ندرك جميعًا أن الحوثي يمثل العدو الذي نواجهه، وأن التكاتف واللحمة الشبوانية اللذين أفرزتهما جريمة استهداف الجنود في معسكر العلم يشكلان موقفًا وطنيًا واجتماعيًا يستحق الفخر والاعتزاز. فقد أكدت هذه اللحمة أن أبناء شبوة، رغم اختلافاتهم وتباين مواقفهم، قادرون على الالتقاء حول القضايا المصيرية، وأن وحدتهم تمثل مصدر قوتهم وركيزة أساسية لحماية محافظتهم ومستقبل أبنائها.
لكن الحفاظ على وحدة الصف لا يعني تجاهل الأخطاء، كما أن الالتفاف حول قضية وطنية لا ينبغي أن يكون مبررًا للصمت عن الأسئلة المشروعة. فحين تسقط أرواح العشرات، ويُصاب المئات، وفق الأرقام المتداولة التي تشير إلى سقوط 75 شهيدًا وأكثر من 200 جريح، يصبح من الواجب الوطني والأخلاقي الوقوف أمام هذه المأساة بمسؤولية، والبحث عن الحقيقة بعيدًا عن العواطف والتجاذبات السياسية.
جريمة لا يجوز أن تمر دون مساءلة
منذ اللحظة الأولى، كانت المطالبة بفتح تحقيق عاجل وشامل ومستقل في الهجوم الذي استهدف منتسبي لواء التدخل السريع حديثي التجنيد في معسكر العلم بمحافظة شبوة، مطلبًا مشروعًا لا يحتمل التأجيل أو التسويف. فالأمر لا يتعلق بمزايدة سياسية أو محاولة لاستثمار المأساة إعلاميًا، بل بحق الضحايا وأسرهم في معرفة ما حدث، وبحق المجتمع في الاطمئنان إلى أن دماء أبنائه لن تذهب دون محاسبة.
إن حجم الخسائر يفرض على الجهات المعنية تقديم إجابات واضحة عن ملابسات الهجوم، والكشف عن أوجه القصور المحتملة، وتحديد المسؤوليات وفق نتائج تحقيق مهني مستقل. فليس من المقبول أن تبقى الأسئلة معلقة، بينما تنتظر الأسر المكلومة إجابات تضع حدًا لمعاناتها وتعيد إليها شيئًا من الثقة بالجهات المسؤولة عن أمن أبنائها.
من اتخذ قرار استمرار التدريبات، إن كانت هناك تحذيرات أمنية سابقة؟ وهل جرى رصد تحليق الطائرات المسيّرة والتعامل معه وفق الإجراءات اللازمة؟ وهل كانت هناك معلومات عن تهديدات محتملة لم تُؤخذ بالجدية المطلوبة؟ وهل وُجدت ثغرات أمنية أو أوجه تقصير في متابعة التحركات المشبوهة؟
هذه الأسئلة لا تعني إدانة أحد قبل التحقيق، لكنها تعكس ضرورة البحث الجاد عن أسباب وقوع الجريمة، وتحديد ما إذا كانت هناك أخطاء أو إخفاقات كان من الممكن أن تحول دون هذه الخسائر الفادحة.
فالمطالبة بالمحاسبة ليست موقفًا ضد أحد، بل موقف مع حق الضحايا، ومع أمن شبوة، ومع ضرورة منع تكرار المأساة.
بين فرضيات الاستهداف وضرورة كشف الحقيقة
تكتسب هذه الجريمة أهمية إضافية في ظل الظروف الأمنية والسياسية التي شهدتها شبوة والجنوب، وما رافقها من تحركات وتعبئة شعبية مرتبطة بالقضية الجنوبية. وتبرز هنا ضرورة التحقق من أي صلة محتملة بين الهجوم والظروف المحيطة بمليونية التعبئة الشعبية للدفاع عن الجنوب العربي وقضيته الوطنية، التي جاءت استجابةً لدعوة الرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي في 14 أكتوبر 2026، بالتزامن مع الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر.
ومع ذلك، فإن تزامن الأحداث لا يمثل دليلًا كافيًا لإثبات وجود علاقة بينها، كما لا يجوز تحويل الاحتمالات إلى اتهامات جاهزة. فالواجب يقتضي إخضاع جميع الفرضيات المعقولة للتحقيق، وجمع الأدلة، وفحص الوقائع، وصولًا إلى نتائج موضوعية لا تتأثر بالانتماءات السياسية أو المواقف المسبقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد احتمال سعي أطراف، داخلية كانت أم خارجية، إلى استغلال الجريمة لإثارة الخلافات بين أبناء شبوة، وضرب تماسكهم الاجتماعي، ودفعهم إلى صراعات تستنزف قدراتهم وتضعف موقفهم في مواجهة التحديات الأمنية. كما ينبغي التحقق من أي محاولات محتملة لتوظيف المأساة في دفع المحافظة نحو مواجهات جديدة أو صراعات لا تخدم مصالح أبنائها.
لكن إثبات مثل هذه الفرضيات يظل مرهونًا بالأدلة، لا بالتخمينات أو الانفعالات.
فالحقيقة لا تخدمها الاتهامات المتسرعة، وإنما يخدمها التحقيق المستقل والشفاف الذي لا يستثني احتمالًا معقولًا ولا يدين طرفًا دون بينة.
اللحمة الشبوانية ليست غطاءً للأخطاء
لقد أظهرت المأساة، بما حملته من ألم وحزن، أهمية التكاتف بين أبناء شبوة، وضرورة الحفاظ على الروابط الاجتماعية التي تشكل أحد أهم عناصر قوة المحافظة. وهذه اللحمة ليست مجرد رد فعل عاطفي مؤقت، بل مسؤولية ينبغي تعزيزها بالوعي والحكمة والحرص على المصالح المشتركة.
غير أن وحدة الصف لا تعني إغلاق باب النقد، ولا تعني أن المطالبة بالتحقيق تمثل خروجًا عن الإجماع أو إضعافًا للموقف الوطني. بل إن الوحدة الحقيقية هي التي تتسع للمساءلة، وتستند إلى العدالة، وتمنح كل ذي حق حقه، وتواجه الأخطاء بشجاعة بدلًا من تجاهلها.
إن شبوة لا تحتاج إلى مزيد من الانقسامات أو تبادل الاتهامات، لكنها في الوقت ذاته لا تحتاج إلى الصمت الذي قد يسمح بتكرار الأخطاء. ما تحتاج إليه هو موقف متوازن يجمع بين حماية نسيجها الاجتماعي، والتمسك بحق الضحايا في الحقيقة، ومطالبة الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها كاملة.
فمن غير المنطقي أن نطالب أبناء شبوة بالتكاتف لحماية محافظتهم، ثم نتجاهل الأسئلة التي تتعلق بحماية جنودها وأمنهم. ومن غير المقبول أن تتحول الدعوة إلى وحدة الصف إلى وسيلة لإسكات المطالبين بالتحقيق، كما لا يجوز أن تتحول المطالبة بالمحاسبة إلى ذريعة لإشعال الخلافات أو توجيه الاتهامات بلا أدلة.
العدالة أساس الاستقرار
إن مسؤولية الجهات المعنية لا تنتهي عند إصدار البيانات أو تقديم التعازي، بل تبدأ من كشف ملابسات الجريمة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره وفق القانون، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
ومن هنا، فإن فتح تحقيق مستقل وشفاف يمثل خطوة ضرورية لاستعادة الثقة، وحماية المؤسسة الأمنية، وإنصاف أسر الشهداء والجرحى. كما أن إعلان نتائج التحقيق للرأي العام، بالقدر الذي لا يضر بسير العدالة أو بمتطلبات الأمن، من شأنه أن يقطع الطريق أمام الشائعات والتوظيف السياسي، ويمنح المجتمع فرصة لفهم ما حدث بعيدًا عن الروايات المتضاربة.
فأرواح الجنود ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، ودماء الضحايا ليست مادة للاستهلاك الإعلامي، وأمن شبوة ليس ساحة لتصفية الحسابات. إن وراء كل شهيد أسرة تنتظر الإنصاف، ووراء كل جريح معاناة تستوجب الاهتمام، ووراء كل سؤال مشروع حقًا لا ينبغي تجاهله.
شبوة أولًا
إن الموقف المسؤول اليوم هو الذي يجمع بين الثبات على مواجهة الحوثي، والحفاظ على وحدة أبناء شبوة، والإصرار على كشف الحقيقة ومحاسبة المقصرين. فلا ينبغي أن يُستخدم الخلاف حول المسؤوليات لإضعاف الصف الداخلي، كما لا ينبغي أن تُستخدم وحدة الصف لحجب الحقيقة أو تعطيل العدالة.
إن حماية شبوة تبدأ من حماية أبنائها، وصون دمائهم، وتعزيز الثقة بين المجتمع والجهات المسؤولة، وترسيخ مبدأ أن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن أمن الناس وحقوقهم لا يخضعان للمساومات السياسية.
ستظل اللحمة الشبوانية مصدر قوة واعتزاز ما دامت قائمة على التكاتف والإنصاف واحترام الحقوق.
وستظل المطالبة بالتحقيق واجبًا وطنيًا ما دامت هناك أسئلة لم تجد إجاباتها، وأسر تنتظر الحقيقة، ودماء تستحق أن تكون دافعًا لإصلاح مكامن الخلل ومنع تكرار المأساة.
فالحقيقة لا تهدد وحدة شبوة، بل تحميها. والمحاسبة لا تضعف الصف، بل تعزز الثقة بين أبنائه. أما الصمت عن الأخطاء، فهو ما قد يفتح الباب أمام تكرارها.
شبوة بحاجة إلى وحدة لا تُقصي الحقيقة، وعدالة لا تستثني أحدًا، وموقف وطني يحمي أبناءها من العدو والفتنة والتجاذبات.
الحقيقة أولًا، والمحاسبة مسؤولية، ووحدة الصف أمانة في أعناق الجميع.