لغويًا، «يشنقح» تعني أن يضع المرء رجلًا في جهة، والأخرى في الجهة المقابلة، وكأنه يستعد لعبور وادٍ لا يريد أن يسقط فيه. أما سياسيًا، فالشنقحة فنٌّ يمني أصيل في توزيع الأرجل والمصالح والولاءات، بحيث لا تسقط الأسرة كلها إذا سقط أحد الأطراف!
في البلدان الطبيعية، قد تجد أفراد الأسرة الواحدة مختلفين سياسيًا؛ هذا يساري، وذاك يميني، وثالث لا يعرف الفرق بين اليمين واليسار، لكنه يعرف جيدًا أين توجد المصلحة. أما عندنا، فقد يتحول الاختلاف السياسي إلى خطة عائلية محكمة لتأمين المستقبل: واحد مع الشرعية، والثاني مع الحوثيين، والثالث يعلن الحياد، لكنه يحتفظ بأرقام هواتف الجميع، تحسبًا لأي طارئ.
وقد روى المرحوم الدكتور صالح باصرة أنه حين سُئل عن انتمائه إلى المؤتمر الشعبي العام، بينما ينتمي أخوه محسن إلى حزب الإصلاح، أجاب بما معناه أن آل الأحمر أنفسهم لا يضعون بيضهم كله في سلة واحدة.
وهكذا انتقلت الحكمة من حظائر الدجاج إلى دهاليز السياسة، وتحولت السلال إلى نظرية في إدارة المخاطر، وصارت بعض الأسر أشبه بشركات استثمارية توزع أسهمها على الأحزاب المتخاصمة. فإذا خسر حزب، أنقذ الحزب الآخر ما تبقى من رأس المال العائلي، وإذا تغيرت السلطة، لم تحتج الأسرة إلى تغيير موقفها؛ يكفي أن تغيّر مكان الوقوف!
لكن المشكلة أن البيض هذه المرة ليس بيض دجاج، والسلال ليست كلها آمنة، والبلد يعيش حربًا لا تعرف المجاملة. والمواطن الذي يضع قدمه في المعسكر الخطأ قد يدفع الثمن من أمنه ورزقه وحياته، أما المستثمر السياسي فيوزع قدميه بعناية، ويترك للأقدار مهمة تحديد المعسكر الذي سيحتفل معه بالنصر.
اليوم، كتب الزميل الصحفي صلاح بن لغبر مهنئًا نجيب غلاب، وكيل وزارة الإعلام في الحكومة الشرعية، بتعيين شقيقه عبد الفتاح غلاب مشرفًا عامًا للحوثيين في محافظة إب، مضيفًا بلهجة ساخرة: «وعقبال البكاري».
وبحسب ما أورده بن لغبر، فنحن أمام نموذج يثير التساؤل: شقيق يشغل منصبًا في معسكر الشرعية، وآخر يتولى منصبًا مهمًا لدى الحوثيين. وكأن الأسرة قررت دخول السباق بحصانين متنافسين، على أن يتولى الفائز تهنئة أخيه الخاسر، وربما يمنحه منصبًا استشاريًا في شؤون المعارضة!
طبعًا، لا يعني اختلاف المواقف السياسية بين الأشقاء بالضرورة وجود تنسيق بينهم، ولا يجوز تحميل أحد مسؤولية موقف أخيه لمجرد رابطة الدم. فقد تكون لكل شخص قناعاته واختياراته ومساراته الخاصة. لكن الأسئلة تصبح مشروعة حين تتكرر هذه النماذج، ويشغل أفراد الأسرة الواحدة مواقع مؤثرة لدى أطراف تخوض حربًا ضد بعضها بعضًا.
وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين الاختلاف السياسي الطبيعي و«الشنقحة» بوصفها استراتيجية محتملة لتوزيع النفوذ. فليس كل أخوين مختلفين سياسيًا مشروعَ تأمين عائلي، لكن ليس من الحكمة أيضًا أن نطالب الناس بتجاهل كل سؤال لمجرد أن الإجابة قد تكون محرجة.
أما الشنقحة السياسية، في نسختها المتقدمة، فهي أن تضع قدمًا في معسكر، والأخرى في معسكر خصمه، ثم تقنع الطرفين بأنك مخلص لكل منهما، وأن المسألة لا تتجاوز اختلافًا عائليًا في وجهات النظر. وإذا سألك أحدهم عن السر، قلت له بكل ثقة: نحن أسرة تؤمن بالتعددية السياسية!
والمواطن المسكين، في المقابل، يُطلب منه أن يحسم موقفه بوضوح، وأن يدفع ثمن انحيازه، وربما يخسر حياته لأنه وقف في الجهة الخطأ. أما بعض المحظوظين، فيبدو أن لديهم بوليصة تأمين سياسية شاملة، تغطي أضرار سقوط الحكومات، وتبدل التحالفات، وانهيار المشاريع، وربما تشمل خدمة نقل مجانية إلى المعسكر المنتصر!
نعم، في بلادنا، حيث تتغير التحالفات أسرع مما تتغير أسعار الصرف، قد تصبح الشنقحة مهارة مطلوبة في سوق المناصب، ويغدو الانتماء السياسي مثل الاشتراك في شبكة اتصالات: الأفضل أن تكون لديك شريحة في كل شبكة، حتى لا ينقطع الاتصال عندما تتعطل إحداها.
لكن يبقى السؤال: إذا كانت كل أسرة تحجز لها مقعدًا في كل معسكر، وإذا كان الجميع يؤمِّنون مستقبلهم على حساب تعدد الولاءات، فمن يحجز مقعدًا للوطن؟