه الحكومات المنتخبة من الشعب الانتخابات الحرة في بلداننا العربية، وترفض الحكومات والرموز المنتخبة من الشعب، ان كان ذلك لايوافق هواها او لا يخدم اجندتها.


ان المفارقة العجيبة ان هذه الانظمة المنتخبة في الغرب تدعم الاستبداد في منطقتنا، وترفض الحرية والديمقراطية في حالة من التناقض العجيب، لذا يمكن اعتبار الديمقراطية التي تدعي امريكا تصديرها للمنطقة بانها كذبة كبرى، لذلك يبقى الصراع قائما عندنا بين الحرية والاستبداد، وليس الاستبداد المحلي فحسب، بل الاستبداد الخارجي الذي يعربد في المنطقة بكل صلف. 


الاسلام ايام الرسالة الخالدة، والخلافة الراشدة، حينما فتح الامصار والاقطار والدول، كان يقيم العدالة وينشر الحرية والامن والاستقرار في المدن والدول الجديدة، ولم يكن يحتكر العدالة والحرية في مكه او المدينة او دمشق، بل ملأ الدنيا عدلا وامانا وحرية وحضارة وتقدم، على عكس ما تفعله الحضارة الغربية اليوم التي تحتكر العدالة والديمقراطية والحرية والتقدم في بلدانها، بينما تصدر للعالم الاستبداد والقيود  والارهاب.


لقد اصبحت القيم الغربية كالحرية والديمقراطية بضاعة فاسدة وراكدة في المنطقة العربية، لانها لم تمنح لحياة وازدهار الشعوب والدول، وانما لاثارة الفوضى، وللمزيد من الاستبداد والهيمنة وفرض القيود والابتزاز، واي حضارة تلعب وتقوم بهذا العمل مع شعوب ودول العالم مصيرها الي النفوق والزوال.


سيظل الصراع بين الحرية والاستبداد قائما مادامت الشعوب تعاني الظلم والفقر والحرمان من ابسط حقوقها، وتعيش حالة من التخلف، وتقف امامها المعيقات والحواجز التي تعيق حركتها وتطورها ونموها. 


هناك دول خارج المعسكر الغربي تمثل نماذج حية للانتصار في معركتها ضد الاستبداد، حينما ارست قواعد حقيقية للحرية، التي انتجت بدورها ديمقراطية متقدمة استطاعت من خلالها اختيار حكامها عبر صناديق الاقتراع، ووضعت اقدامها على سلم التطور والتقدم، ومن ابرزها تركيا وماليزيا وسنغفورة.


وفي امريكا الجنوبية نماذج اخرى استطاعت ان تنجح رغم المعارضة والضغوطات الامريكية والغربية، ومن ابرزها فنزويلا والبرازيل، وتعد هذه الدول المذكورة نماذج ملهمة في التقدم السياسي والتطور والنموء الاقتصادي المزدهر.


ان النضال من اجل الحقوق السياسية والانسانية يجب ان يستمر في كل الظروف والاحوال، اذا ما اعتبرنا ان الصراع بين الحرية والاستبداد هو صراع وجودي قبل كل شي، واذا استطاعت الشعوب والقوى الحية انتزاع اصلاحات جوهرية في منظومة الحكم، يعزز من نجاح وحضور الديمقراطية، التي تتيح الفرصة امام الجميع للمشاركة والنجاح، فان تلك ستكون خطوة متقدمة قد تغير شيئا من الواقع في منطقتنا الي الافضل، وسيؤدي ذلك الي اتساع مناخ الحريات التي بدورها ستلعب دورا كبيرا في انتاج شروط وادوات جديدة للنهضة  التي تتطلع اليها الشعوب صاحبة المصلحة العليا في التغيير والتقدم والازدهار.


سيظل الصراع بين الحرية والاستبداد مستمرا بادوات واشكال وصور مختلفة، فكلما ذهبت رموز واحزاب مستبدة جاءت غيرها، اذا ما علمنا ان العقليات الحاكمة والاحزاب في منطقتنا عصية على التغيير، وهي تمارس الاستبداد والاقصاء حتى وان كانت بعيدة عن السلطة، فكيف حينما تصل اليها.


واذا نظرنا للاحزاب نجدها غير قادرة على التغيير في داخلها، فقياداتها مضى لها عقود طويلة لم تتغير، وتمارس الديكتاتورية والاستبداد على الجماهير، بينما هي تطالب بتغيير الانظمة المستبدة..!!


الجماهير تريد القطيعة مع الدكتاتورية والاستبداد، وهذا لن يحدث الا بامتلاك شروط وادوات الحرية، واستمرار النضال دون كلل ولاملل، وتوحيد الاهداف والتطلعات والغايات، وعدم السماح للاستبداد بشق صف الجماهير او اختراقها لحرف مسارها، او السماح للاحزاب المستبدة والعميلة اختطاف نضالات الناس والمتاجرة بها.


باسم فضل الشعبي

صحفي وكاتب ومحلل سياسي

رئيس مركز مسارات للاستراتيجيا والاعلام