ضمن فعاليات موسم خريف 2026 لـ “صالون تفكير”، شهدت الجلسة ندوة فكرية وسياسية شائكة بعنوان “من هم الحوثيون بعد عقدين من الحرب؟”. أدار الأمسية د. أكمل صفوت، واستضاف فيها الكاتب والباحث أمين اليافعي، الحاصل على ماجستير إدارة الابتكار والتكنولوجيا من جامعة براندنبرج بألمانيا، وصاحب الكتاب الصادر مؤخرًا حول البنية القبلية وإرث الإمامة ونموذج الوكيل في الحركة الحوثية.
افتُتحت الندوة بتأكيد د. أكمل صفوت على أهمية فهم ما يجري في اليمن بعيدًا عن الاختزالات السطحية والأنماط الجاهزة، نظرًا لتأثير التغيرات السياسية اليمنية المباشر على مصر والمنطقة العربية ككل.
الموضوعية القوية وتفكيك الجذور
بدأ أمين اليافعي حديثه بإعلان انحيازه لما أسماه “الموضوعية القوية”، موضحًا أنه رغم معارضته الصريحة للحركة الحوثية، فإنه يلتزم بالتحليل العلمي الذي يفصل بين الانطباعات والشواهد التاريخية والاجتماعية.
وأشار اليافعي إلى أن الحركة الحوثية لا يمكن فهمها فقط كـ “حركة حداثية وليدة ظروف راهنة”، ولا ك مجرد امتداد تاريخي جامد، بل هي مزيج بين جذور مذهبية قديمة وشروط سياسية معاصرة. واستعرض نشأة الفكر الزيدي منذ القرن الثاني الهجري مع زيد بن علي وتأثره بفكر المعتزلة في مبدأ “الخروج على الحاكم الجائر”، مرورًا بظهور الجارودية، وصولًا إلى الهادوية مع دخول يحيى بن الحسين (الهادي إلى الحق) إلى صعدة في القرن الثالث الهجري وتأسيسه لحكم الأئمة.
هندسة القبيلة وغياب الدولة
في تحليله للبنية الاجتماعية، أوضح اليافعي أن شمال اليمن يمتلك بنية قبلية صلبة ومستقرة تاريخيًا (مثل قبائل خولان بن عامر، وحاشد، وبكيل). وأكّد أن المذهب الزيدي قدم مفهومًا بسيطًا للسلطة تماهى مع طبيعة القبيلة اليمنيّة المتنفرة من تعقيدات الدولة المركزية.
وحول التحولات التي أدت لصعود الحوثيين، كشف اليافعي عن عدة محطات مفصلية:
حقبة ما بعد ثورة 1962: وتهميش منطقة صعدة وقياداتها التاريخية.
سياسات نظام علي عبد الله صالح: الاعتماد على شبكات “الزبائنية” وشراء ولاءات شيوخ القبائل، مما أدى لتعميق الفجوة بينهم وبين أبناء قبائلهم.
التمدد السلفي والوهابي: إنشاء معاهد سلفية في صعدة (مثل دار الحديث بقيادة مقبل الوادعي)، مما أثار حفيظة الحواضن الزيدية التقليدية.
تأسيس “الشباب المؤمن”: انطلاق حركة إحياء ديني وزيدي على يد حسين بدر الدين الحوثي في التسعينيات، والتي تطورت لاحقًا إلى مواجهات عسكرية رفعت شعار “الصرخة” عقب أحداث الانتفاضة الفلسطينية والغزو الأمريكي للعراق.
واستعرض اليافعي محطات حروب صعدة الست (2004–2010)، وكيف استغلت الحركة الحوثية انهيار منظومة الحكم عقب ثورة 2011 للتحالف المرحلي مع خصمها الأسبق علي عبد الله صالح للسيطرة على صنعاء عام 2014، قبل أن تتخلص منه في 2017.
البرجماتية والإقليم ولغز “اليمن السعيد”
وفيما يخص العلاقة مع إيران وحزب الله، رأى اليافعي أن الحوثيين يمارسون برجماتية سياسية عالية؛ فهم يستفيدون من الدعم العسكري والإعلامي الإيراني وتدريبات حزب الله، لكنهم يمتلكون مشروعًا إماميًا محليًا يتجاوز فكرة مجرد بكونهم “أداة محض”. وأضاف أن البيئة القبلية الزيدية ذات الفقه “الخفيف” تصعب عملية استنساخ نموذج “ولاية الفقيه” الإيراني بالحرف.
وشهدت الندوة نقاشات ومداخلات أثرت الموضوع من زوايا متعددة:
د. خير الله: تساءل عن مدى التحول المذهبي للحوثيين من الزيدية إلى الإثني عشرية، وعلاقة ذلك بولاية الفقيه.
د. قاسم المحبشي: قدم تحليلًا فلسفيًا واجتماعيًا للوضع اليمني، مشيرًا إلى الجغرافيا التضاريسية الشديدة التي جعلت المجتمع اليمني “انقساميًا مساواتيًا” يرفض الخضوع لدولة مركزية، متطرقًا لظاهرة “عودة تاريخ الأئمة”.
د. عماد ثابت: تساءل باستغراب عن سر تسمية “اليمن السعيد” وعن غياب احتكار الدولة للعنف المشروع في ظل تسليح الشعب؛ ليجيب د. أكمل صفوت ضاحكًا بأن لفظة “اليمن السعيد” جاءت نتيجة خطأ ترجمة لاتيني قديم للفظة “الأرض التي على اليمين/الجنوب” (Arabia Felix).
عادل الشبحي: سلط الضوء على استغلال الحوثيين للمناكفات السياسية والتخادم المرحلي، وتجنيد الأطفال في الجبهات.
أشرف قنديل: أشار إلى نجاح الحوثيين في بناء شبكة مصالح اقتصادية وتجارية (ضرائب، وجمارك، ووقود) تتجاوز الأبعاد المذهبية والقبلية.
أحمد خفاجي: استفسر عن المحطات التاريخية للتدخل السعودي في اليمن منذ ثورة 1962 وترسيم الحدود عام 2000.
ختام الندوة
اختتم جمال عمر ود. أكمل صفوت اللقاء بتوجيه الشكر للباحث أمين اليافعي ولجميع المتداخلين. وأعلن عمر عن موعد الجلسة القادمة من “حوارات تفكير مع نهلة هنّو” لمناقشة العمل الأدبي “موعد مع كلوني” للكاتب والديبلوماسي محمد توفيق.
تأتي هذه الندوة لتؤكد مرة أخرى أن فهم المشهد اليمني يتطلب تفكيكًا عميقًا لتقاطعات التاريخ، والقبيلة، والدين، والسياسة، بعيدًا عن الشاشات والاختزالات المبتسرة.