لم تعد الفيديوهات التي نشاهدها اليوم على منصات التواصل الاجتماعي مجرد تسجيلات لوقائع حقيقية أو مشاهد التقطتها كاميرات المصورين في الشوارع والأماكن العامة. فمع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح بالإمكان إنتاج مقاطع فيديو متكاملة انطلاقًا من أكواد ووصف مكتوب أو مجموعة صور، وإضافة الأصوات والموسيقى والتعليق الصوتي إليها، بل وإعادة تشكيل المشاهد بطريقة تجعل من الصعب أحيانًا التمييز بين ما هو حقيقي وما صنعته الخوارزميات.
وهكذا، دخلنا مرحلة جديدة من الإعلام الرقمي، لم يعد فيها إنتاج الفيديو حكرًا على المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج وأصحاب الخبرة الفنية. فالهواة أيضًا يستطيعون إنتاج مواد بصرية جذابة، ونشرها على نطاق واسع، والمنافسة على جذب انتباه الجمهور، سواء بهدف الترويج لمنتج أو مكان، أو تقديم محتوى تعليمي، أو ببساطة تحقيق الانتشار.
ويمكن الإشارة هنا إلى مقطع (سلام .. إش اسمك؟ تكلم عربي؟؟) الذي يوظف اليوم لأغراض أخرى غير تعلم اللغات فقط.
https://www.facebook.com/reel/1086245191017342?locale=ar_AR
وفي الحقيقة تتعدد استخدامات الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، من الإعلانات التجارية والترويج للمنتجات والخدمات، إلى الحملات السياسية، وصناعة المحتوى الترفيهي، وتقديم المواد التعليمية. وتكمن جاذبيتها في قدرتها على اختصار الوقت والتكاليف، وإتاحة إمكانات إنتاجية لم تكن متاحة إلا للمؤسسات التي تمتلك ميزانيات كبيرة وفرقًا متخصصة.
ولم يعد إنتاج مقطع ترويجي يتطلب بالضرورة السفر إلى الموقع المستهدف، واستئجار معدات التصوير، والاستعانة بممثلين أو فنيين. إذ يمكن إنشاء مشاهد افتراضية، وتحريك صور ثابتة، وإضافة مؤثرات بصرية وصوتية، ثم إخراج فيديو قصير مصمم خصيصًا لجمهور معين.
لكن هذه الإمكانات تفتح الباب أيضًا أمام التلاعب؛ فالمشهد الذي يبدو وثائقيًا قد يكون متخيلًا بالكامل، والشخص الذي يتحدث أمام الكاميرا قد لا يكون قد نطق بكلمة واحدة مما يُسمع في المقطع. وقد تُستخدم هذه التقنيات لتضليل الجمهور، أو تقديم منتجات ووجهات سياحية بصورة لا تعكس واقعها، أو صناعة أحداث لم تقع أصلًا.
ومن هنا، لا تتعلق المسألة بجودة الفيديو وحدها، بل بمدى صدقيته، وبحق الجمهور في معرفة طبيعة المادة التي يشاهدها. وقد اتجهت شركة ميتا إلى توسيع جهود الشفافية المتعلقة بالإعلانات التي تُنشأ أو تُعدّل بدرجة كبيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يعكس إدراك المنصات نفسها للحاجة إلى توضيح دور هذه التقنيات في صناعة المحتوى الإعلاني.
ومن الظواهر اللافتة التي يمكن رصدها عند متابعة المحتوى المنشور على فيسبوك، الانتشار المتزايد لمقاطع الفيديو التي تقدم المدن السياحية الكبرى في صورة مشاهد بصرية وموسيقية آسرة. وتبرز في هذا السياق مدن إيطالية مثل فلورنسا وميلانو، بما تمتلكانه من عمارة تاريخية وميادين شهيرة وشوارع أنيقة ومعالم فنية وثقافية.
تعرض بعض هذه المقاطع أشهر المعالم، وتتنقل بين الساحات والكنائس والمباني التاريخية والواجهات التجارية، مصحوبة بموسيقى إيطالية أو أغانٍ شهيرة تمنح المشاهد إحساسًا بأنه يقوم بجولة قصيرة في المدينة. وقد تكون هذه المواد تسجيلات حقيقية خضعت للمونتاج، أو مزيجًا من الصور والمشاهد المعدلة، أو مقاطع تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لإضفاء الحركة والحيوية على الصور.
وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة في ضوء الدراسات الحديثة التي تتناول دور الفيديو في التسويق السياحي. فقد نشرت دورية Tourism Management في أكتوبر 2025 دراسة بعنوان «التسويق بالفيديو المعزز بالذكاء الاصطناعي وتأثيره في قرارات السياح»، تناولت استجابات الجمهور للفيديوهات السياحية المولدة بهذه التقنيات. وأشارت الدراسة إلى ما تتيحه هذه الفيديوهات من إمكانات تسويقية، مع إبراز قضايا الأصالة والثقة بوصفها عناصر مهمة في استجابة المشاهدين للمحتوى.
ولا تقتصر قوة هذه المقاطع على الصورة وحدها؛ فالموسيقى تؤدي دورًا لا يقل أهمية. فعندما تترافق مشاهد فلورنسا أو ميلانو مع أغنية إيطالية جميلة، لا يتلقى المشاهد معلومات عن المكان فحسب، بل يتفاعل أيضًا مع إحساس ثقافي يرتبط باللغة والموسيقى والذاكرة والخيال.
وهنا يلتقي الترويج السياحي بالترويج الثقافي؛ إذ تصبح الأغنية وسيلة للتعريف بثقافة البلد، وتتحول المدينة إلى فضاء تتداخل فيه العمارة والفنون والموسيقى وأنماط الحياة. وقد ينجح مقطع قصير، بفضل هذا التكامل، في إثارة فضول المشاهد تجاه بلد لم يزره من قبل، وربما يدفعه إلى البحث عن تاريخه أو تعلم لغته.
وكما ذكرنا يتمثل في توظيف الفيديوهات القصيرة لتعلم اللغات الأجنبية. فبعض صناع المحتوى يقدمون كلمات وعبارات يومية، ويشرحون طريقة نطقها واستعمالها في مواقف حياتية، فيما يستعين آخرون بشخصيات افتراضية وأصوات مولدة بالذكاء الاصطناعي لعرض حوارات وتمثيل مواقف من الحياة اليومية.
وتتيح هذه المواد للمتعلم الاستماع إلى اللغة وربط الكلمات بصور ومواقف، بدل الاكتفاء بحفظ المفردات والقواعد. ويمكن لمقطع قصير أن يقدم تحية بالإيطالية، أو حوارًا في مطعم، أو عبارات يحتاجها السائح في محطة قطار أو فندق. (سلام شنو اسمك؟ تتكلم عربي؟)
واللافت أن بعض صناع هذه المواد محترفون يسعون إلى بناء مشروعات تعليمية أو تسويقية، بينما يقدم آخرون محتوى جيدًا بدافع الهواية وحب اللغة، أو الرغبة في المشاركة والتواصل واكتساب الشهرة، دون أن يكون تحقيق المال هدفهم الأساسي. وهذه إحدى سمات البيئة الرقمية الجديدة، حيث لم تعد القيمة التعليمية أو الإبداعية للمحتوى مرتبطة بالضرورة بحجم المؤسسة التي تقف وراءه.
لقد أصبح إنتاج الفيديو متاحًا لشرائح واسعة من الناس، ولم تعد المؤسسات وحدها تتحكم في صناعة الصورة وتوزيعها. وهذه فرصة حقيقية أمام الصحفيين والمعلمين والمهتمين بالسياحة والثقافة، وكذلك أمام الهواة الذين يمتلكون أفكارًا جيدة ولا يملكون ميزانيات كبيرة.
واليوم هناك في بلادنا مؤسسات إعلام تقوم بالترويج من خلال توظيف بعض الأغاني المشهورة للترويج للفوط (الصوارين) أو الفنادق. ويبدو أن معظم تلك المؤسسات تقع في المكلا وتريم وسيؤن.
لكن مستقبل هذه الظاهرة لن تحدده قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج صور أكثر إبهارًا فحسب، بل قدرة صناع المحتوى على الجمع بين الإبداع والصدق. فالصورة الجميلة قد تجذب المشاهد إلى فلورنسا أو ميلانو، والأغنية قد تثير رغبته في تعلم الإيطالية، والفيديو التعليمي قد يفتح أمامه بابًا جديدًا للمعرفة؛ غير أن الثقة تظل العنصر الذي يحول المشاهدة العابرة إلى تجربة ذات قيمة.
والسؤال متى سنقوم نحن نروج للسياحة في مدننا عدن وسيؤن بتوظيف مقاطع الفيديو الرقمية؟