هناك معادلة مختلّة لا يمكن السكوت عنها، ومعايير مزدوجة تثير أسئلة مشروعة عن حقيقة الحرب في اليمن، وعن أهداف التحالفات، وعن الدور المطلوب من أبناء الجنوب، وحدود ما يُسمح لهم بفعله عندما يتعلق الأمر بأرضهم ومستقبلهم.
عندما يُطلب من الجنوبيين القتال خارج أرضهم، يصبحون أبطالًا، وعندما يتقدمون لتحرير أرضهم، يصبحون مشكلة تستدعي المواجهة!
قاتل أبناء الجنوب في جبهات متعددة، وقدموا قوافل من الشهداء والجرحى في سبيل مواجهة الحوثيين. خاضوا معارك شرسة في الصبيحة وتعز والساحل الغربي، وقدموا تضحيات كبيرة في معارك الوصول إلى باب المندب وتأمينه. كانوا في مقدمة المقاتلين عندما احتاجتهم المعارك، ولم يترددوا في مواجهة المخاطر، رغم ما تحملوه من خسائر بشرية ومادية.
لكن المفارقة الصادمة ظهرت عندما اتجهت القوات الجنوبية إلى وادي حضرموت والصحراء، مطالبة بتمكين أبناء الجنوب من أرضهم وتأمين مناطقهم. حينها تغيرت الحسابات، وتحولت التحركات الجنوبية إلى موضع صدام، وشهدت تلك المرحلة تدخلات جوية استهدفت القوات الجنوبية.
فلماذا يكون الجنوبي بطلًا عندما يقاتل بعيدًا عن أرضه، ويصبح مرفوضًا عندما يتحرك على أرضه؟
ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع بلا مواربة.
أين يذهب الجيش اليمني التابع للشرعية؟ وأين تُوجَّه إمكاناته العسكرية والبشرية؟ ولماذا لا نرى حجم الدور الميداني الذي يتناسب مع حجم القوات والأسلحة والإمكانات الموجودة تحت تصرفه؟
في محافظة مأرب اليمنية، تتواجد قوات كبيرة وإمكانات عسكرية معتبرة، ومع ذلك يظل السؤال قائمًا بشأن فتح جبهات فاعلة ضد الحوثيين، واستعادة المناطق التي يسيطرون عليها. وإذا كانت هذه القوات قد جُمعت وأُنشئت لمواجهة الحوثيين واستعادة الأراضي الخاضعة لسيطرتهم، فما الذي يمنع توجيه قدراتها نحو تحقيق هذه المهمة؟
لماذا يُترك العبء الأكبر من المواجهات الميدانية، في جبهات متعددة، للقوات الجنوبية، بينما لا نرى تحركًا عسكريًا يتناسب مع حجم القوات والإمكانات الموجودة في مأرب؟
وهنا لا بد من طرح سؤال أكثر إلحاحًا:
إذا كانت القوات التابعة للشرعية الموجودة في حضرموت والمهرة جزءًا من منظومة عسكرية هدفها المعلن مواجهة الحوثيين، فلماذا لا تتجه إلى جبهات القتال لتحرير المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، بدلًا من استمرار وجودها في محافظات جنوبية يطالب أبناؤها بتمكينهم من إدارة شؤونهم وتأمين أرضهم؟
أليست استعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون أولى من إبقاء القوات في حالة تجاذب وصراع حول مناطق جنوبية أخرى؟
أليس من المنطقي أن تتجه الجيوش والقوات التي تمتلك الإمكانات والتسليح إلى الجبهات التي يفترض أنها أُعدت من أجلها، بدلًا من أن يتحمل طرف واحد القسم الأكبر من أعباء المواجهة؟
إننا لا نتحدث هنا عن شعارات إعلامية، ولا عن أرقام تُستعرض في البيانات العسكرية، بل عن سؤال جوهري يتعلق بوظيفة الجيوش، وواجب القوات، والغاية التي من أجلها تُنفق الأموال وتُكدّس الأسلحة ويُطلب من المقاتلين تقديم أرواحهم.
جيش يمتلك السلاح والعتاد، لكنه لا يفتح جبهة تتناسب مع إمكاناته، وقوات جنوبية تقاتل في أكثر من جبهة وتقدم الشهداء والجرحى، ثم تجد نفسها أمام خلافات وصدامات عندما يتعلق الأمر بأرضها. فأي معادلة هذه؟ ومن المستفيد منها؟
إن المشكلة ليست في حق أي قوة في الدفاع عن أرضها، ولا في إنكار تضحيات أي طرف، بل في ازدواجية المعايير، وفي غياب التوزيع العادل للمسؤوليات، وفي تحويل التضحيات إلى واجب على طرف، بينما تبقى المهام العسكرية والسياسية للأطراف الأخرى موضع تساؤل.
لقد أثبتت القوات الجنوبية، في معارك الصبيحة وتعز والساحل الغربي وغيرها، أنها قوة حاضرة في الميدان، وأن أبناء الجنوب لم يقفوا يومًا متفرجين أمام خطر الحوثيين. وقد دفعوا أثمانًا باهظة، ولا يزالون يقدمون التضحيات.
لكن من حق الجنوبيين أن يسألوا: إلى متى تستمر هذه المعادلة؟ وإلى متى يُطلب منهم القتال في جبهات متعددة، بينما تبقى أرضهم نفسها ساحة للتجاذبات العسكرية والسياسية؟
ومن حقهم أيضًا أن يسألوا عن مصير تضحياتهم، وعن الضمانات التي تمنع استخدام قوتهم لخدمة أهداف الآخرين، ثم التضييق عليهم عندما يطالبون بترتيبات أمنية وعسكرية تتصل بمستقبل أرضهم.
حضرموت والمهرة ليستا غنيمة حرب، كما أن مأرب ليست مجرد عنوان إعلامي للقوات العسكرية. لكل منطقة أهلها ومصالحها وخصوصيتها، ولكل قوة عسكرية مسؤوليات ينبغي أن تُقاس بأفعالها على الأرض، لا بحجم ما تمتلكه من سلاح، ولا بما تروّج له من شعارات.
إذا كانت المعركة ضد الحوثيين معركة الجميع، فلتكن المسؤولية على الجميع. وإذا كانت استعادة الأراضي أولوية، فلتتجه القوات القادرة إلى الجبهات التي تستطيع من خلالها تحقيق ذلك. أما أن يُطلب من الجنوبيين تقديم المزيد من الدماء، بينما تظل مسؤوليات الآخرين موضع تساؤل، فهذه معادلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
وإذا كانت الشراكة العسكرية والسياسية قائمة على الاحترام المتبادل، فعليها أن تحترم إرادة أبناء الجنوب، وأن تتعامل مع تطلعاتهم بشأن أرضهم ومستقبلهم بالمعايير نفسها التي يُطلب منهم بموجبها الدفاع عن الآخرين.
لسنا أمام دعوة لفتح حروب جديدة بين أبناء المنطقة، ولا للمطالبة بنقل الصراع من جبهة إلى أخرى بالقوة، بل أمام مطالبة واضحة بإعادة ترتيب الأولويات، وتحديد مهام القوات، ووضع حد لازدواجية المعايير، والاحتكام إلى حلول سياسية عادلة تحمي السكان وتمنع استنزاف المقاتلين.
فلا يُعقل أن يكون الدم الجنوبي مطلوبًا في كل الجبهات، بينما تظل إرادة الجنوبيين موضع خلاف عندما يتعلق الأمر بأرضهم. ولا يُعقل أن تتحول تضحياتهم إلى رصيد يُحسب للآخرين، ثم يُطلب منهم الصمت عندما يسألون عن حقوقهم ومستقبلهم.
إن الشعوب لا تقيس التحالفات بكثرة البيانات ولا ببلاغة الشعارات، بل بما تراه على الأرض، وبمدى احترام إرادتها، وبالعدالة في توزيع الأعباء والمسؤوليات.
ويبقى السؤال الذي نضعه أمام الجميع:
إذا كان في مأرب جيش وسلاح وإمكانات، فلماذا لا تتجه هذه القوة إلى مواجهة الحوثيين واستعادة الأراضي التي يسيطرون عليها؟ وإذا كانت قوات الشرعية الموجودة في حضرموت والمهرة مخصصة لمواجهة الحوثيين، فلماذا لا تتقدم إلى الجبهات التي تقتضيها هذه المهمة؟ ولماذا يُطلب من القوات الجنوبية وحدها أن تثبت كل يوم أنها مستعدة للتضحية، بينما لا تُطرح الأسئلة نفسها بالجدية ذاتها على الآخرين؟
إن الدم الجنوبي ليس أقل قيمة من غيره، والتضحيات الجنوبية ليست شيكًا مفتوحًا، والتحالف الحقيقي لا يعني أن يقاتل طرف بلا حدود، بينما يُمنع من تقرير ما يراه مناسبًا لأرضه ومستقبله.
هذه هي معادلة الدم الجنوبي التي آن الأوان لمراجعتها: لا مزيد من التضحيات بلا هدف واضح، ولا حروب بلا مسؤوليات محددة، ولا شراكات تُقاس فيها قيمة المقاتل بما يقدمه للآخرين، ثم تُنكر إرادته عندما يتعلق الأمر بأرضه وحقوق شعبه ومستقبله.