(قراءة دستورية في تعميم وزير الإعلام اليمني بشأن اعتماد مصطلح المحتجزين بدلا عن أسرى الحرب) ! ! .
ليس كل ما تفرضه مقتضيات المواجهة السياسية أو الأمنية يصبح ضرورة قانونية..وليس كل ما يصدر عن سلطة عامة يكتسب مشروعيته لمجرد صدوره عنها..الدولة حين تواجه جماعة تصنفها إرهابية تكون أحوج ما تكون إلى التمسك بالقانون لا إلى توسيع دائرة الاستثناءات تحت ضغط المواجهة..ومن هذه الزاوية تحديدا أتناول((تعميم وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني)) ((بشأن اعتماد مصطلح المحتجزين من عناصر جماعة الحوثي بدلا عن أسرى حرب))!!..وهي قراءة لا تستهدف الجهة المصدرة للتعميم بقدر ما تستهدف مساءلة الأساس القانوني الذي يقوم عليه ومدى اتساقه مع الدستور والقواعد المنظمة للنزاعات المسلحة .
أولا/ القرار الإداري لا يسمو على القانون
إن الاستناد إلى قرار مجلس الدفاع الوطني رقم (1) لسنة 2022 لا يكفي بذاته لإثبات مشروعية كل أثر يراد ترتيبه عليه. فالمادة (38) من الدستور اليمني تحدد الإطار الدستوري لمجلس الدفاع الوطني..وتبقى ممارسة اختصاصاته محكومة بالقانون وحدوده..كما أن موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي منظمة إرهابية وتجريم أنشطتها وتمويلها لا تجعل المشروع قانونا نافذا قبل استكمال إجراءاته الدستورية والقانونية. فالمشروع التشريعي يظل مشروعا إلى أن يستكمل مسار إقراره ونفاذه.. ولا يجوز التعامل معه باعتباره سندا تشريعيا مكتملا قبل ذلك..ومن هنا فإن السؤال ليس ما إذا كانت الدولة تملك حق مواجهة جماعة تصنفها إرهابية..فهذا أمر مختلف عن السؤال المتعلق بحدود الاختصاص في إصدار توجيه إعلامي يراد له أن يحسم مصطلحا يرتبط بمركز قانوني تحكمه قواعد مستقلة .
ثانيا/هل نحن أمام ضرورة قانونية أم اختيار إعلامي؟ .
لا يمكن التسليم بأن هذا التعميم يمثل (ضرورة قاهرة)لمجرد صدوره في سياق نزاع مسلح أو مواجهة سياسية وأمنية . (فالضرورة القانونية) ليست افتراضا تمنحه السلطة لنفسها..ولا نتيجة تلقائية لجسامة التهديد الذي تواجهه الدولة . وإنما مسألة تستلزم تحديد أساسها وشروطها ونطاقها ومدى تناسب الإجراء المتخذ معها..وقد يكون للجهة الحكومية أن تعتمد مصطلحات معينة في خطابها الرسمي ضمن حدود اختصاصها..لكن ذلك يختلف عن محاولة جعل هذا الاختيار قاعدة تحسم التكييف القانوني للأشخاص المحتجزين أو تستبعد عنهم وصفا قد تقرره القواعد القانونية المنطبقة على حالاتهم..فلا تتحول الضرورة السياسية إلى ضرورة قانونية بمجرد إعلانها، ولا يصبح الإجراء مشروعا لمجرد أن غايته المعلنة هي مواجهة جماعة تصنفها الدولة إرهابية .
ثالثا/تصنيف الجماعة لا يحسم المركز القانوني لكل فرد ..إن تصنيف جماعة باعتبارها إرهابية وفقا للقانون الوطني مسألة..وتحديد(المركز القانوني) لكل شخص يقع في قبضة القوات المسلحة مسألة أخرى..إن صفة أسير الحرب لا تمنح بقرار سياسي ولا تسلب بتعميم إعلامي وإنما يتحدد انطباقها وفقا للقواعد القانونية ذات الصلة بطبيعة النزاع وصفة الشخص والوقائع المرتبطة به. كما أن مجرد الانتماء إلى جماعة مصنفة إرهابية لا يغني عن التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية والوصف العام للتنظيم..والمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف لا تجعل تطبيق ضماناتها الإنسانية اعترافا بشرعية أطراف النزاع..بل تنص على أن تطبيق أحكامها لا يؤثر في الوضع القانوني لهذه الأطراف..وبذلك فإن احترام الحقوق والضمانات القانونية لا يمنح جماعة الحوثي شرعية سياسية..مثلما أن تصنيفها إرهابية لا يجيز إهدار الحقوق التي تقررها القواعد القانونية الواجبة التطبيق .
رابعا/ المصطلح الإعلامي لا يصنع الحقيقة القانونية .
إن توجيه المؤسسات الإعلامية الحكومية إلى اعتماد مصطلح بعينه قد يندرج ضمن تنظيم خطابها الرسمي متى استند إلى اختصاص صحيح.. لكن الإشكال يبدأ حين يتجاوز هذا التنظيم حدوده التحريرية ليقدم المصطلح المختار باعتباره حاسما لمسألة قانونية لا يحسمها إلا القانون..أما بالنسبة إلى وسائل الإعلام المستقلة والصحفيين والناشطين.. فإن الدعوة إلى اعتماد مصطلح معين لا تتحول بذاتها إلى التزام قانوني ملزم..ولا يجوز ترتيب جزاء على مخالفتها دون سند قانوني مستقل .
ومن ثم فإن نقد هذا التعميم لا يتطلب إنكار حق الدولة في التعبير عن موقفها بل يقتضي التمييز بين الموقف الرسمي والتكييف القانوني وبين سلطة الإدارة في توجيه مؤسساتها وحدود سلطتها في تقرير الأوصاف القانونية .
خامسا/ هل يخدم هذا التعميم غايته أم يخلط بين القانون والسياسة؟ .
إذا كانت الغاية المعلنة هي تأكيد تصنيف جماعة الحوثي ومواجهة مشروعها..فإن هذه الغاية لا تستلزم بالضرورة جعل مصطلح المحتجزين بديلا مطلقا عن أسرى الحرب في جميع الحالات .
بل إن تحويل المصطلح إلى معيار سياسي عام قد ينقل النقاش من مواجهة الأفعال والوقائع والأدلة إلى صراع على التسمية..ويتيح للجماعة نفسها توظيف الجدل في خطابها السياسي والإعلامي . وهذه نتيجة محتملة ينبغي تقديرها لا حقيقة يمكن الجزم بوقوعها دون دليل.
إن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على فرض المفردات وحدها..وإنما بقدرتها على تقديم موقف قانوني متماسك .. يستند إلى نصوص نافذة ووقائع ثابتة وإجراءات مشروعة ولا يخلط بين مقتضيات المواجهة السياسية ومتطلبات القانون .
إن المسألة لا تتعلق بالدفاع عن جماعة الحوثي أو منحها شرعية لا تستمدها من المصطلحات وإنما بالدفاع عن مبدأ أوسع وأبقى وهو(ألا تتحول الخصومة السياسية إلى مصدر مستقل للقواعد القانونية وألا يصبح التوجيه الإعلامي بديلا عن التشريع..وألا تتحول الضرورة المعلنة إلى مبرر مفتوح لتجاوز حدود الاختصاص .
فالدولة التي تواجه جماعة تصنفها إرهابية لا تحتاج إلى إضعاف حجتها القانونية باسم المواجهة..بل تحتاج إلى أن تكون أكثر التزاما بالقانون من خصومها..وأكثر دقة في التمييز بين ما تملكه سياسيا وما يجيزه لها الدستور .
فالقانون ليس أداة تتغير مدلولاتها بتغير الخصوم..ولا تسقط ضماناته بتغير الأوصاف السياسية..ومشروعية الدولة لا تثبت بفرض المصطلح الذي تختاره..بل بقدرتها على إثبات أن اختيارها نفسه يستند إلى القانون .
كتب المحامي جسار فاروق مكاوي ـ عدن .