لا تراهن طهران على الصواريخ والمسيّرات وحدها؛ فهي تدرك أن الحروب لا تُحسم بالسلاح فقط، بل أيضًا بالقدرة على حشد المجتمع وتحويل الولاء العقائدي إلى قوة منظمة تخدم أهداف النظام.
وتجسّد حملة �جانفدا� (فداء إيران) هذا النهج، من خلال توظيف الخطاب الوطني والديني والتسجيل الإلكتروني والحشد الإعلامي لاستقطاب المدنيين، ثم تنظيم المتطوعين وتوجيه بعضهم نحو مهام تدريبية وأمنية مساندة. وهي صيغة حديثة ضمن تجربة أقدم يمثلها الباسيج، الذي تأسس بعد الثورة الإيرانية عام 1979، ليكون إطارًا للتعبئة الشعبية مرتبطًا بالمؤسسة الأمنية والعسكرية.
لكن السؤال الأهم ليس كيف تحشد طهران مواطنيها، بل كيف انتقلت هذه الفكرة إلى صنعاء؟
تقدم تجربة الحوثيين ملامح واضحة لنموذج التعبئة العقائدية، عبر استقطاب الشباب، وتنظيم الأنشطة التعبوية، وتوسيع التجنيد والتدريب، وتوظيف الخطاب الديني والسياسي لتقديم المشاركة في القتال باعتبارها واجبًا عقائديًا. وتُظهر هذه الممارسات أوجه تشابه مع النموذج الإيراني، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات أن كل آليات التجنيد الحوثية نُقلت مباشرة من طهران.
فالتشابه يتجاوز الشعارات إلى وظيفة التعبئة نفسها: توسيع قاعدة التجنيد، وربط الأفراد بالمشروع السياسي والعقائدي، وتوفير موارد بشرية يمكن استدعاؤها لخدمة الجبهات أو المهام الأمنية.
وهنا تكمن خطورة هذا النموذج؛ فالتعبئة لا تتوقف عند حشد المؤيدين، بل قد تتحول إلى منظومة تستثمر المدارس والمساجد والأنشطة الاجتماعية والخطاب الإعلامي في التأثير على المجتمع، ولا سيما فئة الشباب. وعندما تتداخل هذه الأدوات مع التجنيد والتدريب العسكري، تضيق المسافة بين التعبئة المدنية والتعبئة القتالية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التطوع الحقيقي والتجنيد القسري الذي تنتهجه صنعاء وتحديدا في مناطق تعز وإب وذمار والحديدة، وبين أعداد المشاركين المعلنة والقوة البشرية الفعلية؛ فهذه مسائل تحتاج إلى أدلة مستقلة، لا إلى الاكتفاء بالشعارات أو المقارنات السياسية.
الخلاصة أن طهران تقدم نموذجًا للتعبئة المنظمة، فيما طوّر الحوثيون في صنعاء ممارسات تتشابه معه في توظيف العقيدة والتنظيم والحشد البشري القسري.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل اليمنيين ليس عدد من يُحشدون اليوم، بل حجم الأجيال يضحى بها والتي تُدفع إلى منظومة صراع قد تجعل المجتمع حطبا ووقودًا لحروب طويلة، بدلًا من أن يكون أساسًا لبناء الدولة والسلام.