آخر تحديث :السبت - 24 أكتوبر 2026 - 12:40 م

اخبار وتقارير

قراءة سياسية في لقاء أحمد الميسري على قناة الجنوب اليوم
عودة بالتوافق أم محاولة لإرباك المشهد الجنوبي؟

السبت - 24 أكتوبر 2026 - 12:40 م بتوقيت عدن

عودة بالتوافق أم محاولة لإرباك المشهد الجنوبي؟

مراقب سياسي

أثار لقاء أحمد بن أحمد الميسري مع المذيع وديع منصور على قناة الجنوب تساؤلات عديدة حول دلالاته السياسية، وتوقيته، والرسائل التي أراد إيصالها إلى الشارع الجنوبي. وبينما يرى بعض المتابعين أن اللقاء يمهّد لعودة الميسري بقوة إلى واجهة السلطة وبالتوافق، فإن قراءة مضامين حديثه تكشف عن تناقضات سياسية وتساؤلات جوهرية حول أهدافه وتوجهاته.

أولًا: هل كان اللقاء تعبيرًا عن قناعة سياسية أم محاولة لإعادة رسم موقع الميسري؟


من وجهة نظري، لم يكن حديث الميسري منسجمًا بالكامل مع متطلبات المرحلة الجنوبية، وبدا في بعض جوانبه أقرب إلى خطاب سياسي مرسوم الأهداف، يراد منه إعادة توجيه النقاش نحو قضايا الخلاف والصراع، بدلًا من معالجة الاستحقاقات الوطنية والمعيشية التي ينتظرها الجنوبيون.

وتبرز هنا تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه الميسري في الترتيبات السياسية المقبلة، وما إذا كانت هناك تفاهمات إقليمية تسعى إلى إعادة تقديمه بوصفه طرفًا فاعلًا في المشهد الجنوبي.

ثانيًا: التوقيت ودلالات مليونية 14 أكتوبر

لا يمكن قراءة اللقاء بمعزل عن الحشد الجماهيري الكبير الذي شهدته مليونية 14 أكتوبر، وما رافقها من حضور سياسي وشعبي للقضية الجنوبية، فضلًا عن كلمة الرئيس عيدروس الزبيدي بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر.

لقد أعادت المليونية التأكيد على حجم الحضور الشعبي للقضية الجنوبية، ورفعت سقف المطالب السياسية، وفي مقدمتها المطالب المتعلقة بمستقبل الجنوب وحقه في تقرير مساره السياسي.

ومن هنا، يبرز تساؤل مشروع: هل جاء اللقاء في سياق محاولة موازنة هذا الحضور الشعبي وإعادة ترتيب أوراق القوى المناوئة للمجلس الانتقالي؟ إنها فرضية سياسية تستحق النقاش، لكنها تحتاج إلى أدلة مستقلة لإثباتها.

ثالثًا: استدعاء صراعات الماضي.. من المستفيد؟

إن استحضار صراعات الماضي، ولا سيما أحداث يناير 1986، لا يخدم مستقبل الجنوب إذا تحول إلى وسيلة لإحياء الانقسامات المناطقية وإعادة إنتاج خطاب الطغمة والزمرة.

فالجنوب اليوم بحاجة إلى تجاوز جراح الماضي، لا توظيفها في الصراع على السلطة. وأي خطاب يعيد فتح هذه الملفات دون رؤية وطنية للمصالحة والعدالة وجبر الضرر قد يسهم في تعميق الانقسامات بدلًا من معالجتها.

والسؤال الذي ينبغي طرحه على الميسري وغيره من الفاعلين السياسيين هو: ما المشروع الذي يقدمونه لتوحيد الجنوبيين، بدلًا من إعادة تدوير خلافاتهم التاريخية؟

رابعًا: تجاهل الحقائق العسكرية والاقتصادية

من الملاحظات التي تستحق النقاش ضرورة تقديم قراءة متوازنة لتاريخ تحرير الجنوب، والاعتراف بأدوار جميع الأطراف التي شاركت في المعارك، بما فيها الدور الإماراتي في تحرير عدن ومناطق جنوبية أخرى، بعيدًا عن الانتقائية السياسية أو إنكار مساهمات أي طرف.

كما أن أي حديث عن مستقبل الجنوب يظل ناقصًا إذا اقتصر على الصراعات السياسية والأمنية والعسكرية، وتجاهل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطن الجنوبي.

فالكهرباء المنهارة، والفقر، والبطالة، وتدهور الخدمات، وانهيار البنية التحتية، وتراجع القدرة الشرائية، ليست قضايا هامشية يمكن تجاوزها بخطابات سياسية عن السلطة والتوافق.

خامسًا: هل العودة إلى السلطة هي المشروع؟

المشكلة ليست في عودة أحمد الميسري إلى العمل السياسي، فالمشاركة السياسية حق مشروع، وإنما في طبيعة المشروع الذي يحمله، ومدى قدرته على تقديم حلول حقيقية لقضايا الجنوب، واحترام إرادة أبنائه، والابتعاد عن أي اصطفافات إقليمية قد تجعل الساحة الجنوبية ميدانًا لتصفية الحسابات.

أما إذا كانت العودة إلى الواجهة هي الغاية الأساسية، دون برنامج وطني واضح لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإنها لن تكون أكثر من محاولة جديدة لإعادة توزيع المواقع داخل سلطة مأزومة.

الخلاصة:

في تقديري، لم يكن لقاء الميسري موفقًا في تقديم رؤية متكاملة لمستقبل الجنوب، وترك وراءه أسئلة أكثر مما قدم من إجابات. فالجنوب لا يحتاج إلى استدعاء صراعات الماضي، ولا إلى صراع جديد على المناصب، بل إلى مشروع سياسي وطني واضح، يحفظ وحدة الصف، ويعالج معاناة المواطن، ويضع المصالح الجنوبية فوق حسابات الأفراد والتجاذبات الإقليمية.

إن إرادة الشعوب لا تُختزل في لقاء تلفزيوني، ولا تُصنع بالتفاهمات المغلقة، وإنما تتحدد بمدى الاستجابة لمطالبها واحترام خياراتها السياسية.

الجنوب أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، ومستقبله لا ينبغي أن يكون ورقة في يد أي طرف إقليمي.