تستوقفني محطات التاريخ مجبراً للوقوف أمامها إجلالاً وإكباراً، وأبرز هذه المحطات هي ذكرى ثورة 14 أكتوبر المجيدة (1963م)، التي تفتقت مداركي وتشبعت معارفي من وهجها العظيم منذ الطفولة، فعرفتُ الحياة وتكونت شخصيتي وتفولذت وانصهرت في أتونها. هذه المحطة لا أستطيع تجاوزها إطلاقاً، مهما كانت الظروف العصيبة التي تحاصرني، وسأحتفل بذكراها بمشاعري وأحاسيسي ووجداني.
ومثلما هاجت مشاعري و حلّق رادار أفكاري شوقاً في فضاء عدن في ذكرى "إعلان عدن التاريخي" (4 مايو) هذا العام من الرياض – وهي ذكرى التفويض الشعبي للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، حيث عبّرتُ حينها عن وفائي وجدّدتُ العهد من الرياض – أجد نفسي اليوم أكثر شوقاً وحنيناً إلى ردفان، رمز الشموخ الأكتوبري الجنوبي. ردفان التي أطلقتُ اسمَها على ابني (ردفان) تكريماً لهذه المنطقة، وحيث تزامن يوم ميلاده مع انتصار معركة جبل (الأحمرين) عام 2010م.
إن هذه المحطات التاريخية وغيرها تُشكل شخصيتي الوجودية، ولن أقبل بالتخلي عن تاريخي السياسي مطلقا، كما لن أقبل بالظهور منكسراً؛ فهذا ما ترفضه نفسي رفضا قاطعا.
الرسالة الأولى: الحنين إلى ردفان
إن الحنين إلى ردفان الثورة، الجباه السمر والذئاب الحُمر، صانعي فجر أكتوبر الأول وصانعي مجد أكتوبر الثاني في 14 أكتوبر 2007م (صُنّاع ملحمة منصة ردفان العظيمة)؛ هو حنينٌ أحني له الهامات، وأجدد العهد لهم بصفتي محامي شهداء وجرحى منصة ردفان. وتلك صفة أعتبرها وساماً على صدري، وأقل واجبٍ أقدّمه هو أن أتذكرهم في ذكراهم الخالدة، وأترحم عليهم، وأجدد العهد بالسير على خطاهم.
لقد مثّلت الذكرى الـ 44 لثورة 14 أكتوبر (عام 2007م) مكسباً من المكاسب العظيمة التي حققها الحراك الجنوبي السلمي حينها، وكان لي شرف التكريم من أبناء ردفان بتكليفي بعضوية اللجنة التحضيرية، ومُتحدثاً إعلامياً، ومُقدماً للحفل والفعالية الكبرى من المنصة ذاتها، بعد ساعاتٍ فقط من المجزرة المروعة البشعة.
تلك المحطة التاريخية الفارقة أعادت الاعتبار لمجد جيل الأوائل من ثوار ثورة الجنوب الأولى (1963م) من المهرة إلى باب المندب بقيادة الشهيد راجح لبوزة ورفاقه. وجاء أحفادهم الأبطال، شهداء منصة ردفان عشية 14 أكتوبر 2007م، وهم الشهداء:
1. فهمي محمد حسن
2. عبد الناصر قاسم حمادة
3. محمد نصر هيثم
4. شفيق هيثم حسن
ومعهم طابورٌ من الجرحى الميامين النشامى (شفاهم الله وأطال في أعمارهم). جاءوا يومها كعاصفةٍ تقتلع عرش الاحتلال الثاني من ردفان، ليصنعوا بدمائهم وأرواحهم أسطورة النصر الأكتوبري الثاني. لذلك أتمنى أن يُدرَّس تاريخ بطولة شهداء وجرحى منصة ردفان -التي اجترحها وسطرها رجال الرجال- لطلاب المدارس وفي محاضرات التوعية المعنوية.
الرسالة الثانية: التحديات والاصطفاف
تأتي ذكرى ثورة أكتوبر المجيدة هذا العام وشعب الجنوب يواجه تحدياتٍ صعبة داخلية وخارجية، ولكنه استطاع الثبات وتجاوز التحديات وتحقيق انتصارات جديدة في معركة استعادة باب المندب وحدود الجنوب، فيما يقاوم التحدي الأكبر حالياً والمتمثل في مواجهة غزو ميليشيات الحوثي الإرهابية. نعم، فهذه السلالة تمثل جائحة قاتلة؛ قصفت وأغلقت المطارات في عدن والجنوب وفي المملكة العربية السعودية وأماكنها المقدسة.
و لقد انكشف قناع هذه الميليشيات التي تدعي زورا شعار "الموت لأمريكا وإسرائيل"، وتذرعت بقصف مطار تل أبيب الإسرائيلي دفاعا عن فلسطين وغزة؛ ولكن السؤال اليوم: لماذا التوقيت في ذكرى "طوفان الأقصى" تقصف ميليشيات الحوثي الإرهابية أراضي المملكة العربية السعودية (مهبط الوحي)، وتقصف المعتمرين المتجهين إلى بيت الله الحرام، وترتكب مجازر وحشية ضد المدنيين من مختلف الجنسيات في المملكة؟ ولماذا تقصف عدن ومدن الجنوب في 7 أكتوبر في ذكرى طوفان الأقصى؟
إن هذه الجرائم مدانةٌ، ونُعبر عن استنكارنا بأشد العبارات لهذا النهج الأرعن الإرهابي الوحشي.
ونجدها مناسبةً للإشادة بخطاب قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي بشأن التهدئة وإعادة العلاقات مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، وكذا الدعوة المتمثلة بالاصطفاف الشعبي والعسكري ضد ميليشيات الحوثي الإرهابية في هذه الظروف العصيبة.
ختاماً
الرحمة للشهداء الأبطال، والتحية للقوات المسلحة الجنوبية والمقاومة الجنوبية والدعم والإسناد الشعبي والتعبئة العامة من أجل حماية مكتسبات شعب الجنوب التحررية، ومواصلة النضال حتى تستكمل ثورة الجنوب أهدافها المتمثلة باستعادة دولة الجنوب.
وكل عام وشعبنا الجنوبي بخير ومزيدٍ من الثبات، ونردد معكم أنشودة النصر:
"الله الله يا أكتوبر على يوم النصر".
المحامي/ يحيى غالب الشعيبي
12اكتوبر 2026م الرياض