أعاد هجوم ميليشيا الحوثيين على مقر إقامة الحكومة اليمنية في عدن، قصر "معاشيق" الرئاسي إلى واجهة المشهد السياسي، بوصفه مكانًا ارتبط بتحولات السلطة وتبدل موازين القوة، منذ أن كانت المنطقة الساحلية المطلة على خليج عدن فضاءً للسكن والاستجمام، قبل أن تتحول إلى أحد أبرز مقرات الحكم في البلاد.
ويشكّل القصر الرئاسي الذي استهدفته ميليشيا الحوثي الخميس الماضي، جزءاً من ذاكرة سياسية لمدينة ظلت في قلب التحولات اليمنية، وشهدت محطات متعاقبة من الصراع على الحكم والنفوذ.
وعلى امتداد تاريخه، انتقل مجمع "معاشيق" من منطقة تضم مباني سكنية مرموقة، إلى منشأة ارتبطت بإقامة الرئاسة، قبل أن يصبح في السنوات الأخيرة إحدى أبرز واجهات السلطة الحكومية في عدن، وموقعاً تكررت حوله المواجهات العسكرية والتجاذبات السياسية.
واجهة مفضلة للبريطانيين
على مرتفع صخري مطل على خليج عدن، في الطرف الجنوبي من مدينة كريتر، يقع مجمع معاشيق، على بعد كيلومتر واحد من قلعة صيرة التاريخية. وانطلاقا من موقعها الساحلي المشرف على مياه خليج عدن، حظيت المنطقة بأهمية خاصة؛ ما جعلها وجهة للسكن والاستجمام لدى بعض التجار وكبار المسؤولين خلال حقبة الاحتلال البريطاني للمدينة.
وتتباين الروايات بشأن تاريخ إنشاء القصر ومبناه الأول، إذ تُرجع بعض المصادر التاريخية نشأته إلى العام 1917، فيما تشير روايات أخرى إلى أنه بدأ كمبنى سكني للتاجر الفرنسي أنتوني بيس، الذي ارتبط نشاطه التجاري والملاحي بعدن.
بعد استقلال جنوب اليمن في 1967، آلت معظم هذه المباني السكنية إلى السلطات الجديدة، ثم شملتها بعد عامين قرارات التأميم التي ضمت ممتلكات ومنشآت مرتبطة بمصالح أجنبية، تحولت معها مباني "معاشيق" إلى دور لاستضافة الوفود الحكومية والحزبية في جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية آنذاك.
وعلى إثر التحولات السياسية التي شهدها جنوب اليمن العام 1986، اختير أحد مباني المجمع لإقامة الرئيس الراحل علي سالم البيض، الذي تولى رئاسة الدولة، ليكتسب الموقع مكانة رئاسية أكثر وضوحاً.
وعقب قيام الوحدة اليمنية عام 1990، استُخدم القصر خلال إقامة الرئيس الراحل علي عبدالله صالح في عدن، وشهد المجمع أعمال تطوير وتجهيز وتوسعة شملت بعض مبانيه ومرافقه، قبل أن يتخذ الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي منه مقراً لإقامته خلال الحرب اليمنية.
من ملاذ السلطة إلى ساحة صراع
برز الدور السياسي والعسكري للقصر بصورة أكبر مع اندلاع الحرب عام 2015، حين وصل هادي إلى عدن واتخذ من القصر مقرا لإقامته ومركزا لاستعادة حضور الدولة بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء.
في مارس/ آذار من العام ذاته، تعرض المجمع الرئاسي لغارات جوية شنتها ميليشيا الحوثي وحلفائها، قبل أن يتوسع تمددها في الشهر التالي إلى الجنوب وتتمكن من السيطرة على مقر إقامة الرئيس اليمني في عدن، بعد مغادرته إلى خارج البلاد.
لكن التحديات التي واجهها القصر لم تقتصر على المواجهة مع "الحوثيين"، إذ أصبح لاحقاً في قلب الخلافات بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي برز لاعباً سياسياً وعسكرياً رئيسياً في عدن.
ولم تقتصر المواجهات حوله على القوى المسلحة، ففي العام 2021، اقتحم محتجون غاضبون من تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية بوابات القصر، حيث كانت تقيم الحكومة.
وأظهرت تلك الواقعة جانباً آخر من التحولات التي شهدها الموقع؛ فالمجمع الذي ارتبط بحضور مؤسسات الدولة بات أيضاً نقطة مواجهة مع الشارع، في ظل تراجع الخدمات وتفاقم الأزمات المعيشية.
استهداف جديد في مشهد متغير
وفي أحدث محطات هذا المسار، هاجم "الحوثيون" القصر الرئاسي بمعاشيق أواخر الأسبوع الماضي، بخمسة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة؛ ما تسبب في سقوط 5 قتلى من حراساته وموظفيه وإصابة 16 آخرين بجروح متفاوتة.
ويمثّل استهداف المجمع، الذي يرتبط بمقر إقامة الحكومة ورأس السلطة التنفيذية المعترف بها دولياً، تصعيداً ينقل المواجهة إلى موقع ذي أهمية سياسية ورمزية، في وقت تشهد فيه البلاد تجدد العمليات العسكرية واتساع نطاق المواجهة بين القوات الحكومية والحوثيين.
وبعد ما يزيد على قرن من التحولات التي شهدتها منطقة "معاشيق"، اكتسب القصر دلالة تتجاوز وظيفته الإدارية، ليصبح شاهدا على طبيعة التحديات التي واجهت السلطات الحكومية مؤخرا في تثبيت حضورها داخل عدن، في ظل مرحلة مليئة بالاضطرابات والتناقضات.