يحتفل شعبنا الجنوبي هذه الأيام بالذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أوكتوبر الخالدة، هذه الثورة التي أتت لتضع فاصلًا تاريخيًا قاطعًا بين زمنين؛ زمن الاستعمار والتبعية والتخلف والجهل والاحتراب والتشرذُم والاقتتال بين أبناء الجنوب، وزمن الحرية والاستقلال والسيادة والعزة والكرامة والوحدة الوطنية الجنوبية والنهوض بحياة ومكانة المواطن الجنوبي وإنسانيته.
إن ثورة الرابع عشر من أكتوبر لم تكن حالةً عبثية أو نزوةً صبيانية طائشةً قام بها بعض الشباب المغامرين كما يحاول أن يصورها بعض الذين لهم حسابات شخصية مع التاريخ الجنوبي المجيد، بل لقد كانت حتمية تاريخية فرضتها قانونيات وسنن التطور والاجتماعي حينما هب الشعب الجنوبي بكل أبنائه وبناته، برجاله ونسائه، بمثقفيه ومقاتليه في مدنه وأريافه لنصرة الثورة ورفض حالة التبعية للنظام الاستعماري المتآكل، ولم تمضِ أربع سنوات حتى كان المستعمرون يشدون الرحال عن أرض الجنوب.
لقد بدأت بعض الأصوات النابية ترتفع هنا وهناك محاولةً إدانة ثورة الرابع عشر من أوكتوبر وثوارها وشهدائها، متباكيةً على الماضي الاستعماري وما تنسبه إليه من فضائل مصطنعة وعطايا زائفة.
ولكل أصحاب هذه الأصوات التي تحاول إدانة واحدةً من أنصع صفحات التاريخ الجنوبي نقول: تذكروا أنه لولا ثوره الرابع عشر من اكتوبر لما كان هناك دولةٌ جنوبيةٌ واحدةٌ تمتد من أرخبيل حنيش وميون وباب المندب في أقصى الغرب إلى سقطرى وصرفيت وقشن بمحافة المهرة في أقصى الشرق الجنوبي، دولةٌ عبرت عن تطلعات ملايين الجنوبيين الطامحين إلى الحرية والكرامة والتخلص من مخلفات الزمن الاستعماري المتمثلة بالجهل والفقر والأوبئة والتخلف الاجتماعي والحضاري.
وبهذه المناسبة علينا أن نذكِّر الجاحدين وأصحاب النظارات السوداء أن أكثر من 80% من سكان الجنوب على أكثر من 90% من مساحته لم يعرفوا التطبيب ولا التعليم ولم يتعرفوا على مفاهيم النظام والقانون والحياة المدنية ولا على النظام القضائي ومعنى النيابة العامة ولا المنظومة الإدارية ولم يعرفوا الانضباط والعدل الاجتماعي ولم يعرفوا الإخاء والأمن والاستقرار إلَّا بعد 30 من نوفمبر 1967 وهو الانتصار التاريخي الذي صنعته ثورة أكتوبر وثوارها الأبطال.
لقد ظل أكثر من 80% من سكان الجنوب يعالجون مرضاهم بالأعشاب والكيِّ والحروز والتعاويذ وكان أفضل المتعلمين على هذه الأرض الواسعة من مساحة الجنوب هو من يجيد القراءة والكتابة ويحفظ بعض آيات القران الكريم، وكانت الأمية الأبجدية تشم أكثر من 70% من سكان الدنوب، وظلت النزاعات والفتن القبلية بين أبناء السلطنات والإمارات، بل والقبائل داخل السلطنة الواحدة والفخائذ داخل القبيلة الواحدة والقرى والمناطق داخل الفخذ الواحد، ظلَّت تفتك بأرواح الناس لأتفه الأسباب ولم يأبه النظام الاستعماري لتلك الضحايا، وكانت سلطات المشائخ والأمراء والسلاطين سواءٌ المتعاقدين مع المستعمر البريطاني أو الرافضين والمقاومين لوجوده، كانت أعجز من أن تطفئ هذه النيران التي وقودها أرواح وممتلكات المواطنين، ولم يتوقف هذا التمزق والنزيف الاجتماعي ولم يعرف الناس التعليم الحديث القائم على المنهج الحديث إلَّا بفضل دولة الاستقلال المجيدة، أما التعليم الجامعي والمهني والتخصصي فقد ظل أشبه بالحلم البعيد المنال بالنسبة للغالبية الساحقة من أبناء الجنوب، لكن دولة الاستقلال قد حولت هذا الحلم إلى حقيقة ملموسة، أصبح في ظلها بإمكان ابن الفلاح أو ابن الصياد وابن عامل النظافة وغيرهم من الطبقات الفقيرة، أن يغدوا أطبَّاءً أو قادة عسكريين أو قضاة ومحامين ومهندسين وطيارين وقادة سياسيين ومدراء ووزراء، كل ذلك تحقق بفضل ثورة 14 أكتوبر المجيدة التي يجحد أفضالها الجاحدون.
أيها الاخوه الاعزاء!
إنني لا أرغب في الإطالة في الحديث، لكنني أشير إلى التحديات الكبرى التي تنتصب اليوم أمام شعبنا الجنوبي، . . إننا لا نحاكم التاريخ لكن علينا الاعتراف بان خطوة الذهاب الى ما سمي بـ"الوحدة اليمنية" في العام 1990م كانت خطوةً مرتجلة ولم تنل حقَّها في الدراسة والتقييم المسبقين، وقد كان من نتيجة هذا الارتجال وتلك العشوائية ما حصل في العام 94م من حربٍ عدوانية واجتياحٍ غادرٍ ووأدٍ ممنهجٍ ومتعمد للدولة الوطنية الجنوبية التي كانت قد رسخت جذورها على الأرض طوال ما يقارب ربع قرن، هذه الحرب العدوانية التي حولت الجنوب من شريكٍ في مشروع الدولة بالمناصفة إلى غنيمة حرب بأيدي جماعات الهمج والغوغاء المنتصرين في حرب الاجتياح والعدوان.
ولسنا بحاجةٍ إلى استعراض سياسات الإقصاء والاستبعاد والتمييز والسلب والنهب والاستحواذ التي مارسها الحكام المنتصرون على الشعب الجنوبي والعبث بثرواته وتشويه تاريخه ومحاولة مسخ الهوية والثقافة الجنوبيتين، لكننا نقول إن شعبنا الذي ثار ضد نهج الحرب وتبعاتها منذ العام 94م ثم في العام 2007م حينما انطلقت ثورة الحراك السلمية الجنوبية قد أثبت تشبثه بقضيته الجنوبية العادلة وحقه المشروع في استعادة دولته، وحينما جاء العدوان الثاني في العام 2015م هب الشعب الجنوبي بكل قطاعاته للدفاع عن أرضه وكرامته ولقن الأعداء ما يكفي من الدروس التي يفترض أن يتعلموا منها بأن الشعب لن يتخلى عن قضيته وأنهُ متمسكٌ بحقه التاريخي في تقرير مصيره بعيدًا عن الوصاية والتبعية، لكن الأعداء لن يكُفُّوا عن مؤامراتهم، وقد تابعتم ما تعرضت له القضية الجنوبية من محاولات الوأد والتفخيخ من الداخل، والتي تصدى لها شعبنا الأبي وبكل ثبات رافضًا كل مشاريع الوصاية التي يمارسها أدعياء "الشرعية" ومثلهم أدعياء "الحق الإلهي" في محاولاتهم إعادة فرض سيطرتهم على الجنوب.
لقد كان الجنوب دولةً مستقلةً عضوةً في جميع المنظمات الدولية ومعترفٌ بها من قبل غالبية دول العالم، وحينما ذهب لمشروع الوحدة ذهب بنية بناء الدولة المدنية الحديثه بالشراكة مع الشعب الشمالي الشقيق، لكن ذلك لم يكن مقبولًا لدى الشريك الآخر لأنه لم يكن يحمل سوى مشروع الهيمنة والسلب والنهب، واليوم ما يزال شعبنا مصرًّا على الذهاب باتجاه الدولة الجنوبية الجديدة.
أيا الإخوة الأعزاء،
إننا عندما نتحدث عن الدولة الجنوبية الجديدة إنما نعني فيما نعني جنوبًا متحررًا من أسر الماضي وقيوده ومثالبه دونما الاستغناء عمَّ في تاريخنا المجيد من دروس وعبر إيجابية، وإن الدولة الجنوبية الجديدة التي نسعى إليها لن تكون تكرارًا ميكانيكيًا لأي مشروع من تجارب الماضي التي أخذت زمنها وانقضى عمرها، فلا هي استدعاءٌ لمشروع اتحاد الجنوب العربي؛ ولا هي تكرارٌ لتجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وبالتأكيد لا يمكن أن تكونَ استنساخًا لنظام 7 يوليو ودولة ما بعد 94م البائسة، لكنه الجنوب الجديد المتَّسِع لكل أبنائه وبناته وطبقاته وأطيافه السياسية، الجنوب الاتحادي الديمقراطي القائم على النظام والقانون والعدل الاجتماعي والتداول السلمي للسلطة.
وبهذا الصدد نقول لجميع الأشقاء والأصدقاء إن قيام الدولة الجنوبية القادمة لن يمثل اعتداءً على أحد أو مساسًا بحقه فهو لن يكون فقط مصلحةً جنوبية، بل إنه مصلحة يمنية وإقليمية ودولية فالدولة الجنوبية ستكون ضامنةً للأمن والاستقرار وشريكًا فاعلًا في مكافحة الإرهاب وحفظ السلام في المنطقة ومع الجوار الاقليمي والدولي وفي حماية الممرات المائية وطرق التجارة الدولية، ولن تكون الدولة الجنوبية إلَّا جزءًا من التكامل الخليجي والعربي والإنساني، ومن هذا المنطلق نؤكد بان تمسك شعبنا بحقِّه في استعادة دولته ليس مطلبًا تعجيزيًّا ولا هو قضيةٌ عصيةٌ على التحقيق، فهو لا يمثل سوى مراجعة الخطأ التاريخي الذي جرى في العام 199م والعودة إلى وضع الدولتين الجارتين الشقيقتين المتعاونتين والمتشاركتين في العديد من المصالح والمشاريع المشتركة.