آخر تحديث :الأحد - 18 أكتوبر 2026 - 08:50 م

كتابات


الربيع الأوروبي بدأ من باريس

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - 07:53 م بتوقيت عدن

الربيع الأوروبي بدأ من باريس

كتب / صالح الفضلي

يبدو أن الربيع العربي، بعد أن استنفد مواسمه في بلاد العرب، قرر الهجرة إلى أوروبا طلبًا للجوء السياسي! لكنه هذه المرة اختار باريس، المدينة التي تعرف كيف تحوّل الغضب إلى مظاهرة، والمظاهرة إلى أزمة حكومية، والأزمة إلى مادة دسمة للإعلام العالمي.

يا للمفارقة! أوروبا التي اعتادت أن تمنحنا دروسًا في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتراقب اضطراباتنا من خلف الشاشات، باتت شوارعها هي الأخرى مسرحًا للاحتجاجات والحرائق، ومواطنوها يرفعون أصواتهم في وجه الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وأزمات الخدمات. وكأن المواطن الأوروبي اكتشف فجأة أن الديمقراطية، رغم أهميتها، لا تخفض فاتورة الكهرباء، ولا تدفع الإيجار، ولا تجعل الراتب يصمد حتى نهاية الشهر!

لقد اعتدنا أن نرى الأوروبيين يشرحون لنا كيف تُدار الدول، وكيف تُحترم الشعوب، وكيف تُعالج الأزمات. واليوم، يبدو أن بعض حكوماتهم يحتاج إلى من يشرح له الدرس نفسه: أن صناديق الاقتراع ليست شيكًا على بياض، وأن الصبر الشعبي ليس موردًا لا ينفد، وأن المواطن لا يعيش على الخطب الرنانة ووعود المؤتمرات الصحفية.

أما عندنا، فقد أصبح الربيع العربي في بعض مشاهده ذكرى مؤلمة، فيما تحوّلت احتجاجاتنا اليومية إلى منشورات غاضبة على مواقع التواصل، يتبعها إغلاق الهاتف والعودة إلى معركة تدبير لقمة العيش. ثورة في التعليقات، وهدنة إجبارية في الواقع!

لكن الشماتة بأوروبا ليست موقفًا سياسيًا، كما أن كل مظاهرة أوروبية ليست ثورة، ولا كل احتجاج مقدمة لإسقاط نظام. فلكل بلد ظروفه ومؤسساته، والاحتجاج السلمي حق، بينما لا يمنح الغضب أحدًا رخصة لتخريب الممتلكات أو الاعتداء على الآخرين.

المهم أن المشهد يذكّر الجميع بحقيقة لا تحتاج إلى ترجمة: حين تتسع الفجوة بين وعود الحكومات وواقع الناس، تصبح الشوارع لغةً بديلة، وتفقد الخطب الرسمية قدرتها على إقناع الجائع بأن الأرقام الاقتصادية وحدها تكفي لإشباعه.

فهل بدأ الربيع الأوروبي من باريس، أم أن باريس لا تفعل سوى تذكير القارة بأن الربيع لا يحمل جواز سفر، وأن الغضب الاجتماعي لا يعترف بالحدود؟

الفرق أن الشعوب قد تصبر على حكوماتها، لكنها لا تستطيع أن تصبر إلى الأبد على تجاهلها.

والسؤال: إلى متى نستمر نحن في غفوتنا العميقة؟؟