آخر تحديث :الأحد - 11 أكتوبر 2026 - 07:10 م

كتابات واقلام


دبلوماسية العجز الأممي: كيف يحمي المجتمع الدولي أوهام المرتزقة ويتجاهل عدالة الجنوب؟

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 06:27 م

محمد علي محمد احمد
بقلم: محمد علي محمد احمد - ارشيف الكاتب


​تأتي إحاطة المبعوث الأممي الخاص، هانس غروندبرغ، أمام مجلس الأمن الدولي في التاسع من أكتوبر 2026م لتكرس مجدداً حالة الانفصال التام والتواطؤ العبثي بين الدبلوماسية الدولية والواقع المعاش على الأرض.


ففي الوقت الذي ينزلق فيه المشهد نحو تصعيد ميداني واسع، وتتوالى التحركات الميدانية لقوات العمالقة والتشكيلات العسكرية الحرة لمواجهة المشروع المتطرف، يطل المبعوث الأممي بخطاب يعج بالتناقضات الصارخة، ليقدم عن عجز فاضح أو بتعمد مفضوح أطواق نجاة مستمرة لمنظومة الإرهاب والارتزاق عبر رعاية دولية وإقليمية منفصلة كلياً عن حقائق التاريخ والجغرافيا.
​ولعل من أكثر مشاهد هذه الإحاطة سخرية وإيلاماً، ذلك التودد المبتذل للميليشيا الطائفية عبر تقديم الشكر لها لإفراجها عن موظف أممي واحد، متناسياً في الوقت ذاته أن اثنين وسبعين موظفاً أممياً ما زالوا يقبعون كرهائن في سجونها المظلمة.

هذا الخطاب الودود يعكس حالة الاستجداء والعجز المزمن التي تتعامل بها الهيئة الدولية مع جماعة تمارس الإرهاب السياسي والابتزاز المؤسسي؛ فحين يعجز المبعوث الأممي عن حماية موظفي الهيئة التي يمثلها، فكيف له أن يفرض سلاماً أو يوقف حرباً شنتها جهات تضرب بعرض الحائط كافة الأعراف والقرارات الدولية، ولا ترى في الأمم المتحدة سوى منصة لإضفاء الشرعية الضمنية على عبثها؟


​ويتجلى هذا الخلل الهيكلي في تعاطي المجتمع الدولي والإقليمي بعجيب الغرابة وبرسمية مطلقة مع نموذجين فاقدين لأي شرعية حقيقية على الأرض، وإعادة تدويرهما كأطراف تفاوضية على حساب شعوب عانت الأمرين.

• النموذج الأول يمثله فرسان الهزيمة والهروب من طغمة نظام صنعاء السابق الذين شاركوا في إسقاط نظام صالح ثم تآمروا عليه، وسلموا المعسكرات والترسانة العسكرية الثقيلة، وخذلوا الشعب وفروا هاربين تاركين محافظاتهم تحت الاحتلال إلى المحافظات الجنوبية ومنها إلى الخارج، ليستيقظ العالم على منحهم صفة "الشرعية"، دون أدنى تساؤل عن سند هذه الشرعية أو حقهم في التفاوض ومحافظاتهم مسلوبة ومحتلة.

• أما النموذج الثاني فهو الجماعة الطائفية المتمردة التي خرجت من أحشاء نظام صنعاء وتسللت من جبال صعدة لتنقلب عليه بتواطؤ مع جماعة الإخوان المسلمين وأحزاب أخرى، مستغلة هشاشة تلك الأحزاب وغضب الشارع في فبراير 2011، لتسطو على العاصمة صنعاء في 2014 وتجتاح المحافظات الشمالية، فيمنحها العالم حجماً سياسياً لا تستحقه.


​وفي كل مرة تبدأ فيها القوات الحرة بتكبيد قوى العبث هزائم قاسية على الأرض، ترتفع أصوات الأمم المتحدة محذرة من تدهور الأوضاع ومطالبة بالجلوس إلى طاولة الحوار، بينما يصمت هذا المجتمع الدولي أو يكتفي ببيانات خجولة حين تُستهدف البنية التحتية ويتعرض الاستقرار للمخاطر.

إن هذا التوقيت للإحاطة يكشف بوضوح أن الدبلوماسية الأممية تعمل كغطاء دولي لمنع الحسم وكطوق نجاة ممنهج كلما ضاق الخناق ميدانياً، وأن شيطنة أي تحالف جاد لمواجهة قوى الإرهاب بحجة حماية المدنيين ليست سوى محاولة دولية وإقليمية لشرعنة بقاء الأمر الواقع واستمرار الفوضى.


​وفي مقابل هذا التعظيم المتصنع لأطراف الهزيمة والتمرد، تجاهل المبعوث الأممي تماماً في إحاطته دولة مستقلة منذ الثلاثين من نوفمبر 1967م، كانت معترفاً بها دولياً حتى ما قبل مايو 1990م، وهي الدولة التي تعرضت للغدر وطُعنت بخديعة الوحدة في صيف عام 1994م، واستمر نضال أبناؤها وسيستمر حتى تحقيق هدفهم الأسمى في استعادة دولتهم كاملة السيادة.


لقد تحاشى المبعوث قضية شعب الجنوب الحقوقية والسياسية بامتياز، وما قدمه أبناؤه من تضحيات جسام، وحقهم المشروع في الاعتراف الدولي بدولتهم بعد أن ماتت وتلاشت وانفضحت وحدة الإقصاء والتهميش ونهب الثروات .


​كما تغافل المجتمع الدولي عما تعرضت له القوات المسلحة الجنوبية من مجازر دنيئة لا تقرها الأديان ولا القوانين الدولية من قبل الحليف المفترض والمفوض أممياً، وذلك في الوقت الذي هبّ فيه الأحرار الجنوبيون لتأمين محافظاتهم في حضرموت والمهرة، لتجفيف منابع الإرهاب، ومنع تهريب السلاح والوقود والمخدرات، وحماية الحدود وتأمين الملاحة الدولية في باب المندب.


وبسبب هذا التغافل والتواطؤ الدولي وغرور وحماقة الإقليم ، لما وصل الحال لما هو اليوم ،، ومن هذا المنطلق، بات لزاماً على الإقليم والعالم إدراك أن مصلحة الاستقرار الحقيقي في المنطقة تكمن في الاعتراف الصريح بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره، بعيداً عن أوهام الدبلوماسية العقيمة.


​إن إحاطة غروندبرغ لم تكن في نهاية المطاف سوى حلقة جديدة في مسلسل العجز والتواطؤ الدولي والإقليمي لتدوير الأزمة وتثبيت معادلات وهمية على حساب تطلعات الشعوب الحرة.


والتاريخ يثبت دوماً أن المشاريع العبثية لا تفهم لغة الدبلوماسية الناعمة، وأن الخلاص الحقيقي لن يصنعه وسطاء الفنادق ودوائر العجز الأممي، بل تصنعه إرادة الأحرار في الميدان وقوة السلاح حين يرتفع لدحر الباطل واستعادة الحقوق المسلوبة كاملة السيادة.