آخر تحديث :الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - 08:14 م

اخبار وتقارير


قراءة في التقارب السعودي_ الإماراتي

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - 07:29 م بتوقيت عدن

قراءة في التقارب السعودي_ الإماراتي

د.امين العلياني

الأثنين 19أكتوبر 2026


لم تعد الزيارات المتبادلة بين الرياض وأبوظبي مجرد محطات دبلوماسية لتأكيد متانة العلاقات الخليجية، بل باتت، في سياق الحرب الدائرة في الجنوب والشمال وتعقيداتها المتصاعدة، وصارت محطّةً تستدعي قراءة سياسية واستراتيجية معمّقة؛ لما قد تنطوي عليه من تحولات في طبيعة التحالفات، وإعادة توزيع النفوذ، وإعادة تشكيل موازين القوة العسكرية والسياسية في الجنوب والشمال.


فزيارة نائب رئيس دولة الإمارات إلى الرياض قبل أسابيع، ثم زيارة وزير الدفاع السعودي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، تطرحان تساؤلات تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إلى جوهر الصراع بين المليشيات الحوثية والقوى المناهضة لها وأهمها القوات الجنوبية المسلحة بمختلف تشكيلاتها: هل أدرك الطرفان أن استمرار التباين في إدارة ملف الحرب يبدّد إمكانات المعسكر المناهض للحوثيين، ويمنح خصمهما فرصًا إضافية لتوسيع نفوذه؟ وهل يتجه التقارب نحو تصحيح الاختلالات التي خلّفتها سنوات التنافس، أم نحو صياغة معادلة جديدة تُعاد بموجبها هندسة القوى المناهضة للحوثيين، وتوزيع الأدوار العسكرية والسياسية وفق تفاهمات إقليمية مستحدثة؟

إن جوهر المسألة لا يكمن في التقارب ذاته، بل في طبيعة المشروع الذي سيحمله، والقوى التي ستستفيد منه، والخيارات التي ستُطرح بشأن مستقبل الجنوب ومصير قواته التي راكمت خبرة قتالية ميدانية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وموقع حزب الإخوان المسلمين الذي هيمن على مفاصل الدولة وكان سببًا في فشل ملف الحرب وتمدد الحوثيين وسيطرتها على المحافظات المحررة.


ومن هنا يأتي السؤال هل التقارب السعودي ـ الإماراتي يصبح مراجعة استراتيجية أم إعادة ترتيب لمواقع النفوذ؟


من خلال تطورات الحرب وتمددها وتصعيدات المليشيات الحوثية على سيادة ومنشآت الرياض والمحافظات الجنوبية مما يجعل التقارب بين السعودية والإمارات تصب في الارجح على مراجعة حصيلة المرحلة السابقة، ولا سيما أن اختلاف الأولويات بينهما انعكس على تماسك القوى المناهضة للحوثيين، وعلى طبيعة الترتيبات السياسية والعسكرية في المناطق المحررة.

فالسعودية تنطلق من اعتبارات أمنها القومي، وحماية حدودها، والحفاظ على نفوذها في التسوية السياسية اليمنية دون اعتبار لتضحيات القوات الجنوبية، بينما أولت الإمارات أهمية خاصة لأمن السواحل والممرات البحرية، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، وبناء شراكات مع قوات جنوبية فاعلة أثبتت حضورها في ميادين المواجهة.


وعلى الرغم من التقاء الطرفين في هدف مواجهة الحوثيين، فإن اختلاف تصوراتهما بشأن القوى التي ينبغي أن تتولى إدارة المناطق المحررة، وشكل الدولة الشمال ومستقبل الجنوب، أوجد تنافسًا داخل معسكر يفترض أن تتكامل جهوده العسكرية والسياسية.


ومن هنا، فإن التقارب الراهن قد يمثل فرصة لإعادة ضبط العلاقة بين الطرفين، والانتقال من إدارة التنافس إلى تنسيق الأدوار، لكنه قد يكون أيضًا مدخلًا لإعادة توزيع النفوذ، إذا اقتصرت تفاهماته على المصالح الإقليمية لا بد أن تستند إلى تسوية واضحة للقضايا السياسية العادلة ولا سيما قضية شعب الجنوب.

ويمكن قراءة هذا التقارب السعودي الاماراتي على مستقبل حزب الإخوان المسلمين.. هل تتراجع الرياض من تمكينه السياسي أمام اختبار أدائه العسكري الذي فشل فيه وسلم كثير من المحافظات المحررة؟

وتمثل اشكالية الإخوان المسلمين أحد الملفات الحساسة في أي تفاهم سعودي ـ إماراتي بشأن مستقبل إدارة ملف الحرب. فقد حافظ الإخوان المسلمين، عبر شخصيات سياسية وشبكات قبلية وعسكرية، على حضورها في مؤسسات السلطة المعترف بها دوليًا وفي بعض جبهات المواجهة، في حين ظل موقف الإمارات منه متأثرًا برؤيتها الرافضة لنفوذ هذه الجماعة، التي تنظر إليها على أنها قريبة من تخادمها مع المليشيات الحوثية، مع وجود تباين سعودي في توصيف طبيعة العلاقة بين الاخوان والحوثيين.

وقد أثار استمرار تعثر الحسم العسكري ضد الحوثيين، وتعدد مراكز القرار، وتباين أداء الجبهات، أسئلة مشروعة حول جدوى الترتيبات السياسية والعسكرية القائمة، وحول مدى ارتباط توزيع المناصب والنفوذ بمعايير لا تنتمي إلى الكفاءة والفاعلية الميدانية.

ومع ذلك، فإن أي مراجعة جادة لاستراتيجية الحرب لا يمكنها تجاهل نتائج أداء القيادات والقوى التي شغلت مواقع مؤثرة في إدارة المعركة وكانت فاعلة وتحظى بحضور شعبي وعسكري كالرئيس عيدروس الزبيدي . فالمعيار الذي ينبغي أن يحكم توزيع المسؤوليات هو القدرة على حماية الأرض، وتماسك القيادة، وتحقيق نتائج قابلة للتحقق، لا مجرد الانتماء الحزبي أو الثقة السياسية.

ومن هذه الزاوية، قد يفضي التقارب السعودي ـ الإماراتي إلى إعادة النظر في حجم النفوذ الممنوح للقوى الحزبية داخل مؤسسات الشرعية التي كانت سببًا رئيسًا في فشل ملف إدارة الحرب، وإلى توزيع القيادات على معايير أكثر توازنًا للمسؤوليات العسكرية والسياسية.

والسؤال الذي سيظل مطروحًا أمام الرياض هو: هل ستواصل إدارة المعركة وفق التوازنات السياسية التي حكمت المرحلة السابقة، أم ستعيد تقييم تلك التوازنات على ضوء نتائجها الميدانية، بما يضمن بقاءالنفوذ الحزبي هو المشروع البديل على حساب الكفاءة العسكرية والقدرة على الإنجازووتحرير الأرض ومحاربة الحوثيين؟

إن أي تغيير حقيقي في هذا الملف لن يُقاس بخطاب سياسي أو بتبديل بعض المواقع، وإنما بمدى إصلاح منظومة القيادة، وتوحيد القرار العسكري، وإخضاع جميع القوى لمعايير واضحة في الأداء والمساءلة واعادة النظر في بنية المجلس الرئاسي.

أما الإتفاق السعودي والإماراتي بشأن مستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي.. هل يعود إلى واجهة المعادلة؟ فالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي يحتل موقعًا محوريًا في النقاش المتعلق بمستقبل الجنوب، ليس فقط بسبب حضوره السياسي، بل أيضًا بسبب قواته الفاعلة التي ارتبطت به، وما راكمته من خبرة قتالية وأمنية في عدد من جبهات المواجهة.

ومن منظور استراتيجي، فقد مثّلت القوات الجنوبية ركيزة أساسية في مواجهة الحوثيين، وفي تأمين مناطق جنوبية، وفي التصدي للتنظيمات الإرهابية تمتلك القدرة على حماية مصادر الطاقة وممراتها الدولية.

إن التقارب السعودي ـ الإماراتي قد يفتح المجال أمام مراجعة موقع المجلس الانتقالي وقواته، إذا خلص الطرفان إلى أن استمرار التباعد ما يضعف الجبهة المناهضة للحوثيين. لكن عودة المجلس إلى واجهة المعادلة ليست نتيجة حتمية للتقارب؛ فهي تتوقف على طبيعة التفاهمات المقبلة، وعلى موقف القوى الجنوبية نفسها، وعلى مدى الاستعداد لمعالجة قضية شعب الجنوب ضمن تسوية سياسية واضحة تحتكم وفق إرادة الشعب لا مجالس تنسيقية بديلة.