آخر تحديث :الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - 05:11 م

ثقافة - أدب - فن


ليلة في محراب الفكر: تجربة أولى في إدارة الحوار بـمنتدى "عميد الوفاء" بالمكلا

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - 04:24 م بتوقيت عدن

ليلة في محراب الفكر: تجربة أولى في إدارة الحوار بـمنتدى "عميد الوفاء" بالمكلا

عدن تايم / سعيد خميس بامحسون


في مساء هادئ بمدينة المكلا، وبالتحديد في "روكب"؛ البلدة التاريخية الجميلة، تلقيت مكالمة هاتفية من الأستاذ والباحث مبارك سالم باشحري ابن بلدي "الحامي" المحتمية أخبرني فيها برغبته في أن أكون معه في أمسية ثقافية يُقيمها "منتدى عميد الوفاء الثقافي" بالمكلا، ضمن أمسياته وفعالياته الثقافية والفكرية التي تُعقد مساء يوم السبت بين العشاءين.

وأخبرني أن الفعالية ستكون في العاشر من أكتوبر، أي بعد أسبوعين تقريباً، ودون تردد، وافقت على أن أكون مديراً للحوار في الفعالية وهو المتحدث، وذلك عن السيد العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد.


*وجاءت موافقتي لأكثر من أمر:*

• أولاً: شغفي الكبير بالتاريخ والتراجم، لاسيما ما يتصل بتراث حضرموت والوطن عموماً؛ وهو اهتمام قديم نشأت عليه منذ صغري قراءةً واطلاعاً وبحثاً في سير الأعلام والأنساب والتراث، ويثمر حالياً في أبحاث عكفتُ على كتابتها وأخرى أعمل على تجميع مادتها، ينصبّ معظمها في الفضاء التاريخي والتراجمي، ويرتبط بعضها بذاكرة أسرتي وقبيلتي وبالموروث الفني والثقافي.

• ثانياً: الاعتزاز البالغ بالثقة الغالية التي خصّني بها الأستاذ مبارك باشحري لاختياري دون غيري لإدارة الحوار وتيسير الجلسة، وهو شرفٌ أعتزّ به ووسامٌ عزيز على قلبي.

• ثالثاً: التقدير والامتنان اللذان أكنّهما لـ "منتدى عميد الوفاء الثقافي" و"مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر"، لقاء جهودهما الاستثنائية في صون التاريخ الحضرمي وتوثيقه، وإبراز معالم الهوية الحضرمية، وتتويج هذه المساعي بأطر أكاديمية وعلمية تُخرج التراث للنور في أبهى صورة.

• رابعاً: نيل شرف التواجد بين كوكبة نيرة من المثقفين والباحثين والمفكرين والنخب الأكاديمية والعلمية في هذه الأمسية الثقافية.

• خامساً: المكانة العلمية والاجتماعية للسيد العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد — شيخ مشايخنا — هذا الرجل الذي تجسّدت في مسيرته أسمى صور العطاء والأخلاق، والذي اتّسم علمه بالعمل؛ فكثيراً ما قدّم لحضرموت وأثرى تاريخها بأدواره المتنوعة؛ دينيةً كانت أم اجتماعية أم غير ذلك، فكان حريّاً بنا أن نحتفي بذكراه، وأن نخلّد سيرته وأدواره بيننا، لنستلهم من منهجه وأخلاقه القدوة والأسوة.


*عميد الوفاء والفعالية*

بدأت الفعالية في تمام الساعة السادسة وخمس عشرة دقيقة مساءً، بحضور مدير عام مكتب وزارة الثقافة بساحل حضرموت الأستاذ عمار باطويل، الذي رحّب به الدكتور عبد القادر باعيسى، نائب رئيس المركز.

ثم بدأت الأمسية بمقدمةٍ ألقيتها؛ رحّبتُ فيها بالحاضرين، وعرّفتُ بالمحاضرة ومحورها، والتعريف بالمتحدث وعلاقته الممتدة بالمترجَم له، ثم ألقى الباحث باشحري محاضرته التي جاءت — برأيي الشخصي — رائعةً، غزيرة المادة، ومُتسلسلة الطرح، حيث ألقاها مسترسلاً من ذاكرته وحفظه بأسلوب سردي ممتع نال استحسان الحاضرين، لما أظهره من تمكّنٍ لافت من مادة محاضرته المقتضبة أساساً من كتابه الصادر حديثاً بعنوان: (السيد العلامة القاضي عبد الله بن محفوظ الحداد: حياته وأدواره الاجتماعية).

وفور انتهاء المحاضِر، أدرتُ باب المداخلات والأسئلة؛ حيث تتابعت مشاركات الحاضرين التي أثرت الموضوع بطرح علمي ونقدي رصين، تولّى الأستاذ باشحري التعقيب عليها والإجابة عنها.

وفي الختام، ختمتُ المحاضرة مؤكداً على ما طرحه المهندس عوض بن هامل كمقترحٍ، وربما يكون مخرجاً لهذه الفعالية؛ وهو العمل على إخراج موسوعة العلامة الحداد، وأن تكون هذه الموسوعة تكاملية بين المراكز البحثية والجامعات، وخصوصاً جامعة الأحقاف التي ساهم الحداد في تأسيسها، وجامعة حضرموت التي درّس فيها وأسس بها بعض الأقسام، وكذا الأربطة ودور العلم، ومؤسسة الحداد، ومجلس الإفتاء بمنزله، ومكتب الثقافة، وغير ذلك من الجهات التي تكمل العمل في هذه الموسوعة.


*رأيي الشخصي بالكتاب ومحور المحاضرة*

كتاب (السيد العلامة القاضي عبد الله بن محفوظ الحداد: حياته وأدواره الاجتماعية)، تأليف الأستاذ الباحث مبارك سالم مبارك باشحري، أهداني إياه المؤلف قبل المحاضرة بأسبوعين، وعكفتُ على قراءته، وفي أول يوم قرأته فيه وصلتُ إلى نصف الكتاب دون أن أشعر، لما فيه من مادة غزيرة عن السيد، وسرد مبهر، وأسلوب غير مألوف بالنسبة لي في التراجم.

فالباحث هنا لم يقدم ترجمة معتادة من حيث الاسم والنسب والنشأة والشيوخ والتلاميذ والكتب والأعمال وكفى، بل تناول بالتحليل شخصية المترجَم له وأثر البيئات التي عاش فيها، مستعرضاً منهجه وأسلوبه في التعامل مع الناس والمجتمع، ليبرز المترجَم له كـ "نموذج إسلامي اجتماعي شعبي"، وربما هذا المصطلح اختلف فيه حتى بعض من كان في الندوة، ولكن الذي أراد الباحث أن يوصله لنا هو أن الحداد لم يكن عالم دين فحسب، بل كان جزءاً من مجتمع عاش فيه، ولذلك تجده يجسد الشخصية الاجتماعية في معاملاته وأسلوبه وعلمه، وذكر الباحث نماذج كثيرة تأصيلاً لذلك من خلال خطبه ومواقفه وفتاواه وتعاملاته وغير ذلك.

إن الكتاب أراه أسلوباً جديداً بالنسبة لي في التراجم بحضرموت، وخصوصاً في تراجم الشخصيات، وقد قال باشحري نفسه عن الكتاب في مقدمته:

"هذا المؤلف — أي الكتاب — دراسة بحثية علمية تظهر دور المجتمع والأسرة والبيئة في ظهور شخصية دينية سايرت من كان قبلها باحتذاء نموذج الإسلام الاجتماعي الشعبي، المعبر عن تقويم المجتمع وصونه من النزاعات، لذا فهو كما أشرت أعلاه توصيف وتوثيق لما كان دائراً في تلك المجتمعات في جوانب متعددة، فكل من سبقني تناول التقريظ والسرد الجاف للوظائف التي تقلدها ليس إلا."

وأراد باشحري أن يقدم من خلال الكتاب والمحاضرة صورة لشخصية عظيمة ومرجعية حقيقية، المجتمع اليوم بأشد الحاجة إليها، لذا قدم باشحري السيد عبد الله بطريقة أخرى؛ أي لم يترجم له ترجمة ذاتية فحسب، بل تعدى ذلك إلى تحليل وتوصيف منهجه وأسلوبه وطريقته وأثر البيئات فيه، ليوصل لنا أننا نحتاج لمثل هذه الشخصية بكامل تفاصيلها.


*كلمة أخيرة*

أشكر الأستاذ مبارك باشحري على اختياره لي في هذه الفعالية، وكذلك منتدى "عميد الوفاء" وجميع القائمين عليه على إتاحة الفرصة لي لأكون بينهم في هذه الفعالية كمدير حوار.

وأخص بالشكر الدكتور عبد الله الجعيدي والدكتور عبد القادر باعيسى اللذين أتعلم منهما ومن علمهما وطرحهما الشيء الكثير من خلال كُتُبِهِمَا ومقالاتهما، أو من خلال مشاهدتي وحضوري في عميد الوفاء.

كذلك الشكر موصول لمن حضر وشارك وأثرى المحاضرة بالأسئلة والمعلومات والمواقف الجميلة مع المترجَم له، وفي النهاية أقول: كانت تجربة جديدة ومفيدة بالنسبة لي، وإن شاء الله تتكرر في قادم الأيام.