هل استطاع الإعلام الجنوبي أن يحوّل الوقائع الميدانية (في الحرب الدائرة ضد الحوثي حيث القوات الجنوبية تعمل على صد توسع الحوتي في الأراضي الجنوبية) إلى «ملف معلومات» يصلح للتأثير في الرأي العام وفي المؤسسات الدولية؟
أقترح، من منظور مؤسسي، إنشاء ما يمكن تسميته: "المركز الجنوبي للتوثيق والإعلام الدولي»
في مفهوم الحرب المعاصرة، المعركة لا تجري في الجبهة فقط، وإنما تجري في الوقت نفسه في الجبهة الإعلامية والمعلوماتية والقانونية….الإعلام العسكري والمهني يقوم بخمس وظائف أساسية:
- نقل الحقيقة الميدانية بالصورة والشهادة والوثيقة.
- مواجهة التضليل والشائعات قبل أن تتحول إلى رواية راسخة.
إضافة إلى تحديد المسؤولية
- حفظ الذاكرة؛ لأن ما لا يوثّق اليوم قد يصعب إثباته غداً.
- تحويل الحدث المحلي إلى قضية يفهمها الخارج، خصوصاً الصحافة الدولية والمنظمات الإنسانية والحقوقية ومراكز الأبحاث وصناع القرار.
والأهم أن الإعلام لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ناطق باسم طرف عسكري. فالمصداقية الدولية تُبنى عندما يقول الإعلام: هذه هي الواقعة، وهذه مصادرها، وهذه الصور، وهذه الشهادات، وهذا ما يمكننا إثباته، وهذا ما لا نستطيع إثباته بعد.
وهذا مهم بصورة خاصة في منطقةاليمن، حيث تصف الأمم المتحدة الوضع بأنه بالغ التعقيد، وتؤكد أن الوصول إلى صورة دقيقة لما يحدث ميدانياً وسياسياً أمر شديد الصعوبة
أين يقف الإعلام الجنوبي اليوم؟
المشكلة ليست في الاعتراف بأهمية الإعلام، وإنما في مستوى تحويل هذا الإدراك إلى منظومة إعلامية متكاملة وذات تأثير دولي.
فالإعلام الجنوبي، إذا أردنا تقييمه نقدياً، يحتاج إلى الانتقال:
من إعلام ردّ الفعل → إلى إعلام المبادرة.
من الخبر → إلى التحقيق.
من الصورة → إلى ملف التوثيق.
من الخطاب السياسي → إلى الرواية المبنية على الأدلة.
من مخاطبة الجمهور الجنوبي → إلى مخاطبة المجتمع الدولي بلغته ومؤسساته.
الجنوب يخوض حرباً عسكرية وحرباً على الرواية هذه نقطة أعتقد أنها جوهرية في المرحلة الحالية…إذا كانت هناك معارك على الأرض، فهناك في الوقت نفسه معركة على تفسير هذه المعارك….والطرف الذي يستطيع أن يفرض روايته على وكالات الأنباء والصحافة الدولية ومراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية قد يؤثر في كيفية فهم الحدث. ولهذا لا يكفي نشر عشرات البيانات يومياً على المنصات الجنوبية.
المطلوب إنشاء غرفة عمليات إعلامية–توثيقية تعمل بالتوازي مع غرفة العمليات السياسية والعسكرية، وتجمع:
1. صور وفيديوهات موثقة زمنياً ومكانياً.
2. شهادات المدنيين والعسكريين.
3. خرائط وتحديداً جغرافياً للأحداث.
4. بيانات الخسائر والأضرار.
5. بيانات الانتهاكات المحتملة.
6 .ترجمة الملفات إلى الإنجليزية، وربما الفرنسية.
9. إرسال الملفات إلى الصحافة الدولية والمنظمات الدولية ومراكز الدراسات…وهنا يتحول الإعلام من ناقل للخبر إلى منتج للمعرفة السياسية والقانونية
.
ماذا عن المؤسسات الجنوبية في العلاقات الدولية؟…هنا أرى أن المسألة أكثر أهمية من الإعلام نفسه.
لذلك أتساءل : هل يوجد حتى الآن نظام جنوبي مؤسسي قادر على تحويل المعلومات اليومية إلى ملفات موثقة ومنهجية تصل باستمرار إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الحقوقية ومراكز القرار؟
المؤسسات الدولية لديها بالفعل آلياتها الخاصة في التوثيق والتحقق. كما أن الأمم المتحدة نشرت تقارير تتناول وضع الإعلام وحرية التعبير في المناطق الخاضعة لتأثير أطراف متعددة، بما فيها قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي؛ ولذلك فإن أي منظومة جنوبية تريد مخاطبة المجتمع الدولي يجب أن تكون مستعدة أيضاً للتعامل مع الادعاءات الموجهة ضدها، وليس فقط توثيق الانتهاكات التي تنسبها إلى خصومها. وهنا تحديداً تكمن قيمة المصداقية.
على المجلس الإنتقالي الجنوبي إنشاء المركز الجنوبي للتوثيق والإعلام الدولي …ولا يكون مجرد مؤسسة إعلامية أخرى، بل مؤسسة تجمع أربعة اختصاصات:
أولاً: التوثيق الميداني
قاعدة بيانات يومية لكل الأحداث العسكرية والإنسانية والحقوقية.
ثانياً: الإعلام الدولي بمعني إصدار تقارير يومية وأسبوعية بالإنجليزية والفرنسية، وليس بالعربية فقط.
ثالثاً: القانون الدولي أي تحويل الوقائع إلى ملفات تستند إلى القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
رابعاً: العلاقات الدولية : توزيع الملفات على الأمم المتحدة، المنظمات الدولية، البرلمانات، مراكز الدراسات، وكالات الأنباء والصحافة الدولية.
في تقديري، المعركة الإعلامية الجنوبية لا ينبغي أن تكون مجرد معركة للدفاع عن الموقف السياسي للمجلس الانتقالي، وإنما معركة لبناء أرشيف وطني موثق للوقائع الجنوبية.
لأن المعركة العسكرية تنتهي في يوم من الأيام، أما الوثائق فتظل جزءاً من ملف القضية أمام التاريخ والقانون والدبلوماسية الدولية.
ومن اللافت أن المجلس نفسه بدأ يدرك هذا الاتجاه؛ فقد شدد مؤخراً على تفعيل الإعلام الحربي وتوثيق الانتصارات، كما تحدثت مؤسساته الخارجية عن تقديم تقارير للمنظمات الحقوقية وعن التواصل مع مراكز القرار والإعلام الدولي. …لكن المرحلة تتطلب خطوة أكبر: الانتقال من تعدد المنابر إلى توحيد منظومة المعلومات والتوثيق والعلاقات الدولية…فإذا كان الجنوب يخوض حرباً عسكرية وإعلامية، فإنه يحتاج أيضاً إلى جبهة ثالثة: جبهة التوثيق والقانون والدبلوماسية الدولية.
وهذه الجبهة قد تكون، على المدى البعيد، أهم من مجرد القدرة على نشر الخبر بسرعة.
أ.د. توفيق جزوليت