آخر تحديث :الجمعة - 09 أكتوبر 2026 - 02:50 م

اخبار وتقارير

قراءة متأنية لطبيعة المشهد
حرب استنزاف متبادل للقوات الفعلية في ميدان القتال

الجمعة - 09 أكتوبر 2026 - 01:52 م بتوقيت عدن

حرب استنزاف متبادل للقوات الفعلية في ميدان القتال

قراءة / د.فضل الربيعي

إن القراءة المتأنية لطبيعة المشهد في هذه الحرب تشير إلى أن ما يجري في كثير من الجبهات والمحاور يقع بالفعل ضمن نطاق "حرب الاستنزاف المتبال" وهي حالة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، وتحديداً بما يخص قوات العمالقة الجنوبية وبقية القوات الجنوبية.

وعليه فان هذه المخاوف تحمل في طياتها عدد من الابعاد والآثار الخطيرة ​وهي كالتي:


​1. لا توازن في تكلفة الاستنزاف البشري

​بالنسبة للقوات الجنوبية (العمالقة ودرع الوطن) حيث تعتمد هذه القوات على بيئة مجتمعية ذات ثقل سكاني محدود نسبياً، وتتكون من كوادر وضباط ومقاتلين نوعيين يمثلون النواة الصلبة للبناء العسكري والأمني للجنوب. كل خسارة بشرية في هذه القوات هي خسارة استراتيجية غير قابلة للتعويض السريع، وتؤثر مباشرة على الاستقرار في المحافظات المحررة.

​اما بالنسبة للجماعة الحوثية فهذه الجماعة تعتمد على خزان بشري ضخم في المناطق المأهولة ذات الكثافة العالية، وتتعامل مع العنصر البشري بلغة الأرقام والتعبئة العقائدية المستمرة. وبالتالي فإن قدرتها على تحمل الخسائر البشرية والاستمرار في حشد المجندين الجدد أعلى بكثير.


​2. غياب الهدف العسكري المباشر "حرب بلا حسم"

​ممكن الاستنزاف يكون مفيداً تكتيكياً فقط إذا كان تمهيداً لـ "معركة حسم خاطفة" تُكسر فيها إرادة الخصم وتُغير خطوط السيطرة.

​أما البقاء في حالة من الهجمات والهجمات المضادة في مناطق التماس (كالساحل الغربي، يافع، الضالع، شبوة، الصبيحية، وكرش ) دون وجود قرار سياسي وإقليمي متكامل للحسم وتحريك كافة الجبهات، فإنه يحول القوات الضاربة إلى مجرد "مصدات دفاعية" تستنزف طاقتها وتسليحها بمرور الوقت.


​3. الكلفة الاقتصادية والمجتمعية،ان

​استمرار الاستنزاف العسكري يلقي بظلاله الثقيلة على الوضع الاقتصادي والخدمي في المحافظات الجنوبية المحررة؛ حيث تُوجه الطاقات والجهود نحو جبهات القتال، بينما تعاني البيئة الخلفية من تدهور الخدمات والانكماش الاقتصادي.

​بالمقابل، تستغل الجماعة الحوثية حالة "لا سلم ولا حرب" لتثبيت سلطتها الجباوية في مناطق سيطرتها وإعادة ترتيب صفوفها العسكرية.


​4. خروج الجنوب بمكاسب مفرغة بمعنى (تفريغ القوة)، فالخطر الأكبر في حالة سيناريو الاستنزاف الطويل هو أن تجد القوات الجنوبية نفسها بعد سنوات من القتال المستمر وقد أُنهكت طاقتها البشرية والتسليحية، مما يضعف قدرتها على حماية خطوطها الحدودية وتأمين مكتسباتها السياسية والأمنية عندما تأتي لحظة التسوية النهائية.

إذاً ​كيف يمكن الخروج من مصيدة الاستنزاف هذه؟

​لتفادي هذا الوضع، يتطلب الأمر تحولاً في التعاطي الاستراتيجي من قبل القيادة الجنوبية ودول التحالف العربي عبر ثلاث خطوات رئيسية:

​

اولا :التحول من الدفاع المستنزِف إلى "الردع الرادع" بمعنى تثبيت خطوط دفاعية وأمنية صلبة ومحصنة تكنولوجيا على امتداد الحدود التاريخية للجنوب والمنافذ البحرية، وتقليل الاحتكاك المباشر في جبهات الاستنزاف المفتوحة.


ثانياً: ​ربط المشاركة القتالية بشرط "الشمولية والحسم": رفض خوض معارك جانبية إلا ضمن مخطط حسم شامل يشترك فيه الجميع وتتحرك فيه كافة الجبهات الشمالية والقبائل في وقت واحد.

ثالثاً : توجيه الثقل نحو بناء النموذج الاقتصادي والمؤسسي من خلال التركيز على تثبيت الاستقرار الداخلي، وتطوير الموانئ والموارد السيادية، وبناء اقتصاد قوي في المحافظات الجنوبية المحررة؛ فالقوة الاقتصادية والمؤسسية هي الشق الآخر للردع العسكري.