آخر تحديث :الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - 08:34 م

قضايا


منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للاختراق الاستخباراتي

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - 07:50 م بتوقيت عدن

منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للاختراق الاستخباراتي

مسعود عمشوش

(هل نحن نستخدم منصات التواصل الاجتماعي، أم أنها تستخدمنا وتراقبنا دون أن نشعر؟)


من المؤكد أن معظمنا انتقل اليوم من مشاهدة شاشة التلفزيون الكبيرة إلى التحديق المستمر في شاشة التليفون. وفي هذه الشاشة تستحوذ منصات وسائل التواصل الاجتماعي (واتساب وفيسبوك وانستجرام وغيرها) على ٩٠% من وقت المشاهدة.

وإضافة لنشر التبريكات والتهاني و المنشورات أصبح الكثير منا لا يتردد في استخدام هذه المنصات في إرسال صور وخطابات ووثائق خاصة وحساسة. ولم نعد نستخدم لا البريد العادي ولا البريد الالكتروني.

وقد تبدو صورة عائلية أو منشور عن رحلة أو تعليق عابر تفاصيل يومية بسيطة، لكنها حين تُجمع وتُحلَّل قد تكشف خريطة دقيقة لحياة الإنسان وعلاقاته وتحركاته ونقاط ضعفه. وهنا تبدأ إحدى أخطر صور الاختراق في العصر الرقمي، التي لا تحتاج دائمًا إلى كسر كلمات المرور، بل يكفيها استغلال المعلومات التي ننشرها بأنفسنا.

وإذا كان الذباب الإلكتروني قد أصبح ظاهرة مألوفة، فإن الخطر الأكبر يكمن في احتمال إخضاع مشرفي المنصات أو الحسابات المؤثرة لتوجيهات حزبية أو أمنية واستخباراتية، بما يحوّل فضاءات التواصل إلى أدوات لجمع المعلومات والمراقبة والتأثير في الرأي العام.

من المنشورات إلى الاختراق

تتيح الصور والتحديثات المهنية وتفاصيل السفر والعلاقات الشخصية للمهاجمين بناء ملفات عن الأفراد والمؤسسات. ومن خلال ما يُعرف بـ«الهندسة الاجتماعية»، يمكن استغلال هذه المعلومات لصياغة رسائل احتيالية مقنعة، وانتحال شخصية مسؤول أو زميل أو صديق، واستدراج المستهدفين إلى كشف بياناتهم أو تحويل الأموال.

وتتضاعف المخاطر عند استخدام كلمة المرور نفسها في حسابات متعددة، أو الاستجابة لروابط مشبوهة، أو نشر تفاصيل تكشف أماكن وجود الأشخاص ومواعيد غيابهم. وهكذا تتحول المعلومات التي تبدو غير ضارة منفردة إلى أدوات تساعد على الاختراق والاستهداف.

من سرقة البيانات إلى التأثير السياسي

لا تقتصر المخاطر على الأفراد والشركات، بل تمتد إلى المجال السياسي. فقد أثارت قضية «كامبريدج أناليتيكا» جدلًا واسعًا بشأن استغلال بيانات مستخدمي فيسبوك في الاستهداف السياسي، وكشفت حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه البيانات الشخصية في توجيه الجمهور.

والأخطر هو احتمال توظيف الحسابات والمجموعات الرقمية لرصد أشخاص بعينهم، أو توجيه النقاشات العامة، أو خدمة أجندات حزبية وأمنية. فالمشكلة لا تتعلق بالذباب الإلكتروني وحده، بل بمن يجمع المعلومات، ويدير الحسابات، ويوجه المحتوى، ويستفيد من البيانات المتاحة.

ومع ذلك، فإن نسبة هذه الممارسات إلى جهة بعينها تتطلب أدلة قابلة للتحقق، حتى لا تتحول المخاوف المشروعة إلى اتهامات غير مثبتة.

الوعي هو خط الدفاع الأول

تبدأ الحماية بتقليل نشر المعلومات الشخصية، والتحقق من هوية المرسلين، وتجنب الروابط المشبوهة، واستخدام كلمات مرور قوية ومختلفة، وتفعيل المصادقة الثنائية. كما يتطلب الأمر تعزيز الوعي الأمني داخل المؤسسات، وفرض سياسات شفافة لحماية البيانات ومساءلة الجهات التي تستغلها.

إن منصات التواصل ليست خطرًا في ذاتها، لكن مخاطرها تتضاعف حين تتحول البيانات إلى وسيلة للمراقبة أو التلاعب، وحين تغيب الشفافية عن الجهات التي تديرها.

فالخطر لا يكمن فقط في ما ننشره، بل فيمن يجمعه، وكيف يربط بين تفاصيله، ولأي غرض يستخدمه. وفي عصر أصبحت فيه البيانات مصدرًا للقوة، لم تعد اليقظة الرقمية ترفًا، بل ضرورة لحماية الخصوصية والأمن والثقة في الفضاء العام.