آخر تحديث :الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 12:59 ص

كتابات واقلام


من النفير القبلي إلى التعبئة العامة.. أين تقف دولة الشرعية ؟

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 12:29 ص

العقيد/ محسن ناجي مسعد
بقلم: العقيد/ محسن ناجي مسعد - ارشيف الكاتب


تكشف دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى «التعبئة العامة والنفير الوطني» عن إشكالية أعمق من مجرد استخدام المصطلحات؛ إنها إشكالية تتعلق بالفارق بين منطق الدولة ومنطق ما قبل الدولة. فالنفير في الوعي القبلي هو استنفار اجتماعي تقوم به الجماعة عند الخطر، بينما التعبئة العامة مفهوم قانوني وعسكري مختلف، تقوم به مؤسسات الدولة لتحويل مواردها البشرية والمادية من حالة السلم إلى حالة الحرب وفق إجراءات محددة.
والدستور اليمني ينص على أن التعبئة العامة تُنظم بقانون، فيما يعرّف قانون الاحتياط العام التعبئة بأنها تهيئة الموارد البشرية والمادية والمعنوية للانتقال من حالة السلم إلى حالة الحرب. وهذا يعني أن التعبئة ليست مجرد دعوة سياسية أو خطاب تعبوي، وإنما منظومة مؤسسية تستدعي وجود أجهزة قادرة على تسجيل واستدعاء الاحتياط، وتنظيم الموارد، وتحديد مراكز الاستقبال والتدريب، وتوجيه الإمكانات الوطنية لخدمة المجهود الحربي.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل تمتلك مؤسسات الشرعية اليوم القدرة المؤسسية الكاملة على تنفيذ التعبئة العامة بالمعنى الذي يحدده القانون ؟.
فإعلان التعبئة العامة لا يصنع وحده جيشاً، ولا يعيد بناء مؤسسات الدولة، ولا يحول الموارد المدنية تلقائياً إلى موارد عسكرية. بل يحتاج إلى جهاز دولة متماسك، وقيادة عسكرية موحدة، وسجلات احتياط فاعلة، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد البشرية والمادية، وإلى منظومة تنفيذية تعمل وفق خطة واضحة.
وقد اتخذت السلطات بالفعل خطوات رسمية لا تخرج عن سياقها النظري في هذا الاتجاه؛ فقد وافق مجلس النواب على إعلان التعبئة العامة، وأعلنت الحكومة إجراءات تنفيذية لترجمة القرار، كما دشنت وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان التعبئة العامة والنفير المجتمعي. لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في الإعلان، وإنما في قدرة الدولة على تحويل القرار إلى منظومة عمل عسكرية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
فالحرب الحديثة لا تُدار بمنطق النفير القبلي الذي عفا عليه الزمن، ولا بالاستدعاء العاطفي للجماهير، وإنما بمنظومة عسكرية وإدارية واقتصادية متكاملة. وإذا بقيت الدولة تعمل بعقلية تعدد مراكز القوة، وتداخل السلطات، وضعف المؤسسات، فإن أي إعلان للتعبئة سيظل مجرد هذيان سياسي مهدداً بأن يتحول إلى شعار سياسي أكثر منه عملية عسكرية وطنية متكاملة.

الخلاصة :
التعبئة العامة ليست نداءً يطلق من أعلى المنبر، بل دولة تُعبّئ كل إمكاناتها عندما تدخل حالة الحرب. وبين النفير الذي تحكمه الأعراف، والتعبئة التي يحكمها القانون والمؤسسة، يتحدد ما إذا كانت الشرعية تتجه فعلاً نحو بناء دولة حرب حديثة، أم أنها ما زالت تحمل في ممارستها بعض سمات مرحلة ما قبل الدولة التي يعتقد بأنها مازالت تسيطر على عقلية الشرعية التي مازالت لم ترتقي بنفسها بعد إلى مستوى عقلية الدولة.