آخر تحديث :الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - 07:50 م

كتابات


ماذا يكسب المقاتل الجنوبي من هذه الحرب؟

الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - 07:23 م بتوقيت عدن

ماذا يكسب المقاتل الجنوبي من هذه الحرب؟

صالح الفضلي

بالنسبة للمقاتل الجنوبي الموجود اليوم في باب المندب والصبيحة وكرش والضالع ويافع ومكيراس وشبوة والعبر، فإن هذه الحرب لا تعني فقط الوقوف في خط دفاع متقدم لحماية الأرض والمجتمع، بل تمثل – بكل ما تحمله الحرب من مخاطر وتضحيات – تجربة عسكرية ميدانية لا يمكن أن توفرها قاعات التدريب وحدها.

فالفرق كبير بين جندي يتعلم استخدام سلاحه في ميدان تدريب، وجندي يتعامل مع السلاح والاتصال والحركة والضغط النفسي في بيئة عمليات حقيقية. وتؤكد الأدبيات العسكرية الحديثة أن التدريب بالذخيرة الحية والتمارين الواقعية هي من أكثر وسائل التدريب قدرة على محاكاة ظروف القتال، لأنها ترفع مستوى الكفاءة والثقة والتنسيق بين أفراد الوحدة.

وهنا تكمن إحدى أهم فوائد مشاركة المقاتل الجنوبي في المعركة الحالية: الخبرة.

المقاتل الذي يقضي أسابيع أو أشهر في جبهة حقيقية يتعلم أشياء لا تكتبها الكتب العسكرية بسهولة: كيف يتصرف تحت الضغط، كيف يحافظ على تركيزه، كيف يتعامل مع المفاجآت، وكيف يفهم الأرض التي يقاتل فوقها. كما يتعلم معنى الانضباط، والعمل الجماعي، والاتصال بين الوحدات، والتنسيق بين القوات البرية ومختلف وسائل الإسناد.

والأهم أن هذه الخبرة تُكتسب في مواجهة خصم حقيقي، وليس في مناورة افتراضية. وهذا يجعلها خبرة قد تكون ذات قيمة دفاعية مستقبلية، خصوصًا إذا كان المقاتل يدرك أن المناطق التي يقف فيها اليوم – من باب المندب والصبيحة إلى كرش والضالع ويافع ومكيراس وشبوة – ليست مجرد خطوط على الخريطة، وإنما مناطق يمكن أن تتغير فيها موازين القوة في أي وقت.

هناك فائدة أخرى لا تقل أهمية: معرفة الأرض.

فالمقاتل الذي يخدم في منطقة لفترة طويلة يصبح أكثر معرفة بطبيعتها وطرقها ومواقعها وخصائصها الجغرافية، وهي معرفة تزداد قيمتها عندما تقترن بالتدريب والانضباط والخبرة الميدانية. وفي المعارك الحديثة لا تكفي الشجاعة وحدها؛ فالكفاءة تقوم أيضًا على فهم الأرض والاتصال والتنسيق وسرعة الاستجابة.

ثم تأتي فائدة ثالثة هي بناء الثقة بين أفراد الوحدات المختلفة. فالتمارين والعمليات المشتركة تساعد القوات على اكتشاف نقاط القوة والقصور، وتطوير إجراءات العمل المشترك، واستخلاص الدروس من التجربة. وهذا تحديدًا أحد الأهداف التي تعتمد عليها الجيوش الحديثة في تدريباتها.

وفي الحالة الجنوبية، يمكن أن تتحول التجربة الحالية إلى فرصة لتراكم الخبرة العسكرية لدى جيل جديد من المقاتلين، بشرط أن تتحول الخبرة التي اكتسبت في الميدان إلى تدريب مؤسسي منظم، لا أن تبقى مجرد ذكريات فردية من جبهة إلى أخرى.

لكن هناك درسًا أهم: الحرب تكشف نقاط الضعف كما تكشف نقاط القوة. وكل معركة تقدم للمؤسسة العسكرية معلومات عن مستوى التدريب، والاتصالات، والقيادة، والإمداد، والإخلاء، والتنسيق بين الوحدات. ومن الخطأ أن تمر هذه التجارب من دون توثيق واستخلاص للدروس.

وهكذا، فإن المقاتل الجنوبي الذي يخوض هذه المعارك لا يدافع فقط عن موقعه في لحظة معينة؛ بل يكتسب – إذا أحسن استثمار التجربة – رصيدًا من الخبرة والجاهزية والانضباط ومعرفة الميدان والعمل الجماعي.

لكن هذه المكاسب لا ينبغي أن تتحول إلى تمجيد للحرب نفسها. أفضل نتيجة لأي حرب هي أن تخرج منها القوة أكثر استعدادًا لحماية الناس والأرض، لا أن يصبح استمرار الحرب هو الهدف.

فالمقاتل الذي يتدرب اليوم بالذخيرة الحية، ويختبر قدراته في ظروف حقيقية، ويتعلم من أخطائه، قد يصبح غدًا أكثر قدرة على الدفاع عن أرضه إذا تعرضت للخطر.

والسؤال الحقيقي ليس فقط: كم جبهة يقاتل فيها المقاتل الجنوبي اليوم؟

بل: ماذا سيتبقى لديه من هذه التجربة عندما تصمت المدافع؟

إذا بقيت الخبرة، والانضباط، والتدريب، ومعرفة الأرض، والعمل المشترك، والقدرة على التعلم من المعارك، فإن شيئًا مهمًا يكون قد تحقق وسط كل هذه الخسائر والتضحيات.