البحسني يدلو بدلوه في مقال استراتيجي ينقل القضية الجنوبية من التعبئة الشعبية إلى أفق بناء الدولة
يمثل مقال �الجنوب أمام استحقاق التاريخ.. من قوة الإرادة الشعبية إلى بناء الدولة وصناعة القرار� طرحًا سياسيًا واستراتيجيًا يجمع بين تشخيص متطلبات المرحلة الراهنة واستشراف آفاق المستقبل، من خلال الدعوة إلى الانتقال من التعبئة الجماهيرية إلى البناء المؤسسي، ومن التعبير عن الإرادة الشعبية إلى امتلاك أدوات صناعة القرار السياسي والقانوني والدبلوماسي.
وتتجلى أهمية المقال في تناوله القضية الجنوبية من منظور يتجاوز الخطاب السياسي التقليدي، ليضع أمام القيادة جملة من الأولويات العملية المرتبطة ببناء المؤسسات، وتطوير المرجعية القانونية، وتعزيز الدبلوماسية، وتأسيس مراكز للدراسات الاستراتيجية، وتحديث المنظومة الإعلامية، وتوسيع الشراكة الوطنية، فضلًا عن الاهتمام بالأوضاع الاقتصادية والخدمية باعتبارها جزءًا أساسيًا من استقرار المجتمع ومصداقية المشروع السياسي.
وتكتسب هذه الرؤية دلالة إضافية بالنظر إلى صدورها عن شخصية ذات خلفية عسكرية وموقع سياسي قيادي، هي اللواء الركن فرج سالمين البحسني، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بما يمنح مضمون المقال أهمية خاصة في النقاش حول أولويات العمل السياسي والمؤسسي في الجنوب. فالجمع بين الخبرة العسكرية والعمل السياسي يبرز، في سياق هذا الطرح، أهمية الانتقال من إدارة التحديات الآنية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وربط الأهداف الوطنية بآليات واضحة للتنفيذ والمتابعة والتقييم.
ومن أبرز جوانب المقال أنه لا يكتفي بالتأكيد على أهمية الإرادة الشعبية، بل يطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية تحويلها إلى مؤسسات قادرة على إنتاج السياسات، وصياغة الملفات القانونية، والتواصل الفاعل مع مراكز القرار الإقليمي والدولي. كما أن دعوته إلى إعداد مرجعية قانونية متكاملة للقضية الجنوبية تفتح المجال أمام مقاربة أكثر تخصصًا، تستند إلى التوثيق والتحليل القانوني والحجج المدروسة، بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي العام.
أما من المنظور الجيوسياسي، فيؤكد المقال أهمية فهم مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتنويع قنوات التواصل معها، وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وهي مقاربة تبرز أن الحضور الدولي لا يتأسس على المواقف المعلنة وحدها، بل يحتاج إلى معرفة دقيقة بالبيئة الدولية، وخطاب منسجم، وملفات مهنية، وقدرة مستمرة على الحوار والإقناع.
ويُحسب للمقال كذلك اهتمامه بوحدة الصف الجنوبي، واحترام التنوع السياسي والاجتماعي بين المحافظات، والتأكيد على الحوار والشراكة والعدالة في توزيع السلطة والثروة. فهذه المبادئ لا تمثل مجرد متطلبات للتوافق السياسي، بل ترتبط أيضًا بمصداقية أي تصور مستقبلي للدولة ومؤسساتها، وبمدى قدرته على استيعاب مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية.
وتبرز القيمة العملية للمقال في خارطة الطريق الزمنية التي يقترحها، من التحرك العاجل خلال ثلاثين يومًا، إلى التأسيس خلال تسعين يومًا، ثم البناء والتوسع خلال مئة وثمانين يومًا، وصولًا إلى التقييم الاستراتيجي خلال عام. فهذا التدرج ينقل الطرح من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الأولويات والبرامج والمؤشرات، ويتيح تحويل التوصيات إلى خطة قابلة للمتابعة والمساءلة، شريطة توافر الإرادة السياسية والموارد والآليات التنفيذية اللازمة.
وخلاصة القول، يقدم المقال إطارًا استراتيجيًا متكامل المحاور، يربط بين الإرادة الشعبية وبناء المؤسسات، وبين المطالب السياسية والمرجعية القانونية، وبين الحضور الجماهيري والقدرة على التأثير الدبلوماسي. وتكمن أهميته الأساسية في دعوته إلى التعامل مع المرحلة المقبلة بعقلية الدولة ومؤسساتها، لا بمنطق التعبئة وحده، وإلى جعل التخطيط والكفاءة والشراكة الوطنية والمساءلة ركائز للعمل السياسي.
إنها رؤية تطرح قضايا جوهرية أمام القيادة الجنوبية، وتفتح نقاشًا ضروريًا حول كيفية تحويل الرصيد الشعبي والسياسي إلى مشروع مؤسسي مستدام، قادر على التعامل مع التحديات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية، والاستعداد بمسؤولية لاستحقاقات المستقبل.