من أبرز المغالطات الخلط بين الهوية الجغرافية والهوية الحضارية والهوية السياسية، ثم توظيف هذا الخلط لتزييف الوعي، من خلال تصوير "وحدة اليمن" باعتبارها حقيقة ممتدة عبر العصور.
فقد تحوّل الاشتراك في المجال الجغرافي والإرث الحضاري إلى حجة لإثبات وجود دولة واحدة وهوية سياسية وقومية موحّدة عبر التاريخ، مع أن هذه المفاهيم الثلاثة مختلفة، ولا يستلزم أحدها الآخر؛ فالهوية الحضارية لا تعني بالضرورة وحدة سياسية، كما أن الهوية الجغرافية لا تعني بالضرورة وحدة الانتماء السياسي، أما الهوية السياسية فهي نتاج مسار تاريخي محدد.
ولتفنيد هذه المغالطة، علينا فهم كل مستوى من المستويات الثلاثة:
أولًا: المجال الجغرافي
ارتبط اسم "اليمن" في دلالاته الجغرافية قديمًا بمعنى الجنوب، أو بالأرض الواقعة إلى يمين الكعبة، أي جنوب الجزيرة العربية.
إن وجود اسم جغرافي يشمل مناطق متعددة لا يثبت أن هذه المناطق كانت خاضعة لدولة واحدة، ولا أن سكانها امتلكوا هوية سياسية موحّدة؛ فالاسم قد يجمع مناطق وأقاليم متعددة ومختلفة في تجاربها السياسية، لكنه لا يحوّل تاريخها المتعدد إلى تاريخ دولة واحدة متصلة.
ومن المؤكد أن الدول التي قامت في هذه الرقعة الجغرافية لم تكن جميعها تسمّي أوطانها "اليمن" بالمعنى الذي استقر لاحقًا.
وعليه، فإننا، بوصفنا جنوبيين، نرتبط بهويتنا الجغرافية اليمنية، أي بجنوب الجزيرة العربية، لكن ذلك لا يعني أن تُفرَض علينا هوية سياسية يمنية.
ثانيًا: الإرث الحضاري
قامت في جنوب الجزيرة العربية حضارة عظيمة، شهدت قيام ممالك متعددة، مثل سبأ وحِمير وحضرموت وقتبان ومَعِين وأوسان، امتلكت كلٌّ منها تجاربها السياسية والثقافية الخاصة.
تعاقبت هذه الممالك وتزامنت، واختلفت في مدى بسط نفوذها؛ حتى إن بعضها امتد نفوذه إلى مناطق واسعة من جنوب الجزيرة العربية. لكن كل ذلك يؤكد أن المنطقة لم تشهد وجود دولة واحدة استمرت موحّدة عبر القرون.
ولا يوجد ما يثبت أن هذه الممالك تبنّت جميعها قومية واحدة اسمها "اليمن"، بل ارتبطت الهوية السياسية لكل مملكة باسمها وكيانها الخاص.
ومن ثم، فإن جمع تاريخ هذه الممالك ضمن إرث حضاري واحد لا يعني أنها كانت تمثّل أمة سياسية موحّدة بالمفهوم القومي الحديث.
وعليه، فإننا، بوصفنا جنوبيين، نعتز بهويتنا الحضارية المرتبطة بتاريخ ممالك جنوب الجزيرة العربية، لكن من حقنا أيضًا المطالبة بهوية سياسية جنوبية تعبّر عن خصوصيتنا.
ثالثًا: الهوية السياسية
ظهرت الهوية السياسية اليمنية الحديثة في إطار تشكّل المملكة المتوكلية اليمنية في شمال البلاد، عقب انسحاب العثمانيين عام 1918، وتعزّز الاعتراف الدولي بها عام 1926. وانتهت هذه التجربة بقيام الجمهورية العربية اليمنية عام 1962.
وما نريد التأكيد عليه هو أن هذه الدولة لا تملك الحق في الادعاء بأنها الأصل، وأن الجنوب العربي ليس سوى فرع منها، لمجرد أنها أدرجت لفظ "اليمن" في تسميتها؛ وذلك لأنها أولًا نشأت في جزء من الرقعة الجغرافية التي يُطلق عليها اسم اليمن.
ثانيًا، لأنه لم يوجد، عبر التاريخ القديم، كيان سياسي موحّد واحد في جنوب الجزيرة العربية يحمل اسم اليمن بالمعنى الذي يُطرح اليوم.
أما في الجنوب، فقد قامت تجربة سياسية مختلفة، تمثّلت في مشيخات وسلطنات وإمارات عُرفت ضمن إطار الجنوب العربي. وتبلورت هذه التجربة السياسية الجنوبية حتى انتهت بقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عام 1967، ثم قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1970.
ومن الواضح أننا نحن الجنوبيين وقعنا في الفخ عندما تبنّينا تسمية سياسية تتضمن لفظ "اليمن" بعد الاستقلال عام 1967، في ظل تأثيرات الفكر القومي وتوجّهات القوى السياسية المسيطرة آنذاك، التي تماهت، بوعي أو بغير وعي، مع مشروع يمننة الهوية الجنوبية، وهو ما مهّد، لمشروع الوحدة عام 1990.
ومع ذلك، امتلكت كل من الدولتين في الجنوب والشمال مؤسساتها وتجربتها السياسية الخاصة، وكان لكل منهما مقعد مستقل في الأمم المتحدة.
لكن الدولتين التقتا في مشروع الوحدة الذي أُعلن عام 1990، وانتهى مسارهما المشترك بحرب عام 1994، التي حوّلت مشروع الشراكة إلى واقع من الضم والإلحاق.
وما نريد التأكيد عليه هنا هو أن قيام الدولة الحديثة لا يجعلها امتدادًا سياسيًا تلقائيًا للممالك القديمة أو لأي شكل من أشكال الحكم التي ظهرت تاريخيًا في هذه الرقعة الجغرافية.
وبوصفنا جنوبيين، نطالب باستعادة دولتنا التي كانت قائمة قبل عام 1990، فمن حقنا اختيار الهوية السياسية المناسبة لنا، سواء بالعودة إلى مسمى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، أو "الجنوب العربي"، أو أي مسمى آخر يختاره الشعب.
بشكل عام يمكننا القول أن الهوية الحضارية لاي شعب تتصل بالإرث الثقافي والتاريخي الخاص به، والهوية الجغرافية ترتبط بالانتماء إلى المجال المكاني الذي يعيش فيه، أما الهوية السياسية فتتصل بالكيان السياسي الذي ينتمي إليه. وقد تتداخل هذه الهويات، لكنها ليست مترادفة، ولا تفرض إحداها بالضرورة شكلًا سياسيًا بعينه.
والحقيقة التي يحتاج الجنوبي إلى سماعها هي أن تمسّكه بالهوية الجنوبية لا يحرمه من الاعتزاز بالهوية الحضارية والجغرافية لليمن؛ فهذه الهويات لا تتطابق بالضرورة مع الهوية السياسية للجمهورية اليمنية.
فالحضارة اليمنية القديمة والمجال الجغرافي الذي عُرف باسم اليمن ليسا حكرًا على شعب الجمهورية العربية اليمنية، ولا على أي دولة تضع لفظ "اليمن" في اسمها. ويستطيع الجنوبيون الاعتزاز بإرث جنوب الجزيرة العربية الحضاري، والاعتراف بروابطه التاريخية والجغرافية، مع التمسك بخصوصية هويتهم وتجربتهم السياسية. ومن حقهم اختيار الانتماء السياسي الذي يعبّر عن تطلعاتهم إلى الدولة التي ينشدونها.
فالتاريخ الحضاري المشترك لا يثبت وجود قومية واحدة، والجغرافيا المشتركة لا تفرض قيام دولة واحدة، واسم الإقليم لا يحسم الهوية السياسية لسكانه.
ومن هذا المنطلق، تنكشف مغالطة "اليمن الواحد عبر التاريخ" بوصفها حقيقة تاريخية حتمية لا تقبل النقاش، ويسقط شعار "الوحدة أو الموت"، وتتداعى مقولة "شطري اليمن الواحد".