ليس أصعب على الطالب من أن يحمل كتابه بحثًا عن مستقبله، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن أبسط مقومات الحياة.
هذه هي حال طلاب محافظة شبوة المقيمين في السكن الطلابي بالمحافظة في مدينة عدن؛ طلاب جاءوا إلى المدينة طلبًا للعلم، وحملوا معهم أحلامًا وطموحات تتجاوز ظروف الواقع، لكنهم اليوم يواجهون معاناة يومية باتت تهدد قدرتهم على الدراسة والاستمرار.
في عدن، حيث الحرارة والرطوبة القاسيتان، يصبح الماء والكهرباء أكثر من مجرد خدمتين أساسيتين. إنهما ضرورة للحياة، وشرط للاستقرار، وأحد أبسط المقومات التي يحتاجها الطالب حتى يتمكن من فتح كتابه، ومراجعة دروسه، والحصول على قسط من النوم.
لكن الواقع داخل السكن مختلف.
المياه تنقطع، والكهرباء تكاد تكون غائبة، والطلاب يجدون أنفسهم أمام ظروف معيشية تستنزف طاقتهم وتشتت تركيزهم. فكيف يمكن لطالب أن يستعد لامتحانه في غرفة شديدة الحرارة؟ وكيف يمكنه أن يحافظ على صحته ونشاطه في ظل انقطاع المياه؟ وكيف نطالبه بالتفوق، بينما أبسط احتياجاته غير متوفرة؟
الأكثر إيلامًا أن مشكلة المياه ليست حادثة عابرة، بل أزمة تتكرر. في كل مرة يُسحب فيها عداد المياه أو تتوقف الخدمة، تبدأ رحلة جديدة من المناشدات والبحث عن حلول مؤقتة، وقد يضطر الطلاب إلى الاستعانة بأهل الخير لتوفير ما يحتاجونه.
وهنا يبرز السؤال: هل يُعقل أن يتحول توفير المياه لسكن طلابي إلى معركة متكررة؟
هؤلاء الطلاب ليسوا مجرد مجموعة من الشباب يبحثون عن الراحة؛ إنهم أبناء محافظة شبوة الذين يدرسون في عدن، ويستثمرون سنوات عمرهم في بناء مستقبلهم ومستقبل محافظتهم. دعمهم ليس منّة، بل مسؤولية، والاهتمام بظروفهم ليس ترفًا، بل استثمار حقيقي في الإنسان.
إن السلطة المحلية في محافظة شبوة مطالبة اليوم بأن تنظر إلى هذه القضية باعتبارها ملفًا عاجلًا، لا مشكلة مؤقتة يمكن تأجيلها. المطلوب ليس حلولًا إسعافية تنتهي بانتهاء الأزمة، وإنما معالجة جذرية تضمن استمرار المياه والكهرباء والخدمات الأساسية في السكن، وتضع آلية واضحة لمتابعة أوضاعه ومنع تكرار المشكلة.
كما أن الجهات المعنية في عدن مطالبة بالتعامل مع السكن الطلابي باعتباره مرفقًا يخدم طلابًا جاؤوا من محافظة أخرى طلبًا للعلم، وليس مكانًا يمكن أن تتكرر فيه أزمات الخدمات دون معالجة مستدامة.
قد يبدو توفير الماء والكهرباء مطلبًا بسيطًا، لكنه بالنسبة لهؤلاء الطلاب يعني الكثير: يعني أن يستطيع الطالب النوم، أن يذاكر، أن يحافظ على صحته، وأن يدخل قاعة الامتحان بعقل منشغل بالعلم لا بمعاناة الحياة اليومية.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يريد طلاب سكن شبوة؟
بل: ماذا نريد نحن من هؤلاء الطلاب بعد سنوات؟
نريد منهم أن يتعلموا، وأن يتفوقوا، وأن يعودوا لخدمة مجتمعهم ومحافظتهم. وإذا كنا نريد منهم ذلك، فعلينا أولًا أن نوفر لهم الحد الأدنى من الظروف التي تساعدهم على النجاح.
إنقاذ سكن طلاب شبوة في عدن من هذه المعاناة ليس مجرد استجابة لمطلب خدمي، بل هو حماية لحلم مجموعة من الشباب، وحفاظ على مستقبل جيل كامل.
فلا تجعلوا انقطاع الماء والكهرباء سببًا في انطفاء طموحٍ كان يمكن أن يضيء مستقبل شبوة.
الصحفي صالح حقروص
2026/10/9م