منذ أكثر من ثمانية أشهر وشبوة تنزف، حتى جاءت الكارثة الأخيرة لتضع الجميع أمام حقيقة قاسية: ما يجري في المحافظة ليس مجرد سلسلة من الحوادث الأمنية، بل مؤشر واضح على خلل أعمق في إدارة الملف الأمني والعسكري، وعلى عجز القائمين عليه عن مواجهة التحديات والمخاطر بالكفاءة المطلوبة.
فجريمة الحرب التي ارتكبتها مليشيا الحوثي أمس بحق قوات التدخل السريع حديثة التجنيد، وأسفرت عن استشهاد أكثر من سبعين شهيدًا وإصابة أكثر من مائتي جريح، لم تكن فاجعة دموية فحسب، بل طرحت تساؤلات جدية حول طبيعة الترتيبات الأمنية والعسكرية القائمة، وحول قدرة من يديرها على حماية القوات وحماية المحافظة.
ومنذ خروج الإمارات من الجنوب، وتسلم السعودية قيادة التحالف العربي في شبوة وإدارة الملف الأمني والعسكري، بدأت تظهر ثغرات لم تكن موجودة من قبل. ومن أبرز أسباب ذلك ما يلي:
أولًا: الإمارات أدارت الملف بمنطق أمني وعسكري خالص
حين أدارت الإمارات الملف الأمني والعسكري في شبوة، انطلقت من منظور أمني وعسكري خالص، واستطاعت من خلال توفير الحماية وتعزيز الأمن والاستقرار تحقيق نجاح كبير في محاربة الإرهاب ومكافحته والقضاء على نشاطه وبؤر تواجده، مع إمداد القوات الأمنية والعسكرية بالاحتياجات اللازمة.
ثانيًا: تغيير النهج بعد استلام السعودية للمهمة
عند خروج الإمارات واستلام السعودية للمهمة، لم تسر القيادات العسكرية السعودية على النهج نفسه، ولم تكمل المسار، بل سارعت إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات والخطوات العسكرية تحت حجة وذريعة «إعادة التموضع» في محافظة شبوة في منتصف مارس 2026. وتم خلال ذلك سحب قوات العمالقة ثم قوات البرية الجنوبية، في وقت كانت الضرورة تقتضي تعزيز المحافظة بالقوات لا إخراجها.
أن هذه الخطوة هدفت إلى إضعاف قوات دفاع شبوة التي جرى نشرها على الخطوط الأمامية لمواجهة الحوثي، وإحلال قوات دفاع شبوة محل قوات العمالقة الجنوبية التي تمتلك الأسلحة والمعدات اللازمة للقيام بالمهمة، بخلاف قوات دفاع شبوة التي لم تكن مؤهلة للقيام بالمهمة المطلوبة. ونتيجة لذلك، دخلت قوات شبوة مرحلة استنزاف، فأصبحت كل يوم تفقد عددًا من أفرادها نتيجة استهدافهم من قبل طائرات الحوثي المسيرة، وافتقارهم إلى الأسلحة والمضادات القادرة على إسقاطها.
ثالثًا: أولوية الولاء على حساب الأمن
حرصت السعودية، على إنشاء قوات أمنية وعسكرية تكون موالية لها، باعتبار أن قوات دفاع شبوة موالية للإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي، وترفض الانصياع إلى الأوامر التي تطالب بقمع ومنع الفعاليات التي ينظمها المجلس الانتقالي في محافظة شبوة. ولهذا السبب جرى نشر قوات دفاع شبوة على الخطوط الأمامية لمواجهة الحوثي لإضعافها واستنزاف قدراتها العسكرية والبشرية. ونتيجة لذلك، فشبوة تنزف دمًا منذ أكثر من ثمانية أشهر، والمحافظة تودع كل يوم شهيدًا بين لحظة وأخرى من جنود قوات دفاع شبوة الذين يقتلهم الطيران الحوثي المسير.
رابعًا: بديل لم يكن جاهزًا
صحيح أن السعودية حلّت بديلًا للإمارات في محافظة شبوة، لكن البديل لم يكن جاهزًا، ولا يمتلك العمق الاستخباراتي والأمني الذي كانت تتمتع به الإمارات. فقد تحوّلت شبوة إلى ساحة مفتوحة، وبدت الترتيبات الأمنية الجديدة هشة وعاجزة عن حماية أبسط مواقعها. وما استهداف معسكر العلم من قبل الحوثي وسقوط أكثر من سبعين شهيدًا وإصابة أكثر من مائتي جريح إلا أكبر دليل على عدم كفاءة إدارة الملف الأمني والعسكري وقدرة القائمين عليه على التعامل مع التحديات والمخاطر، ناهيك عن عودة الأعمال الإرهابية وانتشار المخدرات بعد أن كان قد تم القضاء عليها.
خامسًا: تفكيك الانتقالي بدلًا من تحصين شبوة
للأسف الشديد، لم تكن أولوية قيادة التحالف العربي بقيادة السعودية، منذ وصولها إلى محافظة شبوة، توفير الاحتياجات العسكرية والأمنية بالقدر نفسه الذي كانت تحرص عليه الإمارات في السابق، بقدر ما بدا أن جلّ اهتمامها انصبّ على تفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي، وتحجيم دوره، وإضعاف نشاطه، والحدّ من فاعليته على الأرض، وصولًا إلى تسخير القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية لخدمة هذا التوجّه وتحقيق تلك الغاية.
سادسًا: معاناة شرطة شبوة
وإذا كانت المملكة العربية السعودية حريصة على الأمن والاستقرار في محافظة شبوة، فكيف يمكن تفسير استمرار معاناة نحو 1100 فرد من قوات شرطة شبوة بسبب توقف صرف مستحقاتهم المالية، بواقع 400 ريال سعودي شهريًا لكل فرد؟ هذه المستحقات كانت تُصرف بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان شهر ديسمبر 2025 هو آخر شهر جرى فيه الصرف، فيما لا تزال المستحقات متوقفة منذ يناير 2026 وحتى اليوم.
خاتمة
ما يجري في شبوة لا يحتمل التجميل ولا المراوغة.
فالمحافظة تدفع يوميًا فاتورة أمنية وعسكرية باهظة، بينما تتوالى الأسئلة حول جدوى الترتيبات القائمة وكفاءة من يديرها.
وحين تصبح حماية القوات وحماية المحافظة أمرًا ثانويًا أمام حسابات الولاء والصراع على النفوذ، فإن النتيجة الطبيعية هي مزيد من الدماء، ومزيد من الثغرات، ومزيد من الفراغ الذي تستثمره مليشيا الحوثي والجماعات الإرهابية.