لم يكن الظهور التلفزيوني لعيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، مساء اليوم الثلاثاء، مجرد خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، بل حمل رسائل سياسية تتجاوز المناسبة، في ظل التحولات التي شهدها المشهد الجنوبي منذ مطلع العام،.
فالخطاب الذي دعا فيه عروس الزبيدي إلى التعبئة الشعبية العامة والاحتشاد في 14 أكتوبر، وأكد التمسك بإعلان 2 يناير، وندد بهجمات الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية، يمكن قراءة دلالاته من ثلاث زوايا رئيسية.
أولًا: كسر العزلة السياسية والإعلامية
يمثل الظهور التلفزيوني المباشر للزبيدي محاولة لإثبات أن المجلس بقياداته التاريخية لا يزال حاضرًا في المعادلة السياسية الجنوبية، وأن غيابه عن الظهور المباشر خلال الأشهر الماضية لم يؤدِّ إلى إنهاء دوره أو إخراجه من دائرة التأثير.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في توقيتها؛ إذ تأتي في مرحلة تتزايد فيها التساؤلات بشأن مستقبل المجلس الانتقالي، وموقع قيادته في الترتيبات السياسية المقبلة، ومدى قدرته على الحفاظ على نفوذه في المحافظات الجنوبية في الوقت الذي يتم تفريخ مجالس التنسبق .
ومن هذه الزاوية، لا يخاطب الزبيدي أنصاره وحدهم، بل يوجّه رسالة إلى خصومه ومنافسيه مفادها أن الرهان على تجاوز حضور الانتقالي سياسيا لن يتم..
ثانيًا: التعبئة الشعبية اختبار لحجم الحضور السياسي
تأتي الدعوة إلى الاحتشاد في 14 أكتوبر لتضع الشارع الجنوبي في صدارة المشهد، بعدما ظلت التحولات السياسية والعسكرية خلال الفترة الماضية العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد موازين القوى.
فالزبيدي يريد، من خلال المليونية المرتقبة، تحويل التأييد السياسي المعلن إلى حضور جماهيري ملموس، واستخدام هذا الحضور لإثبات أن المجلس الانتقالي لا يزال يمتلك قاعدة شعبية قادرة على التعبير عن موقفها في الشارع.
وهنا تبرز أهمية المناسبة؛ فذكرى ثورة 14 أكتوبر تحمل رمزية تاريخية كبيرة في الوعي السياسي الجنوبي، وهو ما يمنح الدعوة إلى الاحتشاد فرصة لتجميع الأنصار تحت عنوان وطني يتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة.
وبذلك، تصبح مليونية 14 أكتوبر اختبارًا مزدوجًا: للقدرة التنظيمية للمجلس الانتقالي من جهة، ولحجم الحضور الشعبي الذي يستطيع الزبيدي الاستناد إليه في أي مفاوضات أو ترتيبات سياسية مقبلة من جهة أخرى.
ثالثًا: تقديم الانتقالي بوصفه شريكًا في مواجهة الحوثيين
تحمل إدانة الزبيدي لهجمات الحوثيين ضد السعودية رسالة إقليمية تستحق التوقف عندها؛ إذ يسعى الخطاب إلى ربط القضية الجنوبية بمسألة الأمن الإقليمي، وتقديم القوات الجنوبية بوصفها طرفًا فاعلًا في مواجهة التهديد الحوثي، وليس مجرد قوة محلية تطالب باستعادة دولة الجنوب.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كون السعودية لاعبًا رئيسيًا في الملفين الجنوبي العربي و اليمني، ومن أن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بمواجهة الحوثيين أو إعادة تشكيل المشهد العسكري والسياسي ستتأثر بمواقف القوى الجنوبية وقدراتها على الأرض.
ومن الواضح أن يكون الزبيدي أراد التأكيد للرياض أن الخلافات السياسية لا تلغي إمكانية التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة، وأن القوات الجنوبية يمكن أن تؤدي دورًا أمنيًا وعسكريًا في حماية الجنوب والممرات البحرية وأمن المنطقة.
إعلان 2 يناير.. تأكيد على استمرار المشروع السياسي
إلى جانب الدلالات الثلاث، فإن تمسك الزبيدي بإعلان 2 يناير يمثل تأكيدًا على أنه لا يريد أن يُقرأ غيابه السابق أو عودته الحالية باعتبارهما تراجعًا عن مشروعه السياسي.
فالرسالة هنا أن المجلس الانتقالي يسعى إلى إبقاء قضية الجنوب حاضرة في أي نقاش بشأن مستقبل اليمن، وأنه لا يرى أن التغيرات التي شهدها المشهد خلال العام الجاري قد أنهت المطالب التي يطرحها.
يمكن النظر إلى خطاب الزبيدي الليلة باعتباره محاولة لإعادة تثبيت حضوره السياسي عبر ثلاثة مسارات متكاملة: الظهور العلني لكسر الانطباع بالعزلة، والتعبئة الشعبية لإظهار حجم التأييد، وتقديم القوات الجنوبية بوصفها شريكًا في مواجهة الحوثيين لكسب موقع أكثر تأثيرًا في الحسابات الإقليمية.