آخر تحديث :السبت - 10 أكتوبر 2026 - 06:08 م

كتابات


في ذكرى استشهادهم.. شهداء الواجب الإعلامي في عدن، ذاكرة لا تغيب

السبت - 10 أكتوبر 2026 - 05:27 م بتوقيت عدن

في ذكرى استشهادهم.. شهداء الواجب الإعلامي في عدن، ذاكرة لا تغيب

صالح حقروص

في مثل هذا اليوم، العاشر من أكتوبر، تعود بنا الذاكرة إلى واحدة من اللحظات الأليمة التي شهدتها العاصمة عدن، حين امتدت يد الإرهاب إلى موكب محافظ عدن، في تفجير دموي هزّ المدينة، وخطف أرواحًا كانت تؤدي واجبها في خدمة الوطن والمواطن.


إنها ذكرى استشهاد رجال تركوا خلفهم حزنًا عميقًا في نفوس أسرهم وزملائهم ومحبيهم، وجرحًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة كل من عرفهم أو تابع تفاصيل ذلك الحادث الأليم.


في العاشر من أكتوبر 2021م، استُشهد عدد من مرافقي ومسؤولي موكب محافظ عدن، الأستاذ أحمد حامد لملس، في التفجير الذي استهدف موكبه في منطقة حجيف بمديرية التواهي، أثناء عودته من فعالية رسمية. وكان من بين الضحايا الزملاء الإعلاميين أحمد بو صالح وطارق مصطفى، واحمد حديج باراس العولقي الذينا ارتبط عملهما بمرافقة المحافظ وتوثيق أنشطته، إلى جانب الشهيدين صدام حسين عبدالله حميده، قائد حراسة محافظ عدن، وأسامة سالم حامد لملس، المرافق الشخصي للمحافظ.


لقد كان ذلك اليوم أكثر من مجرد حادث أمني مؤلم؛ فقد كان فاجعة إنسانية أصابت أسر الشهداء وذويهم، وامتد أثرها إلى الأسرة الصحفية وكل من عرف هؤلاء الرجال عن قرب. ففي لحظة واحدة، فقدت أسر أبناءها، وفقد زملاء رفاقًا، وفقدت عدن رجالًا كانوا يؤدون مهامهم في ظروف تتطلب الشجاعة والتفاني وتحمل المسؤولية.


الشهداء الإعلاميون.. حين يصبح نقل الحقيقة جزءًا من الواجب


إن استشهاد أحمد بو صالح وطارق مصطفى واحمد حديج باراس العولقي يعيد إلى الأذهان الدور الذي يؤديه الإعلاميون في الميدان، فهم ليسوا مجرد ناقلين للأخبار أو موثقين للفعاليات، بل هم شهود على الأحداث، وناقلون لصورة الواقع، وجزء من منظومة العمل العام التي تتطلب الحضور والمتابعة والتوثيق.


لقد كان الزملاء يؤدون عملهم في إطار مهامهم الإعلامية، ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول مهمة عمل عادية إلى محطة أخيرة في حياتهما. ومن هنا، فإن إحياء ذكراهما لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الرثاء، بل يجب أن يكون مناسبة للتأكيد على أهمية حماية الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، وتوفير الظروف التي تمكّنهم من أداء واجبهم بعيدًا عن المخاطر والتهديدات.


فالصحفي الذي يحمل قلمه أو كاميرته إلى الميدان يؤدي مسؤولية مهنية ووطنية، ومن حقه أن يعمل في بيئة آمنة تحفظ حياته وكرامته، وتصون حق المجتمع في المعرفة.


صدام حسين عبدالله حميده وأسامة سالم حامد لملس.. رجال الواجب والتضحية


كما نستحضر في هذه الذكرى الشهيد صدام حسين عبدالله حميده، قائد حراسة محافظ عدن، والشهيد أسامة سالم حامد لملس، المرافق الشخصي للمحافظ، اللذين سقطا في الحادث ذاته.


إن الحديث عن هؤلاء الشهداء ليس حديثًا عن أسماء تُستعاد في مناسبة سنوية فحسب، بل عن أرواح فقدتها أسرها، ووجوه غابت عن مجالس أهلها، وأحلام توقفت قبل أن تكتمل. وخلف كل اسم من هذه الأسماء حكاية إنسانية تستحق أن تُروى، وأسرة ما زالت تعيش ألم الفقد، وذكريات لا تستطيع السنوات أن تمحوها.


وفي مثل هذه المناسبات، تتجلى قيمة الوفاء الحقيقي؛ فالوفاء للشهداء لا يكون بالبكاء عليهم وحده، وإنما بحفظ ذكراهم، والوقوف إلى جانب أسرهم، وتقدير ما قدموه، والعمل على ألا تتحول تضحياتهم إلى مجرد ذكرى عابرة في صفحات الأخبار.


عدن التي لا تنسى أبناءها


لقد عانت العاصمة عدن كثيرًا من أعمال العنف والتفجيرات التي أزهقت أرواح الأبرياء وأثقلت كاهل المجتمع بالأحزان. وما حدث في العاشر من أكتوبر 2021م يظل محطة مؤلمة في ذاكرة المدينة، ودليلًا على الثمن الباهظ الذي دفعه كثيرون في ظل الأوضاع الأمنية الصعبة التي شهدتها.


لكن المدن لا تُقاس فقط بحجم ما تتعرض له من أوجاع، بل أيضًا بقدرتها على حفظ ذاكرة أبنائها، والتضامن مع أسر الضحايا، والتمسك بقيم الحياة والأمن والسلام. وعدن، بتاريخها وأهلها، تستحق أن تكون مدينة آمنة، يجد فيها المواطن والصحفي والمسؤول والعامل طريقًا لأداء واجبه دون خوف من استهداف أو عنف.


ومن واجب الجهات المعنية أن تظل قضايا الضحايا حاضرة، وأن تحظى الوقائع المتعلقة بمثل هذه الهجمات بما يلزم من متابعة وتحقيق العدالة، حتى لا تضيع الحقوق، وحتى تكون حماية الأرواح أولوية لا تقبل التأجيل.


الذكرى مسؤولية وليست مناسبة عابرة


إن مرور السنوات لا يعني أن الألم انتهى، ولا أن الغياب أصبح أمرًا عاديًا. فهناك أمهات وآباء وإخوة وأبناء وأقارب يستعيدون في كل ذكرى تفاصيل ذلك اليوم، ويشعرون بأن الفقد ما زال حاضرًا بكل ثقله.


ومن هنا، فإن واجبنا الصحفي والإنساني يحتم علينا أن نكتب عن الشهداء بصدق، وأن نستحضر سيرتهم بعيدًا عن المبالغة والمتاجرة بالمآسي، وأن نمنح أسرهم حقها في المواساة والتقدير، وأن نجعل من ذكراهم دافعًا لتعزيز قيم التضامن والتسامح ورفض العنف.


كما أن تخليد ذكرى الشهداء يستوجب الاهتمام بتوثيق أسمائهم وسيرهم، وحفظ ما يتصل بحياتهم وتضحياتهم، حتى تتعرف الأجيال القادمة على ما جرى، وتدرك أن خلف كل خبر عاجل حكايات إنسانية لا تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية.


ختامًا.. ستبقى أسماؤهم في الذاكرة


في ذكرى استشهاد أحمد بو صالح، وطارق مصطفى، واحمد حديج باراس وصدام حسين عبدالله حميده، وأسامة سالم حامد لملس، نستعيد وجوهًا غابت عن أعيننا، لكنها لم تغب عن ذاكرة من عرفوها وأحبوها.


إلى أسر الشهداء وذويهم، وإلى زملائهم وأصدقائهم، وإلى كل من لا يزال يحمل ألم الفقد في قلبه، نقول: إن الحزن على الأحبة لا تمحوه السنوات، وإن الوفاء لهم يظل حاضرًا ما بقيت سيرتهم تُروى وأسماؤهم تُذكر بالخير.


رحم الله شهداء ذلك الحادث الأليم، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم وذويهم جميل الصبر والسلوان، وحفظ عدن وأهلها من كل سوء، وجعل أيامها أمن واستقرار وسلام.


الصحفي صالح حقروص

10 أكتوبر 2026م