آخر تحديث :السبت - 10 أكتوبر 2026 - 01:15 ص

اخبار وتقارير


اليمن منذ 2015.. صراعات النفوذ وأزمة الدولة والقضية الجنوبية

السبت - 10 أكتوبر 2026 - 12:40 ص بتوقيت عدن

اليمن منذ 2015.. صراعات النفوذ وأزمة الدولة والقضية الجنوبية

عدن تايم/ بسام الطميري.

لم تكن الحرب التي اجتاحت اليمن عام 2015 مجرد مواجهة عسكرية بين جماعة الحوثي وخصومها، بل كانت امتحانًا تاريخيًا قاسيًا للدولة والمجتمع والقوى السياسية والقبلية والعسكرية.

امتحانًا كشف أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك الإرادة، وأن كثرة الأحزاب لا تعني وجود دولة، وأن الحديث عن الوحدة لا يكفي لصناعة شراكة عادلة، وأن الأوطان قد تبدأ بالانهيار قبل أن يصل المسلحون إلى عواصمها.

ولفهم ما حدث، لا يكفي أن نسأل: كيف استطاع الحوثيون التمدد؟ بل ينبغي أن نسأل سؤالًا أعمق: ما الذي جعل الدولة والمجتمع عاجزين عن منع ذلك التمدد، ولماذا اختلفت أشكال المقاومة من منطقة إلى أخرى؟


أولًا: القبيلة بين هيبة التاريخ وامتحان الواقع


على مدى عقود، احتلت القبيلة اليمنية مكانة كبيرة في الذاكرة الشعبية. تغنّى الشعراء بشجاعتها، وتحدث الناس عن بأس رجالها ونخوتهم ورفضهم للضيم، حتى تشكلت صورة ذهنية لقبيلة لا تنحني ولا تقبل الخضوع.

لكن عندما تمددت جماعة الحوثي من صعدة إلى عمران وصنعاء خلال السنوات السابقة لعام 2015، ثم اتسعت المواجهات إلى مناطق أخرى، ظهرت حقيقة أكثر تعقيدًا من تلك الصورة.

فقد شهدت مناطق قبلية واسعة انقسامات وتحالفات وتراجعًا في مراكز النفوذ التقليدية. وبعض القوى التي امتلكت الرجال والسلاح لم تتمكن من منع تمدد الجماعة، بينما اختارت قوى أخرى التفاهم معها أو الانخراط في سلطتها.

وفي المقابل، لا يجوز تجاهل القبائل التي قاومت الحوثيين في عمران ومأرب والجوف والبيضاء وغيرها، وقدمت تضحيات كبيرة.

لكن هذه الاستثناءات لا تلغي السؤال السياسي والاجتماعي المهم: لماذا لم تتحول القوة القبلية، في كثير من المناطق، إلى قوة جماعية قادرة على حماية الدولة ومنع احتكار السلطة؟

جزء من الإجابة يتعلق بطبيعة البنية التقليدية نفسها.

فالقبيلة قد تمتلك السلاح والشجاعة، لكنها لا تمتلك بالضرورة مؤسسات مستقلة أو مشروعًا سياسيًا موحدًا. وقد تتقدم فيها الولاءات للشيخ أو التحالف أو المصلحة على مفهوم المواطنة والدولة.

وحين يكون القرار مرتبطًا بأشخاص وموازين نفوذ، يصبح تغير موقف القيادة قادرًا على تغيير موقف جماعات واسعة من أتباعها.

وهنا يظهر الفرق بين الشجاعة الفردية والوعي السياسي الجماعي.

فالبندقية قد تحمي صاحبها في معركة، لكنها لا تحمي المجتمع من الاستبداد إذا لم تكن وراءها قناعة بالحرية والمساواة ورفض الوصاية.


ثانيًا: عندما أصبح الحزب أهم من الدولة


لم تكن الأزمة قبلية وحدها.

فالدولة اليمنية دخلت مرحلة الانهيار وهي تعاني أصلًا من اختلالات عميقة داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية.

لقد شهدت البلاد، عبر عقود، تداخلًا بين الجيش والسلطة والأحزاب والقبائل وشبكات المصالح. وبدلًا من أن تكون المؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية موحدة، ارتبطت قطاعات منها بقيادات وتيارات وتحالفات متنافسة.

ومع تصاعد الأزمات، لم يعد السؤال لدى بعض القوى: كيف نحمي الدولة؟ بل أصبح: كيف نحافظ على مواقعنا ونفوذنا داخلها؟

وهنا لعبت بعض تيارات الإسلام السياسي، إلى جانب قوى حزبية وعسكرية وقبلية أخرى، دورًا في تعميق الانقسام، حين جرى توظيف الخطاب الديني أو الحزبي في الصراع على السلطة، وتقديم الولاء للتنظيم أو القيادة على الالتزام بمؤسسات الدولة.

وليست المشكلة في التدين أو العمل الحزبي؛ فكلاهما يمكن أن يكون جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة. المشكلة تبدأ حين يصبح الحزب بديلًا عن الوطن، وحين تتحول المرجعية التنظيمية إلى سلطة أعلى من القانون، وحين يُختزل الدين في خطاب يمنح جماعة سياسية حق احتكار الحقيقة.

عندها يفقد المواطن استقلاله الفكري، وتصبح مواقفه السياسية محكومة بما تقرره القيادة، لا بما تقتضيه المصلحة العامة.

والأخطر أن بعض القوى قد تقبل بخسارة الدولة ما دامت تعتقد أنها قادرة على الاحتفاظ بالتنظيم وإعادة بناء نفوذها لاحقًا.

وهذا أحد التفسيرات الممكنة لحالة التردد والتنافس التي صاحبت انهيار مؤسسات الدولة، وإن لم يكن العامل الوحيد؛ فقد أسهمت أيضًا الانقسامات العسكرية، والتحالفات المتغيرة، والضغوط الاقتصادية، والتدخلات الخارجية.

لقد أظهرت التجربة أن الدولة لا تسقط فقط عندما يُهزم جيشها، بل قد تسقط حين يفقد ذلك الجيش وحدته وولاءه المؤسسي.

فحين يصبح الدفاع عن الحزب أهم من الدفاع عن الدولة، يصبح الوطن أول الخاسرين.


ثالثًا: لماذا اختلف مشهد المقاومة في عدن والجنوب وتعز؟


عندما وصلت الحرب إلى عدن عام 2015، برزت تجربة مختلفة في طبيعة التعبئة والمقاومة.

فعدن مدينة عرفت تاريخًا طويلًا من التعليم والعمل النقابي والصحافة والحياة السياسية والتنوع الاجتماعي. وعندما دخل الحوثيون والقوات المتحالفة معهم إليها، تشكلت مقاومة شارك فيها عسكريون وشباب ومواطنون من خلفيات متعددة.

ولم تكن هذه المقاومة نتيجة الثقافة المدنية وحدها؛ فقد كان للدفاع عن المنازل والأحياء، وللتنظيم العسكري، وللدعم الخارجي، وللهوية السياسية الجنوبية، أدوار مؤثرة أيضًا.

لكن اللافت أن المقاومة لم تقتصر على جماعة اجتماعية واحدة، بل جمعت شرائح مختلفة حول رفض السيطرة العسكرية المفروضة على المدينة.

وفي مناطق الجنوب الأخرى، ظهرت علاقة مهمة بين القبيلة والمدنية.

فقد شارك أبناء القبائل في المقاومة إلى جانب أبناء المدن، وهو ما يوضح أن القبيلة ليست بالضرورة نقيضًا للتحضر، وأن الانتماء القبلي يمكن أن يتعايش مع الإيمان بالحقوق العامة والمواطنة.

وفي تعز كذلك، شهدت المدينة ومحيطها مقاومة طويلة، رغم الحصار والانقسامات السياسية والعسكرية وتعقيدات الصراع.

وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة: ليست المسألة صراعًا بين القبيلة والمدينة، ولا بين الشمال والجنوب بوصفهما مجتمعين متجانسين، بل بين أنماط مختلفة من تنظيم السلطة والولاء والوعي السياسي.

فقد تقاوم قبيلة دفاعًا عن الحرية، وقد تخضع مدينة للاستبداد. وقد يمتلك المجتمع السلاح دون أن يمتلك موقفًا سياسيًا مستقلًا، بينما يستطيع مجتمع آخر تحويل شعوره بالحقوق إلى قوة مقاومة.

والدرس هنا أن الوعي لا يغني عن القوة العسكرية، لكنه يمنح استخدامها هدفًا يتجاوز حماية الزعامات والمصالح الضيقة.


رابعًا: القضية الجنوبية.. الأزمة التي سبقت الحرب


من أكبر أخطاء قراءة الحرب اليمنية التعامل مع عام 2015 باعتباره بداية جميع الأزمات.

فالحقيقة أن البلاد دخلت الحرب وهي تحمل ملفات سياسية لم تُحل، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.

فبعد إعلان الوحدة عام 1990، تصاعدت الخلافات بين شريكيها، وانتهت إلى حرب صيف 1994، التي تركت آثارًا سياسية وعسكرية واجتماعية عميقة في الجنوب.

وقد ارتبطت المطالب الجنوبية اللاحقة بقضايا الإقصاء من مؤسسات الدولة، وتسريح عسكريين وموظفين، ونزاعات الأراضي والممتلكات، والتمثيل السياسي، وإدارة الموارد والثروات.

ومع انطلاق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007، أصبحت هذه المظالم محور حركة سياسية واجتماعية واسعة، تعددت داخلها الرؤى بين المطالبة بالإصلاحات، والفيدرالية، واستعادة الدولة الجنوبية.

وعندما اندلعت حرب 2015، لم يكن رفض الحوثيين في الجنوب منفصلًا عن هذا التاريخ.

فإلى جانب رفض دخول الجماعة بالقوة، كان هناك شعور سياسي متراكم برفض تكرار تجارب السيطرة والإقصاء وفرض القرارات من خارج الإرادة المحلية.

ومن هنا، لا يمكن فهم المقاومة الجنوبية من منظور عسكري فقط؛ إذ كانت لها أيضًا أبعاد تتعلق بالهوية والحقوق والمستقبل السياسي.

وهنا يبرز تناقض يستحق التأمل: كيف يمكن المطالبة بدولة ترفض الامتياز السلالي واحتكار الحوثيين للسلطة، دون معالجة الشكاوى الجنوبية المتعلقة بالإقصاء واحتكار القرار السياسي؟

إن الاعتراف بالقضية الجنوبية لا يعني افتراض اتفاق جميع الجنوبيين على حل واحد؛ فهناك تباينات سياسية واجتماعية داخل الجنوب نفسه.

لكنه يعني الاعتراف بأن هناك قضية حقيقية لا يمكن اختزالها في خلاف على المناصب، وأن أي تسوية مستقرة تحتاج إلى تمثيل جنوبي واسع، ومعالجة المظالم، وضمان الحقوق، وإتاحة مسار سلمي يعبّر فيه السكان عن خياراتهم السياسية، بما في ذلك مطالب تقرير المصير وفق ترتيبات قانونية وسياسية متفق عليها.

فالشراكة لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالمساواة الفعلية في الحقوق والسلطة والثروة.

ولا يمكن فرض شعور الانتماء بقرار سياسي، كما لا يمكن بناء وحدة مستقرة فوق مظالم لم تُعالج.


خامسًا: هل كانت المشكلة في قوة الحوثيين أم ضعف خصومهم؟

هذا أحد أهم أسئلة الحرب.


لقد امتلك الحوثيون تنظيمًا عسكريًا وقدرة على التعبئة، واستفادوا من تحالفات داخلية، ومن خبرة قتالية تراكمت خلال حروب صعدة، ومن الانقسامات التي أصابت خصومهم.

لكن تفسير تمددهم بقوتهم وحدها يترك نصف الصورة غائبًا.

فالانقسام داخل الجيش، وضعف مؤسسات الدولة، والصراعات بين القوى السياسية، والتحالفات القبلية المتغيرة، جميعها عوامل أسهمت في تهيئة الظروف لذلك التمدد.

ومع مرور السنوات، ساعد استمرار الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين، وتعدد مراكز القرار، وتعارض المصالح المحلية والإقليمية، على إطالة أمد الصراع.

وهنا تكمن مفارقة قاسية: قد تتفق القوى السياسية على رفض خصم واحد، لكنها تختلف على شكل الدولة التي تريد بناءها بعده.

فإذا لم يُحسم السؤال المتعلق بطبيعة الدولة، وتوزيع السلطة، والحقوق السياسية، والعلاقة بين الشمال والجنوب، فإن مجرد الاتفاق العسكري لا يكفي لصناعة استقرار دائم.


سادسًا: ما الدروس التي كشفتها الحرب؟


أول الدروس أن الشجاعة ليست بديلًا عن بناء المؤسسات. فالقبائل والجيوش تستطيع خوض المعارك، لكنها لا تستطيع وحدها إقامة دولة عادلة إذا ظل القرار مرهونًا بالأشخاص والتحالفات.

وثانيها أن الحزب لا يجوز أن يتحول إلى وطن بديل. فالتعددية السياسية تصبح مصدر قوة عندما تعمل داخل مؤسسات تحترم القانون، وتتحول إلى عامل إضعاف حين تُستخدم الدولة لخدمة التنظيم.

وثالثها أن توظيف الدين لمنح جماعة حقًا حصريًا في السلطة يهدد مبدأ المواطنة المتساوية، سواء استند ذلك إلى النسب أو إلى ادعاء امتلاك الحقيقة السياسية والدينية.

ورابعها أن مقاومة الحوثيين لا تعفي بقية القوى من مراجعة ممارساتها. فمن يرفض احتكار السلطة عليه أن يقبل بالتعدد والمساءلة وحقوق المختلفين معه.

وخامسها أن القضية الجنوبية ليست ملفًا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم؛ فمعالجة المظالم المرتبطة بالشراكة والحقوق والثروات والتمثيل السياسي جزء أساسي من أي نقاش جاد حول مستقبل البلاد.

أما الدرس السادس، وربما الأهم، فهو أن الانتصار العسكري لا يساوي بالضرورة نجاحًا سياسيًا.

فيمكن لقوة أن تنتصر في جبهة، ثم تفشل في بناء مؤسسات تحمي المواطنين. ويمكن لتحالف أن يسيطر على مدينة، ثم يعجز عن تقديم الخدمات أو إدارة الخلافات أو احترام القانون.

فالمعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع سياسي ليس عدد المناطق التي يسيطر عليها، بل قدرته على إقامة سلطة تحترم الإنسان وتصون حقوقه.


الخاتمة: الحرب التي كشفت ما كان مخفيًا


بعد أكثر من عقد على سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، لم يعد كافيًا تفسير المأساة اليمنية بالحديث عن الحوثيين وحدهم.

فقد كشفت الحرب أزمة أوسع: قبيلة قد تُقدّم الولاء على المواطنة، وحزبًا قد يُقدّم التنظيم على الدولة، ومؤسسة عسكرية أضعفتها الانقسامات، ونظامًا سياسيًا لم يعالج مظالم الشراكة، وقوى متصارعة لم تتفق حتى الآن على أسس الدولة التي تريدها.

وفي المقابل، كشفت تجارب المقاومة في عدن ومناطق الجنوب وتعز ومناطق قبلية شمالية أن المجتمعات تستطيع مقاومة الإخضاع عندما تجد قضية تجمعها، وتنظيمًا يحميها، وإرادة تدفعها إلى الدفاع عن حقوقها.

لكن مقاومة الاستبداد شيء، وبناء البديل العادل شيء آخر.

وهنا يقع الامتحان الحقيقي أمام جميع القوى اليمنية والجنوبية، دون استثناء.

هل تستطيع الانتقال من الدفاع عن مواقع النفوذ إلى بناء المؤسسات؟ ومن تقديس الزعامات إلى مساءلتها؟ ومن شعارات الشراكة إلى الاعتراف الفعلي بالحقوق؟ ومن الصراع على الجغرافيا إلى احترام إرادة سكانها؟

إن السلام الذي لا يعالج أسباب الحرب قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يضمن نهاية الصراع.

والدولة التي لا تقوم على المواطنة والعدالة لا تصبح قوية بمجرد امتلاك جيش كبير، كما أن الوحدة التي لا تقوم على الرضا والشراكة لا تصبح مستقرة بمجرد تكرار شعاراتها.

لقد علمتنا هذه الحرب أن أخطر ما يمكن أن يصيب الوطن ليس أن يفقد أرضًا في معركة، بل أن يفقد مؤسساته وعدالته وثقة الناس به.

فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، ولا تصنعها الأحزاب والقبائل وحدها، وإنما يحميها مجتمع حر، ومؤسسات عادلة، وشراكة لا يُقصى فيها أحد، وحقوق لا تُصادر باسم القوة أو التاريخ أو الدين.

وهذا هو الدرس الذي لا ينبغي أن تضيع معانيه وسط ضجيج الحرب.