السبت الماضي عاد شلال علي شائع، وفجر الأحد عاد جلال الربيعي إلى عدن.
أهلًا وسهلًا بهما في عدن، المدينة التي يفترض أن تكون أكثر مدن البلاد يقظة في زمن الحرب.
لكن صباح اليوم جاء برسالة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: صاروخان حوثيان استهدفا مطار عدن الدولي، وفق ما أعلنته الأجهزة الأمنية، فيما أفادت وزارة النقل بأن أحد الصاروخين سقط قرب المدرج قبيل هبوط رحلة قادمة من القاهرة.
لم تقع، بحسب المعلومات الأولية، خسائر بشرية. وهذه نعمة.
لكن السؤال الذي يجب ألا نؤجله حتى وقوع الكارثة هو:
ماذا لو لم يكن الصاروخ هذه المرة قريبًا من المدرج فقط؟
وماذا لو كان الخطر القادم إلى عدن لا يأتي بصاروخ من السماء، وإنما يدخل المدينة من أحد منافذها، ويجلس بين الناس، ويستأجر غرفة، ويشتري شريحة هاتف، ويتابع حركة المسؤولين والقوات والمطارات، ثم ينتظر اللحظة المناسبة؟
هنا تحديدًا يجب أن تنتبه الشرعية.
الخطر ليس في الصاروخ وحده
استهداف مطار عدن بالصواريخ يثبت أن الحوثيين يريدون الوصول إلى قلب المدينة وتعطيل واحد من أهم منافذها المدنية.
لكن الحرب الحديثة لا تُدار بالصواريخ وحدها.
هناك الاستخبارات، والاتصالات، والتمويل، والرصد، وجمع المعلومات، والخلايا النائمة.
ولهذا فإن على الأجهزة الأمنية في عدن أن تتعامل بجدية مع أي معلومات عن تسلل عناصر مرتبطة بالحوثيين إلى المدينة، من دون اتهام الناس لمجرد أنهم قدموا من الشمال.
فليس كل شمالي حوثيًا، وليس كل مسافر خطرًا.
لكن في المقابل، ليس من الحكمة الأمنية أن نعامل مدينة تعيش حربًا مفتوحة وكأنها محطة سفر عادية.
السؤال ليس: من أين جاء هذا الشخص فقط؟
السؤال هو:
من استقبله؟
أين يسكن؟
من يموله؟
من يتصل به؟
ما طبيعة تحركاته؟
ومن الأشخاص الذين يلتقي بهم بصورة متكررة؟
يا جلال.. يا شلال: الخلية لا تصل وهي تحمل لافتة
الخلية النائمة لا تدخل المدينة وهي تقول:
«نحن خلية حوثية.. افتحوا لنا الطريق».
تدخل كأي شخص آخر.
هاتف.
حقيبة.
عنوان.
رقم شخص.
عمل مؤقت.
زيارة.
شقة.
سيارة.
ثم تبدأ المراقبة وجمع المعلومات.
ولهذا فإن المعركة الأمنية الحقيقية ليست فقط في القبض على شخص مشبوه بعد وقوع الجريمة، وإنما في اكتشاف الشبكة قبل أن تتحول إلى خلية عاملة.
وهنا يأتي دور المعلومات.
فإذا كانت لدى الأمن معلومات عن شخص، ولدى مكافحة الإرهاب معلومة عن شخص آخر، ولدى الاستخبارات بيانات عن حركة مالية، ولدى المنافذ سجل دخول، ولدى الاتصالات حركة أرقام، لكن كل هذه المعلومات تبقى في ملفات منفصلة، فإن المدينة قد تمتلك كل المعلومات التي تحتاجها لمنع الجريمة، ومع ذلك تقع الجريمة.
المشكلة ليست دائمًا في نقص المعلومات، بل في عدم جمعها في صورة واحدة.
مطار عدن ليس مجرد مبنى
ما حدث صباح اليوم يجب أن يعيد ترتيب الأولويات.
مطار عدن ليس صالة وصول ومغادرة فقط.
إنه منشأة استراتيجية، واستهدافه يعني استهداف قدرة عدن على الاتصال بالعالم.
والأخطر أن الهجوم وقع في توقيت كان يمكن أن تتحول فيه إصابة الطائرة المدنية إلى كارثة بشرية. وقد أشارت وزارة النقل إلى تغيير مسار الرحلة القادمة من القاهرة إلى جدة بعد الهجوم.
إذن، من الآن فصاعدًا، يجب ألا يكون تأمين المطار مجرد حراسة للبوابات.
بل منظومة متكاملة تشمل:
الأشخاص.
المركبات.
الاتصالات.
المحيط الجغرافي.
المعلومات الاستخبارية.
وحركة الدخول والخروج.
عدن ليست «فندقًا مفتوحًا»
ماذا يحدث في المطار؟
ماذا يحدث في المنافذ؟
ماذا يحدث في الأحياء؟
ما المعلومات الموجودة لدى مكافحة الإرهاب؟
ما الذي تعرفه الاستخبارات؟
ما حركة الأشخاص المشبوهين؟
وما المعلومات الموجودة لدى القوات العسكرية؟
اجمعوا المعلومات قبل أن تجمعوا بيانات التعزية.
هذه هي القاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة.
لا تجعلوا عدن تكتشف الخلايا من وسائل التواصل
المؤسف أن المواطن أصبح أحيانًا يعرف عن بعض الأحداث الأمنية من وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يعرفها من الأجهزة المختصة.
وهذا يجب أن يتغير.
الأجهزة الأمنية لا ينبغي أن تنتظر منشورًا على فيسبوك حتى تبدأ في طرح الأسئلة.
ولا ينبغي أن تعرف أن هناك خطرًا بعد أن يسمع المواطن صوت الانفجار.
الأمن الحقيقي هو أن تعرف بالخطر قبل أن يتحول إلى انفجار.
واليوم، بعد استهداف مطار عدن، لم يعد هذا الكلام تحذيرًا نظريًا.
لقد أصبح سؤالًا عمليًا.
يا جلال.. يا شلال
لا تبحثوا عن الخلية بعد أن تصبح عائلة.
الرسالة واضحة
عدن أصبحت هدفًا مباشرًا.
وإذا كان الحوثي قادرًا على إرسال صاروخ إلى مطارها، فإن على الأجهزة الأمنية أن تفترض أيضًا أن الحرب قد تبحث عن طرق أخرى للوصول إلى المدينة.
قد تأتي من السماء.
وقد تأتي عبر البحر.
وقد تأتي عبر الحدود.
وقد تأتي، لا سمح الله، من داخل المدينة نفسها.
ولهذا فإن المطلوب من الشرعية اليوم ليس المزيد من البيانات.
المطلوب منظومة أمنية استباقية.
.
عدن لا تحتاج إلى أمن يظهر بعد الانفجار.
عدن تحتاج إلى أمن يمنع الانفجار.